مع أول مطر... تغرق الشوارع ويطفو الإهمال

مع أول مطر... تغرق الشوارع ويطفو الإهمال

مع أولى زخات المطر، تتكشف الحقيقة المؤلمة التي اعتاد المواطن رؤيتها كل عام، وكأنها مشهد مكرر لا يثير الدهشة بقدر ما يثير الغضب. شوارعنا وطرقاتنا، التي يُفترض أنها شرايين الحياة اليومية، تحولت في ساعات قليلة إلى برك مائية وطينية، تعيق الحركة وتزيد من معاناة الناس، وتكشف بوضوح حجم الإهمال وسوء التخطيط في البنية التحتية.

لم تقتصر المشكلة على شوارع العاصمة دمشق، بل بدت أكثر قسوة ووضوحاً في مدن وبلدات الريف، حيث الشوارع محفرة أصلاً، تُركت لسنوات دون صيانة حقيقية، لتتحول مع المطر إلى مصائد طينية تشل حركة الآليات، وتجبر السائقين على المناورة الخطرة، وتضع المارة أمام معاناة يومية لا تليق بأبسط حقوقهم.
الأكثر إيلاماً في هذا المشهد هو ما يواجهه الأطفال أثناء ذهابهم وإيابهم إلى مدارسهم. حقائبهم المدرسية أثقلتها الكتب، وأحذيتهم تغوص في الطين، وخطواتهم الصغيرة تتعثر في برك المياه، وسط غياب شبه تام لأي حلول إسعافية أو إجراءات تخفف من هذا العبء. أي ذنب اقترفه هؤلاء ليواجهوا كل شتاء المخاطر نفسها، وكأن المعاناة أصبحت جزءاً طبيعياً من يومهم الدراسي؟
السؤال الذي يفرض نفسه بقوة: أين الجهات المعنية في المحافظات؟ وأين المسؤوليات الفنية الملقاة على عاتقها؟ كيف يعقل أن نفاجأ كل عام بالمطر، وكأنه ظاهرة طارئة غير متوقعة؟ أليس من صميم عمل هذه الجهات دراسة واقع الطرق، وصيانتها، ومعالجة الاختناقات قبل موسم الشتاء بوقت كافٍ، بدلاً من الاكتفاء بردود فعل متأخرة لا تقدم ولا تؤخر؟
إن سوء البنية التحتية لم يعد مجرد خلل فني عابر، بل أصبح دليلاً صارخاً على غياب التخطيط والمساءلة. فالطرق التي تُعبّد دون دراسة حقيقية، أو تُترك محفرة بعد أعمال خدمية دون إعادة تأهيل مناسبة، تتحول مع أول مطر إلى عبء على المواطن، وخطر على السلامة العامة.
الغضب اليوم ليس ترفاً، بل حقاً مشروعاً. فالمواطن الذي يدفع ثمن هذا الإهمال من راحته وسلامته ووقته، من حقه أن يسأل، وأن يطالب بمحاسبة المقصرين، وبخطة واضحة ومستدامة تعالج جذور المشكلة، لا نتائجها فقط.
إن استمرار هذا الواقع يعني ببساطة أننا سنبقى أسرى دائرة مفرغة... مطر، برك، شكاوى، ووعود، ثم نسيان... إلى أن يأتي الشتاء القادم. فهل تتحرك الجهات المعنية أخيراً لتكسر هذه الدائرة، أم سنبقى نكتب المقالات نفسها كل عام، بالغضب ذاته، والمعاناة ذاتها؟

معلومات إضافية

العدد رقم:
1259