تجارة العملة السورية المهترئة في منطقة الجزيرة... أرباح للتجار وخسائر للفقراء

تجارة العملة السورية المهترئة في منطقة الجزيرة... أرباح للتجار وخسائر للفقراء

تسود ثلاث محافظات الجزيرة (الرقة ودير الزور والحسكة) ظاهرة جديدة، تتنامى بصمت لكنها تُثقل كاهل الفقراء، وتتمثل في تجارة العملة السورية القديمة والمهترئة التي تحولت إلى سوق موازية تديرها شبكات من التجار وشركات التحويل والصيرفة، في ظل غياب شبه كامل للرقابة في مناطق سيطرة «الإدارة الذاتية».

منظومة كاملة لنهب المواطنين بالعملة المهترئة


تشير شهادات حصلت عليها «قاسيون» إلى أن غالبية شركات التحويل في القامشلي ترفض استلام أي أوراق نقدية من فئتي 500 و1000 ليرة سورية، بغضّ النظر عن كونها من الإصدارات القديمة أو الحديثة. وتقبل هذه الشركات حصراً فئات 2000 و5000 ليرة عند تسلُّم الأموال من المواطنين أو التجار.
ولكن المفارقة تظهر على الجهة المقابلة، فحين يتوجه المواطن لاستلام حوالته المالية، يجد نفسه أمام رزم من الأوراق النقدية القديمة والمهترئة من الفئات الصغيرة ذاتها التي ترفض الشركات استلامها.
ويقول مصدر مطلع لـ «قاسيون» إن «ما يحصل ليس خطأً عشوائياً بل عملية بيع وشراء منظمة، فشركات التحويل تشتري كميات ضخمة من الأوراق النقدية القديمة من تجار وشركات أخرى بأسعار أقل من قيمتها الفعلية، ثم تعيد ضخّها للمواطنين عند تسليم الحوالات».
هذه الآلية، بحسب المصدر، تحول الأوراق النقدية القديمة والمهترئة إلى سلعة تجارية، يحقق منها البعض أرباحاً طائلة، بينما يدفع المواطن الثمن من جيبه.


الفقراء دائماً الحلقة الأضعف


يتجنب كثير من أصحاب المحال التجارية التعامل بفئتي 500 و1000 ليرة لما تسببه من خسائر وتلف، فيما تمنع بعض المتاجر قبولها نهائياً. لكن الاستثناءات موجودة في قطاعات مثل باعة الخضار والصيدليات، حيث يجري تداول تلك الأوراق دون اعتراض بسبب حاجة الزبائن الملحة وانعدام الرقابة البلدية.
هذا الواقع يجعل المواطنين- خصوصاً الموظفين وذوي الدخل المحدود- عرضة للاستغلال، حيث يجدون أنفسهم مضطرين لقبول نقود متهالكة في بيئة اقتصادية خانقة.


نقود ناقصة... ورزم غير قابلة للعد


يؤكد عدد من الموظفين الحكوميين أن معاناتهم لا تتوقف عند استلام النقود القديمة، بل تتفاقم بسبب نقص بعض الرزم المالية.
وقال موظف: «لا أستطيع عدّ النقود داخل مكاتب التحويل، مثل الهرم والفؤاد، بسبب الازدحام وسوء حالة الأوراق. لكن بعد عودتي إلى المنزل، أكتشف أن بعض الرزم ناقصة ألف أو ألفي ليرة من أكثر من رزمة أحياناً».
وتتكرر هذه الحوادث مع عديد من المواطنين، ما يعزز الشكوك بأن عملية ضخ الأوراق المهترئة ليست تجارة مربحة فقط، بل بوابة للتلاعب بالكميات والحصص أيضاً، وخاصة من قبل بعض موظفي العد (الكاشير).


ممارسات بلا رقيب


تُعد هذه الظاهرة واحدة من نتائج غياب الرقابة في المنطقة، وترك الساحة مفتوحة أمام شركات الصيرفة للتحكم في نوعية النقد المتداول. كما أن ضعف قدرة المواطنين على الاعتراض أو المراجعة يزيد من استفحال المشكلة، خصوصاً أن تسلم الحوالات النقدية بات بالنسبة للكثيرين شريان حياة يرفضون المخاطرة بفقدانه.
«أحشفاً وسوء كيل؟» مثل يلخص الواقع

أحد المواطنين شبّه ما يحدث بالمثل
العربي الشهير «أحشفاً وسوء كيل؟»؛ وهو مثل يُضرب عند اجتماع خصلتين مذمومتين: سوء النوعية وظلم الكيل. وفي هذه الحالة، يرى المواطنون أن ما يتعرضون له يشبه تماماً شراء تمر رديء ووزن ناقص في آن واحد.
وتُظهر الشهادات أن تجارة العملة المهترئة في منطقة الجزيرة ليست مجرد ممارسات فردية، بل منظومة قائمة على استغلال الفقراء وغياب رقابة مؤسسات «الإدارة الذاتية» وفسادها، بينما تستفيد منها شركات التحويل وبعض التجار.

معلومات إضافية

العدد رقم:
1254