حي الإخلاص في المزة... استملاك مؤجَّل منذ الثمانينات... يُبعث اليوم بلا مشروع ولا عدال
في مطلع الثمانينات كانت الجذور، وتحديداً مع صدور القانون رقم 20 لعام 1983 الخاص بالاستملاك، وقرارات ومخططات تنظيمية سبقت ذلك بقليل، وُضعت مساحات واسعة من حي الإخلاص في المزة تحت طائلة الاستملاك بذريعة المنفعة العامة.
القانون المذكور اشترط أن الاستملاك... لمشروع محدد- ذو منفعة عامة قائمة- مقروناً بالتنفيذ ضمن مدة زمنية.
لكن ما حدث فعلياً أن الاستملاك أُعلن، بينما المشروع بقي افتراضياً، بلا مخططات تنفيذية مكتملة، ولا جداول زمنية، ولا اعتمادات حقيقية.
والنتيجة أن الاستملاك بدأ ولم تبدأ المنفعة العامة.
أربعة عقود من التعليق القسري
منذ تثبيت الاستملاك وحتى الآن، عاش ملاك الحي وقاطنوه وضعاً قانونياً مشوَّهاً:
الملكية مُقيَّدة دون نزع نهائي.
التعويض غير مدفوع أو هزيل.
البناء والترميم ممنوع أو معرقل.
مع الأخذ بعين الاعتبار أن عدم تنفيذ المشروع طيلة هذه العقود يُسقط مبرر الاستملاك.
ورغم كل ذلك، لم تُنفَّذ الإخلاءات الشاملة، وبقيت العقارات مأهولة، في اعتراف ضمني بأن الاستملاك فقد مبرره.
النص الدستوري... والخرق الصريح
حتى دستور 2012، الصادر عن النظام السابق، نص في المادة 15 على أن «الملكية الخاصة مصونة، ولا تُنزع إلا للمنفعة العامة ومقابل تعويض عادل».
السؤال البديهي:
أين المنفعة العامة بعد أربعين عاماً دون تنفيذ؟
وأين التعويض العادل إذا كان غير مدفوع- أو محسوباً بقيم تاريخية بائدة؟
فما يجري اليوم هو نزع ملكية بلا منفعة وبلا عدالة، أي خرق حتى لنصوص النظام الذي أصدر الاستملاك.
الإعلان الدستوري للسلطة الحالية... نص الحماية واختبار التطبيق
نصّ الإعلان الدستوري الصادر عن السلطة الحالية بوضوح على حماية الملكية الخاصة، وربط أي مساس بها بشروط صارمة، في مقدّمتها: قيام منفعة عامة حقيقية ومحدّدة- احترام حق التقاضي وضماناته- تعويض عادل ومنصف.
هذا النص، بصرف النظر عن صيغته التفصيلية، يضع مبدأ الحماية في صلب العقد الجديد بين الدولة والمواطن، ويُفترض أن يكون مرجعاً مباشراً لكل إجراء تنفيذي يمسّ الملكية.
المقارنة الواجبة– حين يلتفّ النص وتبقى الممارسة
في عهد السلطة الساقطة، لم تكن المشكلة في غياب النصوص؛ فالدستور نفسه كان ينص على صون الملكية، لكن الممارسة الإدارية والأمنية التفت على النص:
استملاك بلا تنفيذ.
تعويضات شكلية أو مؤجّلة.
تعطيل فعلي لحق التقاضي.
اليوم، ومع إعلان دستوري جديد يَعِد بالقطيعة، يُفترض أن تتغيّر الممارسة قبل الشعارات. غير أن تنفيذ استملاكات قديمة بلا مراجعة، وبآليات تنفيذية مختصرة، يعيد إنتاج الإشكال ذاته: نصّ يحمي... وممارسة تُفرغ الحماية من مضمونها.
سقطت السلطة وبقي النظام... تبدل العنوان واستمرت الممارسة
اللبس الأخطر الذي تكشفه قضية حي الإخلاص هو الاعتقاد بأن سقوط السلطة وحده كفيل بتصحيح المظالم. الواقع أن ما لم يتغيّر هو:
الذهنية الإدارية.
منطق التنفيذ الآمر.
التعامل مع الملكية كملف تقني لا كحق دستوري.
بهذا المعنى، فإن الخشية المشروعة لأصحاب الحقوق هي أن تسقط السلطة... ويبقى النظام، ويتبدّل العنوان... وتستمر الممارسة.
الصدمة– تنفيذ ما عجزت عنه السلطة الساقطة
المفاجأة الصادمة أن السلطة الحالية لم تبدأ بالمراجعة، بل:
أعادت فتح ملفات الاستملاك القديمة.
فعّلت قرارات تعود إلى الثمانينات.
بدأت بإجراءات إخلاء استناداً إلى مشاريع لم تُنفّذ أصلاً.
هنا لا بد من طرح السؤال المركزي:
لماذا يُنفَّذ اليوم ما لم يُنفَّذ طوال أربعة عقود؟
وهل وظيفة السلطة الجديدة: تصحيح الظلم؟ أم إنجاز ما لم يكتمل منه؟
من زاوية قانونية– الاستملاك سقط بالتقادم وزوال السبب
وفق المبادئ القانونية المستقرة:
زوال سبب الاستملاك يُسقط القرار.
التقادم الطويل دون تنفيذ يفقد الإجراء مشروعيته.
تغيّر النظام السياسي والدستوري يفرض إعادة تقييم القرارات السابقة.
لكن ما يجري اليوم هو استخدام قانون الاستملاك كأداة إخلاء لا كأداة منفعة عامة.
