التسرب المدرسي.. رب ضارة نافعة!
نوار الدمشقي نوار الدمشقي

التسرب المدرسي.. رب ضارة نافعة!

في حديث لوزير التربية لصحيفة الوطن بتاريخ 14/11/2022 قال: «نسبة التسرب المدرسي تصل إلى 22% من إجمالي عدد التلاميذ في مرحلة التعليم الإلزامي.. هدف الوزارة هو الوصول إلى إعادة مليون متسرب إلى مقاعد الدراسة، حتى الآن استطعنا استقطاب 160 ألفاً..»

لا شك أن نسبة التسرب أعلاه تُعتبر كبيرة جداً، ومن الطبيعي أن تكون هناك مساعٍ لإعادة المتسربين واستقطابهم، لكن نتساءل هنا عن الإمكانية الجدية المتاحة لتحقيق ذلك؟!
فواقع الحال يقول: إن الوزارة عاجزة أصلاً عن تأمين ضرورات العملية التعليمية للمنتظمين من التلاميذ في المدارس القائمة، فكيف سيكون عليه الحال مع الحديث عن إعادة مليون متسرب إلى مقاعد الدراسة؟!

الأرقام تتحدث

بعيداً عن الحديث الإعلامي أعلاه، والترويج والتسويق المطلوب من خلاله بحيث تبدو الوزرة وكأنها تقوم بما عليها على أكمل وجه، مع مساعيها لاستقطاب المتسربين، وكأن لديها فائضاً من الإمكانات لاحتواء هؤلاء والقيام بتعليمهم، مع تأمين مستلزمات كل ذلك!
فماذا يعني استقطاب مليون متسرب من التعليم الإلزامي؟
إنه يعني بلغة الأرقام، وبكل بساطة: أن تكون هناك أكثر من 1500 مدرسة متاحة وشاغرة، في حال كان وسطي الاستيعاب في كل منها 700 تلميذ وسطياً، وبعدد شعب صفية يبلغ 17 شعبة في كل منها بالحد الأدنى، مع ازدحام صفي بحدود 40 تلميذ بكل شعبة!
فهل يتوفر هذا العدد من المدارس الكبيرة الشاغرة التي يمكن أن تستوعب هذا العدد من التلاميذ المتسربين؟
وكذلك، إن ذلك يعني أن يكون هناك أكثر من 50 ألف معلم متوفر ومتاح وفائض، كي يتفرغوا لعملية التعليم لهؤلاء المتسربين، وهذا في حال اقتصرنا حاجة كل 40 تلميذ في كل شعبة صفية إلى معلمين اثنين فقط لا غير، وبمعزل عن الاختصاصات طبعاً!
يضاف إلى ذلك، أعداد الإداريين والموجهين وغيرهم، اللازم توفرهم بكل مدرسة من أجل حسن إدارتها، والتمكن من متابعة ضرورات ومستلزمات العملية التعليمية، وهذا يعني توفر أكثر من 2000 إداري وموجه فائض، هذا بحال الاكتفاء بـ 3 إداريين في كل مدرسة من المدارس التي يفترض توفرها والبالغة 700 مدرسة، فهل ذلك متاح ومتوفر لدى الوزارة؟
وأخيراً، يمكن الحديث عن المستلزمات والضرورات للعملية التعليمية، والتي سلفاً هناك معاناة شديدة بتوفيرها في المدارس القائمة، فكيف الحال لمدارس وتلاميذ جدد، وبهذا العدد الكبير؟!

