الأعلاف.. مستنقع جديد للمضي في أوحال محتكريه
نادين عيد نادين عيد

الأعلاف.. مستنقع جديد للمضي في أوحال محتكريه

تتعمق حجم المأساة الكارثية على مستوى قطاع الثروة الحيوانية، يوماً بعد آخر، فقد انتقل مستوى صعوبات الإنتاج التي يواجهها المربي إلى مرحلة لا يمكن الاستمرار وفقها، أو حتى النجاة بما تبقى من هذا القطاع الإنتاجي الهام.

باتت معيقات الإنتاج كثيرة، تتناسب مع حجم الذرائع، والتي دخلت إلى مستوى جديد مرتبط بشكل مباشر بتبعات الحدث الأوكراني على المستوى الاقتصادي العالمي، والذي سمح بتعميق وتوسيع الاحتكار والنهب في الأسواق المحلية أضعافاً مضاعفة على حساب الغالبية المستضعفة من المواطنين.

الذرائع القديمة بحلة جديدة

تراجع إنتاج قطاع الثروة الحيوانية ليس جديداً على العموم، ولكنه وصل إلى نسب باتت مخيفة فعلاً بانعكاساتها على الأمن الغذائي، والسبب الرئيسي من هذا كله يعود إلى تملص الحكومة عن أداء مهامها الأساسية منذ سنوات عدة، متخلية عنها لقلة من التجار المتحكمين بمنافذ الاستيراد والتصدير، وليصبح دور الدولة مغيّباً بكل ما تعنيه الكلمة عن أهم القطاعات الإنتاجية الإستراتيجية المرتبطة بالأمن الغذائي للمواطنين.
فمعاناة من بقي صامداً من مربي هذا القطاع مستمرة وآخذة بالتطور نحو الأسوأ، وذلك تبعاً لما تقتضيه مصلحة حيتان الاستيراد ومن يقبع تحت كنفهم من تجار جملة، فقد وصلت كلف الإنتاج إلى أرقام جنونية فعلاً، وهذا ما يكشفه تصريح عبد الرحمن قرنفلة الخبير في الإنتاج الحيواني بقوله: «يحتاج مربو الدجاج البياض الذي لديه 10 آلاف دجاجة بياضة إلى حوالي مليون و630 ألف ليرة يومياً، وقرابة 79 مليون ليرة شهرياً».
هذه الحسبة التي قدمها الخبير تنحصر بكلف الأعلاف فقط، فكيف سيكون الحال مع ما تبقى من تكاليف أخرى أساسية أيضاً، من الكهرباء والمازوت والصيانة والأدوية واللقاحات البيطرية، وقيمة أطباق البيض الفارغة التي حلقت أسعارها أيضاً أضعافاً مضاعفة.
فالمواد اللازمة للتدفئة كالمازوت مثلاً وصل سعره إلى حدود الـ6 آلاف ل.س خلال الأسبوعين الماضين، بعدما تراوح سعره خلال أشهر البرد الماضية بين 3500 والـ 4 آلاف ل.س.

المؤسسة والتاجر معاً يداً بيد

من المؤكد أن التدهور الهستيري لهذا القطاع سيؤول إلى تدمير ما تبقى منه مع سلة الارتفاعات الجديدة غير المسبوقة والتي طالت أسعار الأعلاف في السوق المحلية.
فوفقاً لتصريح عضو لجنة مربي الدواجن يوم 23 أذار الجاري، أصبح سعر كيلو الذرة الصفراء 2500 بعدما كانت تباع بـ 1500 وكذلك الأمر بالنسبة لكسبة فول الصويا التي أصبح سعرها 3500 بعدما كانت 1700 ل.س.
حجة ارتفاع الأسعار الكارثية محلياً، تنسب إلى ارتفاع أسعار الأعلاف عالمياً نتيجة الأزمة الأوكرانية، والتي أضيفت إلى فاتورة الاستيراد المرتفعة أصلاً عن أقرانها من دول الجوار، وعن تكاليف الاستيراد العالمية وبنسبة تصل إلى الـ 40% لقاء مخاطر الاستيراد بسبب «العقوبات والحصار» كما تسميها الحكومة، ناهيك عن ارتفاع أجور الشحن عالمياً.
واللافت أن الحكومة أيضاً لم تتوانَ عن رفع الأسعار لكل من الذرة الصفراء وكسبة فول الصويا، بحيث أصبح سعر كيلو الذرة الصفراء 1500 بعدما كان بـ 1200 ل.س، أما كسبة فول الصويا بـ 2500 بدلاً من السعر السابق 2200 ل.س.
والأكثر من ذلك تم تخفيض حصة المربي من الأعلاف خلال دورة التوزيع الأخيرة، التي افتتحت منذ شهرين، لتصبح بواقع 500 غرام ذرة صفراء بدلاً من 1000 غرام، مع ثبات توزيع 300 غرام من كسبة فول الصويا و200 غرام من النخالة، وكأنما المربي ينقصه خنق إضافي فوق تلك الصعوبات التي رفعت كلف الإنتاج عليه وما زالت تحمّله خسارة فوق خسائره، وليتحمل نتائج ذلك العبث المستمر المواطن المستهلك جنباً إلى جنب مع المربي.

