التحول إلى الطاقة الشمسية... بين رفاهية الإلزام والرقابة المفقودة
سلمى صلاح سلمى صلاح

التحول إلى الطاقة الشمسية... بين رفاهية الإلزام والرقابة المفقودة

انتشرت منظومات الطاقة الشمسية في سورية بشكل كثيف بعد عام 2021، وعزز انتشارها شحّ المحروقات وانقطاع التيار الكهربائي لساعات طويلة وحتى لأيام في بعض المناطق.

أما اليوم فتشهد السوق طفرة سريعة، في ظل فراغ تنظيمي وتشريعي، مدفوعة بواقع قطاع الطاقة المتردي، والذي يدفع بدوره المواطنين للبحث عن بدائل لتأمين احتياجاتهم، وقد أصبحت هذه المنظومات خياراً لا مفر منه للعديد من الأسر والمؤسسات، خاصة بعد الارتفاع الهائل في تسعيرة الكهرباء.


تشتت المسؤوليات


يُعد المركز الوطني لبحوث الطاقة الجهة الفنية المفترضة، والمسؤولة عن إجراء الاختبارات ووضع المواصفات لمنع إغراق السوق بمنتجات رديئة، لكن ما زال المركز، بحسب تعبير مديره الدكتور يوسف حسون «في طور ترتيب البيت وتحديد الواجبات ورسم الاستراتيجيات». ما يشير إلى عجزه عن القيام بدوره الفعلي على الأرض، رغم مرور عام كامل على سقوط السلطة السابقة.
ويرى حسون أن عملية مراقبة المستوردات تتطلب تنسيقاً مع هيئة المنافذ البحرية والبرية، وهو تنسيق شبه معدوم حتى اللحظة.
فيما صرّحت هيئة المنافذ على لسان مدير العلاقات العامة مازن علوش عن نيّتها «إدراج قوائم مواصفات قياسية»
وهو إجراء لم يتم تنفيذه بعد. ولم ينسَ علوش طبعاً أن يؤكد على مبدأ «السوق المفتوحة»، الذي يسمح باستيراد كل شيء على ما يبدو، حتى المستعمل والرديء!
ولم تتوانَ الهيئة عن إحالة مسؤولية الرقابة على الأسواق الداخلية إلى وزارة الاقتصاد، مما يفتح الباب بين الجهات الثلاث للتهرب من المسؤولية. وقد خلق هذا الوضع حالة من «اللا رقابة المنظمة»، حيث لا توجد جهة تتحمل المسؤولية وتفّعل آليات رقابية حقيقية.


المستهلك... الطرف الأضعف


رغم ما أفرزه غياب الأطر التنظيمية الواضحة لقطاع تجهيزات الطاقة البديلة من عواقب وخيمة ومباشرة تطال المستهلك بشكل أساسي، والذي وجد نفسه في مواجهة تحديات عدة، إلا أن قرار رفع تسعيرة الكهرباء شكّل صدمةً أجبرت المواطنين على تغيير سلوكهم وخياراتهم بشكل جذري.
ونتيجة غياب البدائل الآمنة والمضمونة، شكّل الانتقال إلى الطاقة عبئاً إضافياً على المواطن، وفرصة للاستغلال في سوق غير منظم. حيث أُغرق السوق بمنتجات غير معروفة المصدر والجودة، وبأسعار متضاربة لا تخضع لأي معيار منطقي.
كما أصبحت منظومات السخانات الشمسية للمياه، لتخفيف الاعتماد على «السخانات» التقليدية التي تستجرّ كميات كبيرة من الكهرباء، خياراً للأسر الميسورة نسبياً فقط، حيث تتراوح الكلفة للمنظومة بين 275 إلى 525 دولاراً، حسب سعة الخزان ونوعية المواسير والمستوى الطابقي، ما يعني أنها حكر على من يملكون القدرة المالية، بينما يظل الفقراء رهائن لفاتورة الكهرباء والمازوت المرتفعة.


مخاطر عديدة


يضطر المستهلك بسبب غياب المعايير الموحدة للأسعار والجودة لدفع مبالغ طائلة لقاء منتجات قد تكون رديئة أو غير مناسبة لاحتياجاته. ففي سورية حيث الحد الأدنى للأجور لا يتجاوز 63 دولاراً، يُعد شراء منظومة شمسية استثماراً هائلاً، يمثل مدخرات سنوات عدة، أو حتى قروضاً تثقل كاهل الأسر.
يفتح هذا الوضع الباب واسعاً أمام جشع بعض التجار والمتحكمين بسوق الطاقة، والذين يستغلون حاجة الناس لبيع منتجات بأسعار مرتفعة من دون تقديم ضمانات حقيقية على الجودة أو الأداء.
وتمتد هذه المخاطر بسبب غياب الرقابة على سلامة وحياة المواطنين، فقد سُجلت بالفعل حوادث مؤسفة شملت إصابات وحرائق ناتجة عن بطاريات الليثيوم رديئة النوعية. فمن دون وجود جهة رقابية تضمن مطابقة هذه المنتجات للمواصفات وتأهيل الفنيين الذين يقومون بتركيبها وصيانتها، قد تتحول المنظومة إلى «قنبلة موقوتة» في منزل المواطن.


أزمة حوكمة وإدارة


يبدو التوسع في سوق الطاقة الشمسية رد فعل طبيعي على فشل السياسات الرسمية، وبداية تحوله إلى سوق موازٍ خطِر بسبب غياب الدولة عن دورها التنظيمي والرقابي.
ولحماية السوق والمستهلك لا بد من إنشاء إطار تنسيقي فاعل بين المركز الوطني لبحوث الطاقة وهيئة المنافذ البرية والبحرية ووزارة الاقتصاد، وبالتالي الانتقال من مرحلة «وضع الاستراتيجيات» و«إدراج القوائم» إلى تطبيق المواصفات القياسية والإلزامية على جميع المستوردات. بالإضافة إلى نشر التوعية بين المواطنين حول معايير اختيار المنظومات والسخانات.
فالسوق حالياً يعيش حالة فوضى تخدم تجار الأزمة على حساب جيب وسلامة السوريين، الذين ما زالوا يدفعون ثمن تكريس غياب الدولة عن دورها في حماية المجتمع.

معلومات إضافية

العدد رقم:
1254