صناعة الأزمات ووهم الحلول.. البصل ليس آخراً!
عادل ابراهيم عادل ابراهيم

صناعة الأزمات ووهم الحلول.. البصل ليس آخراً!

هل تعلم عزيزي المواطن أن صناعة الأزمات، أو تحويل المشكلة (صغيرة أو كبيرة) إلى أزمة، هي عملية علمية تقوم على التخطيط المسبق والدراسة المتأنية، بموضوعها وبتوقيتها وبغاياتها وأهدافها، وبالطرف المستهدف منها، وصولاً إلى جني المكاسب المتوخاة منها لمصلحة صانعيها!؟

فالأمثلة المحلية عن الأزمات المفتعلة والمصنعة باتت أكثر من أن تعد، اعتباراً من أزمة المشتقات النفطية، مروراً بالأزمات التي يعاني منها الإنتاج (الصناعي والزراعي)، وليس انتهاءً بأزمات المواد الغذائية وأسعارها، والطرف المستهدف منها بالنتيجة هم أصحاب الأجور، والغالبية المفقرة من السوريين!
فكل أزمة من الأزمات التي نعاني منها تظهر بعد تمهيد مسبق لها، مع تبريراتها وذرائعها (الحرب والأزمة- العقوبات والحصار- سعر الصرف- الكورونا- أوكرانيا- وأخيراً كارثة الزلزال)، لتنفجر بذروتها بتوقيت محدد تظهر معه البدائل المخففة والمهدئة من حدتها، وبحيث يتم جني المكاسب منها تباعاً، بين إعداد وتمهيد وتهدئة وتصعيد، ومع كل تصعيد ترتفع مستويات النهب والاستغلال، وهكذا في مسلسل لم يعد من السهولة تذكر بدايته، ومن غير المعروف متى نهايته، أما عن المستفيدين من هذه الأزمات المتكاثرة فهم شريحة كبار أصحاب الأرباح دائماً وأبداً، وبدعم ومساهمة منقطعة النظير من قبل الحكومة، عبر سياساتها المنحازة لشريحة كبار الناهبين والفاسدين في البلد!
البصل الذكي.. الأزمة والحلول!
فأزمة مادة البصل الحالية على سبيل المثال بدأ التمهيد لها والعمل عليها، تخطيطاً وتنفيذاً وإدارة، اعتباراً من السنة الماضية عندما تم السماح بتصديرها رسمياً، بغض النظر عن حاجات السوق المحلية منها، وهو ما أدى إلى فقدانها مؤخراً، بالتوازي مع ارتفاع سعرها ليتجاوز 14 ألف ليرة للكيلو، لنصل الآن إلى مرحلة التهدئة، كحل وهمي ليس إلا، من خلال الإعلان عن البدء بتوريد كمية 2000 طن مستوردة لصالح السورية للتجارة، على أن توزع عبر صالاتها للمواطنين بموجب البطاقة الذكية، وبواقع 1 كغ لكل أسرة، وبسعر 6000 ليرة للكيلو!
على الطرف المقابل لا بد من الإشارة إلى أن المستفيد من عمليات التصدير سابقاً، ومن عمليات الاستيراد حالياً، ومن استفاد من الفروقات السعرية في السوق خلال ذروة الأزمة، هم شريحة أصحاب الأرباح!
مع الأخذ بعين الاعتبار أن التهدئة الحالية مؤقتة لتخفيف التوتر وامتصاصه ليس إلا، وهي مرتبطة بما سيتم طرحه من المادة عبر السورية للتجارة، مع عدم التمكن من تغطية الحاجات منها، ومع وضع عتبة سعرية للمادة رسمياً بواقع 6000 ليرة، ما يعني أن أسعار السوق ستبقى بالعتبة الأعلى!
وبالتفسير الرقمي للحل الوهمي فإن 2000 طن من المادة المستوردة، بحال توفرها كاملة في السورية للتجارة، وبيعها بواقع 1 كغ لكل صاحب بطاقة، يعني تغطية التوزيع لـمليوني حامل بطاقة فقط، أي سيبقى هناك مليونان من حاملي البطاقة لن يتمكنوا من الحصول على المادة بالنتيجة، على اعتبار أن عدد البطاقات 4 ملايين بطاقة ذكية!
على ذلك فإن الحديث عن تجديد المخصصات كل أسبوع، بحسب ما تم الإعلان عنه من قبل وزارة التجارة الداخلية وحماية المستهلك، هو حديث غير واقعي وغير قابل للتنفيذ، وهو ما يمثل دور التهدئة والامتصاص المطلوب الآن!
وبالتالي فإن ما يجري الآن عبر تدخل السورية للتجارة يمكن اعتباره التهدئة التي تسبق الذروة التصعيدية القادمة على مستوى سعر المادة وتوفرها في السوق لتلبية الاحتياجات الفعلية منها، وقبل انتهائها المفترض كأزمة مصنعة عند موسم حصاد المادة من الإنتاج المحلي خلال الأشهر القادمة، وبدء طرحها في السوق، مع الأخذ بعين الاعتبار العتبة السعرية التي وصل إليها سعرها الرسمي الآن، ولمصلحة القائمين على السوق والمتحكمين به من أصحاب الأرباح طبعاً، بغض النظر عن مصلحة المزارع ومصلحة المستهلك!
