زراعة القطن... النداء الأخير قبل الانهيار الكامل!
سارة جمال سارة جمال

زراعة القطن... النداء الأخير قبل الانهيار الكامل!

لم يعد الحديث عن العوامل الموسمية أو المناخية كافياً أو مقنعاً لمزارعي القطن، بل بات القطاع اليوم أمام جملة من التحديات الاقتصادية والإدارية التي تهدد استدامة زراعة ذهب سورية الأبيض، والذي كان يشكّل نحو 30% من مجمل الصادرات في عام 2011.

فمن 175 ألف هكتار عام 2011، لم ينفذ من مخطط زراعة القطن هذا العام سوى 33 ألف هكتار، وتراجع الإنتاج من 717 ألف طن إلى حدود 100 ألف طن هذا العام، بحسب «توقعات» مديرية الاقتصاد الزراعي.


اختلال بين التكلفة والعائد


تشير التقديرات بحسب بعض المزارعين إلى أن زراعة الدونم الواحد من القطن تُكلف ما يقارب 285 دولاراً، فيما لا يتجاوز الإنتاج 600 كيلوغرام. وتُعزى هذه الزيادة في التكلفة إلى الارتفاع المتواصل في أسعار المدخلات الزراعية (البذور والأسمدة والمبيدات الحشرية)، بالإضافة إلى النقص الشديد في توزيع المحروقات، وارتفاع أجور العمالة الزراعية.
فيما يشهد سعر بيع المحصول انخفاضاً كارثياً، حيث قدر بـ 60 سنتاً للكيلوغرام الواحد، بينما التكلفة تقدر بحدود 90 سنتاً للكيلوغرام، والسعر المجدي اقتصادياً يجب أن يغطي التكلفة مع هامش ربح مشجع للمزارعين.
فالسعر المقدر يُفقد المزارع أي أمل في تغطية التكاليف الأساسية، ناهيك عن تحقيق أي هامش ربح، ما يجعله في حلقة مفرغة من الديون والخسائر المتتالية.


فشل مؤسسي وأزمة سيولة خانقة


لم تضع وزارة الزراعة حتى الآن تسعيرة للقطن، إلا أن مدير الاقتصاد الزراعي في الوزارة، الدكتور سعيد إبراهيم، أوضح أن الوزارة قدّرت سعر الطن الواحد لهذا الموسم بحدود 7 ملايين ليرة (نحو 600 دولار)، وهو السعر نفسه الذي حددته مناطق «الإدارة الذاتية» في الشمال الشرقي.
هذا التشابه في التسعير قد يشير إما إلى عجز جميع الأطراف عن تقديم حل حقيقي، أو وجود تواطؤ غير معلن بين القوى المؤثرة في السوق.
الواقع يقول إن أكثر من 90% من المحصول بقي مكدساً، ما دفع بعدد من المزارعين إلى الرضوخ للأمر الواقع الذي تفرضه شبكات الاستغلال والاحتكار، وبيع محصولهم بأسعار بخسة لقلّة من السماسرة والمتحكمين بالأسواق، متكبدين خسائر كبيرة.
وتقع هذه الخسارة على مزارع يعاني أساساً من ديون متراكمة للصيدليات الزراعية والعمال وأصحاب الأراضي، بعشرات الآلاف من الدولارات، لتتراكم الديون مع خسارة الموسم الحالي، من دون أي مورد لسدادها، ما يخلق ضغوطاً اجتماعية واقتصادية هائلة.


بين الحلول واستمرارية الخسارة


ساهم تأخر التسعير في معاناة المزارعين، وذلك لأهميته قبل بدء موسم الحصاد في دعم المنتجين واستقرار الإنتاج وضمان الاستمرارية ومنع التلاعب والاحتكار.
فالأزمة ليست مجرد خسارة مالية موسمية، بل هي ضربة قاضية لقطاع زراعي حيوي واستراتيجي، يشمل تأثيرها قطاعات أخرى، بالأخص الصناعية كالغزل والنسيج. فاستمرار الخسائر يعني عزوف المزارعين عن العمل والتخلي عن الزراعة، حيث سيدفع بهم العجز عن سداد الديون إلى براثن الفقر، وستزداد موجات النزوح وحتى الهجرة خارج البلاد.
التدخل الحكومي المفترض اليوم يجب ألّا يقتصر على شراء المحصول فقط، بل لا بد أن يشمل وضع آلية تسعير عادلة ومستقرة وبرنامج دعم للمدخلات الزراعية، وتعزيز الشراكة مع اتحاد الفلاحين والجمعيات الفلاحية، بالإضافة إلى معالجة أزمة الديون، وتقديم الدعم الفني لزيادة إنتاجية الدونم، مما يخفض متوسط التكلفة. والأهم هو محاربة الاحتكار وخفض رسوم النقل والمعابر التي تضاعف تكلفة التسويق.

معلومات إضافية

العدد رقم:
1254