أرقام ومفارقات

بلغ سعر الطن من الذرة الصفراء في الأسواق المصرية خلال الأيام الماضية 7750 جنيهاً، أي ما يعادل 422 دولاراً للطن، بينما في سورية سعر طن الذرة الصفراء حوالي 2,3 مليون ل.س، أي ما يعادل 583 دولاراً للطن الواحد، من خلال مقارنة سعر مادة الذرة الصفراء بين سورية ومصر نجد أن الفارق في الطن الواحد حوالي 32%.
كما أن سعر الكيلو منه يباع في الأسواق السورية بـ 2500، ما يعادل 0.63 دولار ما يعني أن سعر مبيع الطن حولي 633 دولاراً.

الحلول الجدية سبيل الخلاص

ما ينبغي الإشارة إليه، أن الحكومة باتت تحمّل ارتفاعات الأسعار على وجه العموم، وبما فيها الأعلاف إلى الأزمة الأوكرانية وتداعياتها، وكأنما كانت الأسعار ما قبل الحدث الأوكراني مستقرة، ولم يكن يعاني هذا القطاع من الاستنزاف المتواصل والتراجع المستمر، نتيجة تلك السياسات الاقتصادية المحابية لمصالح كبار الحيتان، حتى بات الكثيرون يتساءلون بنكهة كوميدية هل حكومتنا الموقرة تستورد الأعلاف بجميع أنواعها وسلع الغذائية...إلخ، حصراً من ذلك البلد وكأنما لم يبق غيره!
في الحقيقة، إن الاعتماد على استيراد المواد العلفية وارتفاع أسعارها المتتالي خلال السنوات السابقة وحتى يومنا هذا، أدى إلى خروج أعداد مهولة من مربي هذا القطاع من دائرة الإنتاج، ما تسبب بتراجعه وانعكاس ذلك على واقع أسعار منتجات هذا القطاع من ألبان وأجبان ولحوم وبيض، والتي باتت في يومنا هذا سلعاً خارج دائرة الاستهلاك للغالبية المفقرة.
فالفارق الكبير بين الأسعار الاستهلاكية ودخل مواطن أصبحت خيالية، خصوصاً أن سعر كيلو لحم الغنم في الأسواق اليوم يتراوح بين 40 والـ 48 ألف ل.س للكيلو، أي ما يساوي نصف وسطي راتب الموظف، وسعر البيضة الواحدة تجاوز 500 ل.س.
وللخروج من شبح كارثة المجاعة لا بدّ من اتخاذ موقف جدي متحيز لمصالح الغالبية المفقرة من المواطنين، بعيداً عن مصالح شبكات الفساد والنهب، تنهي مظاهر ارتفاع الأسعار والاحتكار والنهب، عبر استعادة دور الدولة الأساسي، من خلال العمل على إحياء دور سورية كمنتج حقيقي، عبر دعم إنتاج الأعلاف محلياً، خصوصاً أن الحامل المادي لهذه العملية متوفر، سواء من أراضي خصبة أو مصانع، مع استعادة دور الدولة الرقابي، وحصر عمليات الاستيراد بيد مؤسسات الدولة، بالإضافة إلى عمليات الإنتاج والتوزيع والتسعير والتسويق، وإلا فسيكون السوريون على موعد حتمي للغرق في مستنقع المجاعة المميت!

معلومات إضافية

العدد رقم:
1063