الأزمات المفتعلة للإنتاج (الزراعي والصناعي)!
الحديث عن أزمة البصل كمنتج زراعي يمكن بسهولة تعميمه على كل المنتجات الزراعية الأخرى التي طالتها الأزمات المفتعلة والمصنعة، مع ما يتم طرحه مقابلها من حلول وهمية ومؤقتة للتهدئة والامتصاص، تعزز الأزمات ولا تحلها!
فمحصول القمح يعاني من أزمة مستمرة، وينتقل من ذروة إلى أخرى، ارتباطاً بكميات المواسم المتناقصة عاماً بعد آخر، وبما يحقق مصالح أصحاب الأرباح (المستوردين) الذين يؤمنون الاحتياج المحلي منه لصناعة رغيف الخبز، على حساب المزارعين والمصلحة الوطنية، ويدخل ضمناً بهذا السياق إجراءات تخفيض الدعم على الإنتاج الزراعي طبعاً، كإجراء رسمي يساهم بتعزيز الأزمة ولا يحلها!
وكذلك كل المحاصيل الإستراتيجية الأخرى، بل وكل المنتجات الزراعية (النباتية والحيوانية) التي تعاني من الأزمات المفتعلة المستمرة والمستفحلة دون حلول!
الإنتاج الصناعي بحال أسوأ على مستوى ما يعانيه من أزمات عميقة ومستمرة، بدءاً بأزمة تأمين مستلزمات الإنتاج، وخاصة حوامل الطاقة، وليس انتهاءً بتكاليفه المرتفعة وما يفرض عليه من نفقات إضافية، بالتوازي مع ضعف الطلب المحلي، والمنافسة مع المستورد والمهرب من المنتجات الشبيهة، ومشكلات ومعيقات التسويق، بما في ذلك أسواق التصدير!
فغالبية الأزمات التي يعاني منها الإنتاج (الزراعي والصناعي) مفتعلة ومصنعة ومدارة بكل هدوء وعناية، وتنتقل من ذروة تصعيدية إلى ذروة تصعيدية أخرى، بغاية إضعافه وإنهائه، ومجيرة بكليتها لمصلحة كبار أصحاب الأرباح من الناهبين والفاسدين، كقوى متحكمة وغير منتجة، وبما يتوافق مع السياسات الليبرالية المتبعة!
للتذكير بالذرا التصعيدية للأزمات غير المنتهية!
الأمثلة المشابهة كثيرة، فرغيف الخبز صُنعت منه أزمة مفتعلة، بدأت رسمياً بتخفيض الدعم عليه سعراً، ووصلت الى تخفيض الدعم عليه كماً، وبما لا يسد الاحتياجات منه، ما يعني الاضطرار للبدائل المتمثلة بالرغيف التمويني على قارعة الطرقات كسوق سوداء وبسعرها المرتفع، أو بالخبز السياحي كخيار أخير لا بد منه، ومن ذروة تصعيدية إلى أخرى يتم تقليص الدعم رسمياً، ويتم التعويض بالاحتياج عبر السوق السوداء.. وهكذا!
وما ينطبق على الرغيف ينطبق على أسطوانة الغاز المنزلي، وعلى مازوت التدفئة، وعلى البنزين، وعلى الكهرباء، وعلى المياه وعلى...!
فكل الأزمات المفتعلة والمصنعة بما يخص الاحتياجات الضرورية للمواطنين تنتقل من ذروة إلى تهدئة وحلول وهمية مؤقتة وظالمة غالباً، ثم إلى ذروة تصعيدية جديدة، وهكذا في سلسلة متصاعدة من الأزمات المستمرة وغير المحلولة، مع عدم توفر النية الرسمية لحلحلتها أصلاً!
فالمكاسب التي يتم جنيها من قبل أصحاب الأرباح والناهبين والفاسدين مقابل كل أزمة من الأزمات المفتعلة متعاظمة، وتتعاظم مع كل ذروة تصعيدية تطال أياً منها، في تخطيط مسبق ومدروس، مع تقاسم للأدوار منقطع النظير بين مفتعلي الأزمات ومستثمريها وحاصدي نتائجها!
ولا أدل على ذلك من السوق السوداء على الغاز وعلى المازوت وعلى البنزين، وعلى البدائل الكهربائية التي بدأت بالبطاريات والليدات، ووصلت إلى الأمبيرات، ولن تنتهي بمساعي خصخصة كل قطاع الطاقة وحواملها على ما يبدو!
فكل الأزمات المفتعلة مدروسة بعناية ودقة متناهية، بعضها يستهدف قطاع بعينه، وبعضها الآخر يستهدف شريحة ما، وجميعها مدارة ومسخرة ومجيرة لمصلحة شريحة كبار الناهبين والفاسدين في البلاد، وعلى أيدي الحكومة بشكل مباشر وعلني، أو بشكل غير مباشر، لكنها جميعاً بما يتوافق مع السياسات الظالمة للبلاد والعباد المعتمدة رسمياً!

معلومات إضافية

العدد رقم:
1112