القاطنون والشاغلون...
ضحايا خارج الحسابات
الإخلاء لا يصيب المالك وحده، بل:
عائلات سكنت منذ عقود.
أجيالاً بنت حياتها في الحي.
نسيجاً اجتماعياً كاملاً مهدداً بالتفكك.
فالقانون، حين يُطبّق بلا روح، يتحول إلى عنف مقنّع.
آلية التبليغ المعتمدة عملياً– مخفر المزة نموذجاً
استناداً إلى شهادات متطابقة أدلى بها عدد من الملاك والشاغلين في حي الإخلاص، فإن آلية التبليغ التي جرى اعتمادها مؤخراً لم تمر عبر القضاء، ولا عبر تبليغ إداري مباشر في مكان العقار، بل تمت وفق التسلسل الآتي:
استدعاء المالك أو الشاغل إلى مخفر المزة.
إبلاغه بوجود قرار استملاك قديم واجب التنفيذ.
إبراز ورقة تبليغ تتضمن طلب الإخلاء خلال مدة محددة.
الطلب من المبلَّغ التوقيع على العلم بالمضمون دون تمكينه من تقديم اعتراض فوري أو إحالة إلى جهة قضائية.
هذه الآلية، كما يصفها من خضعوا لها، اتسمت بطابع إجرائي تنفيذي أكثر من كونها مساراً قانونياً نزاعياً.
مضمون التبليغ كما ورد في الشهادات
بحسب ما أفاد به عدد من المتضررين، فإن مضمون التبليغ الذي جرى الاطلاع عليه أو التوقيع عليه تركز حول العناصر الآتية:
الإشارة إلى وجود قرار استملاك صادر أصولاً يعود إلى سنوات سابقة.
الطلب من المالك أو الشاغل إخلاء العقار خلال مهلة محددة.
اعتبار التبليغ إعلاماً بالتنفيذ، لا دعوة إلى النقاش أو المراجعة.
عدم تضمين التبليغ أي بيان واضح حول حق الطعن- الجهة القضائية المختصة- أثر الاعتراض على وقف التنفيذ.
ويؤكد أصحاب الشهادات أن الصيغة لم تتضمن تهديداً لفظياً مباشراً، لكنها اعتمدت لغة آمرة مختصرة تُشعر بأن التنفيذ أمر واقع.
توصيف قانوني حذر للآلية المتبعة
بناءً على ما سبق، يمكن توصيف ما جرى على النحو الآتي:
التبليغ تم عبر جهة شرطية، لا قضائية.
الإجراء ركّز على تنفيذ قرار قديم، لا إعادة فحص مشروعيته.
دور المبلَّغ اقتصر على العلم، لا المشاركة أو الاعتراض.
وهذا التوصيف لا يحمّل جهة بعينها توصيفاً جزائياً، لكنه يطرح تساؤلاً مشروعاً حول مدى كفاية هذه الآلية لضمان حقوق الملكية وحق التقاضي المكفولَين قانوناً.
لماذا هذا المسار مرفوض وخطِر؟
لأنه:
يقوّض الثقة بالمرحلة الجديدة.
ينسف مفهوم العدالة الانتقالية.
يؤكد أن الذهنية لم تتغير.
يضع السلطة في مواجهة مباشرة مع أصحاب الحقوق.
مطالب حي الإخلاص– الحد الأدنى من العدالة
يطالب المتضررون بـ:
وقف فوري للإخلاءات.
تجميد قرارات الاستملاك غير المنفّذة.
تشكيل لجنة قانونية مستقلة للمراجعة.
إعادة الملكيات حيث سقط سبب الاستملاك.
تعويض عادل وفوري حيث لا عودة ممكنة.
حي الإخلاص... مرآة دولة القانون أو شاهد على فشلها
قضية حي الإخلاص ليست خلافاً عقارياً محدوداً، ولا ملفاً إدارياً يمكن طيّه بإنذارات وإخلاءات. إنها اختبار مباشر لمفهوم دولة القانون الذي يُفترض أن يولد مع كل مرحلة سياسية جديدة.
فدولة القانون لا تُقاس بعدد النصوص الدستورية التي تعلن حماية الملكية، بل بقدرتها على:
مراجعة قرارات ظالمة صدرت في عهود سابقة.
الاعتراف بأن التقادم وزوال المنفعة العامة يُسقطان الاستملاك.
تقديم العدالة على السرعة، والحق على الإجراء.
حي الإخلاص يطرح سؤالاً لا مهرب منه:
هل ستكون الدولة القادمة دولة تُصحّح المظالم... أم دولة تُنجز ما لم يكتمل منها؟
إن تنفيذ استملاكات قديمة بلا مراجعة، وبالذهنية ذاتها التي همّشت الناس منذ عقود، يعني أن سقوط السلطة لم يتحوّل بعد إلى سقوط للنظام الذي أنتج الظلم. أما التوقّف، والمراجعة، وإعادة الحق لأصحابه، فتعني أن الدولة اختارت طريقاً آخر... طريق القانون، لا الأمر الواقع.
حي الإخلاص اليوم ليس طرفاً ضعيفاً في معادلة قوة، بل شاهداً حياً. ومن كيفية التعامل مع هذا الشاهد، سيتبيّن للسوريين جميعاً إن كانت الملكية الخاصة حقاً مصوناً، أم وعداً يتبدّل بتبدّل العناوين.
هنا، في هذا الحي، لا يُحسم مصير عقارات فقط... بل يُختبر مستقبل العدالة ذاتها.
معلومات إضافية
- العدد رقم:
- 1259