تغطية العورات

الأرقام أعلاه، وبظل الواقع المترهل والمتراجع المعروف والمُدرَك للعملية التعليمية من قبل الوزير، ومن قبل الحكومة، يتيح لنا التساؤل عن الجدية الرسمية في استقطاب المتسربين؟!
فالمتسربون بهذا العدد الكبير، والذي تعجز الوزارة عن استقطابهم عملياً من واقع الأرقام التقريبية أعلاه، يمكن أن ينطبق عليهم المثل «رب ضارة نافعة»!
فالعورات الكبيرة بما يخص العملية التعليمية بواقعها الراهن، وبأعداد المدارس القائمة والتلاميذ المنتظمين فيها اكتظاظاً، والنقص الشديد بالمعلمين والإداريين، أكبر من أن تتم التغطية على كل ذلك، فكيف الحال مع زيادة مليون تلميذ متسرب، مع كل الاحتياجات اللازمة لاستقطابهم، وبحدودها الرقمية المبينة أعلاه بالحد الأدنى؟!

المسؤولية الحكومية

إن حديث الوزير عن مساعٍ لاستقطاب مليون متسرب، مع معرفته المسبقة بعدم توفر الإمكانات لتحقيق ذلك، لا يعدو كونه تضخيماً مفتعلاً ومبالغاً فيه لعمل الوزارة بظل إمكاناتها الفعلية!
فتشجيع المتسربين على العودة إلى الدراسة لا يتم فقط من خلال توزيع السلل الغذائية، ولا من خلال الإعفاء من قيمة الكتب، أو حملات الإعلانات الطرقية وغيرها، أو استجداء المنظمات والجمعيات الدولية، ولا من خلال تفعيل العقوبات بحق ذوي التلاميذ المتسربين، وكذلك لا يتم من خلال إمكانات وزارة التربية منفردة، مع عدم التقليل من أهمية كل ما سبق طبعاً!
فهذا الشأن حكومي بامتياز، ومن الواجب أن تعمل الحكومة مجتمعة على تذليل كافة الصعوبات القائمة بوجه عملية استقطاب المتسربين، هذا بحال الجدية الرسمية في ذلك طبعاً!
وطالما أن الحديث عن المسؤولية الحكومية بهذا الإطار، فلعله من الضروري بالتوازي مع الحديث عن ضرورات توفير ممكنات استقطاب المتسربين، أن يتم الحديث عن ضرورات الحفاظ على التلاميذ المنتظمين في المدارس، والأهم ضرورات الحفاظ على الكادر التعليمي، وتوفير مستلزمات العملية التعليمية في المدارس القائمة!
بمعنى أكثر وضوحاً، ضرورة توفير الاعتمادات المالية الكافية لكل ذلك، بدلاً من سياسات التقشف- وضغط الإنفاق، وتخفيض الدعم- المعمول بها رسمياً!

عوامل الجذب والنبذ

واقع الحال يقول: إن عوامل النبذ من العملية التعليمية أكبر من عوامل الجذب فيها، اعتباراً من ضغوط الواقع المعيشي والخدمي المتردي للمعلمين وذوي التلاميذ، مروراً بالنقص الشديد في أعداد المعلمين والإداريين، وليس انتهاءً بالازدحام الصفي، مع نقص مستلزمات العملية التعليمية!
فالجدية والمسؤولية الحكومية، بحال توفرها، يجب أن تكون كلاً لا يتجزأ، وعلى كافة المستويات، لكن مع كل أسف لا جدية ولا مسؤولية طالما بقيت واستمرت السياسات المطبقة على حالها!
فالسياسات المتبعة، بما في ذلك السياسات التعليمية، هي سياسات نابذة وطاردة على كافة المستويات، اعتباراً من تزايد نسبة التسرب المدرسي، وليس انتهاءً بتزايد معدلات الهجرة من البلاد!

معلومات إضافية

العدد رقم:
1097

تابعونا على الشبكات التالية!

نظراً لتضييق فيسبوك انتشار صفحة قاسيون عقاباً لها على منشوراتها المتعلقة بالقضية الفلسطينية، ندعوكم لمتابعة قنواتنا وصفحاتنا الاخرى على تلغرام وتويتر وVK ويوتيوب وصفحتنا الاحتياطية على فيسبوك