زيت الزيتون خارج موائد الفقراء أيضاً
سمير علي سمير علي

زيت الزيتون خارج موائد الفقراء أيضاً

سيخرج زيت الزيتون من موائد الفقراء، وبشكل نهائي، اعتباراً من الموسم الحالي على ما يبدو، فقد وصل سعر «البيدون» 20 ليتر من المادة إلى أكثر من 300 ألف ليرة، وهو مبلغ كبير على الغالبية المفقرة في ظل التردي المعيشي المعمم والمستمر، فلا «عروسة» زعتر وزيت كزوادة للتلاميذ من أبناء هؤلاء يقتاتون بها خلال الفرصة في مدارسهم من الآن فصاعداً!

فقد تراجع إنتاج الزيتون لهذا الموسم لعدة أسباب، منها: طبيعي بسبب متغيرات المناخ، وخاصة موجات الجفاف وتأثيرها السلبي، ومنها مرتبط بتكاليف الإنتاج المرتفعة، التي فرضت على المزارعين التوفير في بعضها، وخاصة الأسمدة والأدوية الزراعية، والنتيجة أن موسم هذا العام انخفض بما يقارب ٣٥% عن الموسم السابق.

الزراعة تؤكد

وزارة الزراعة أكدت تراجع إنتاج الموسم الحالي، وذلك بحسب تصريح مديرة مكتب الزيتون في وزارة الزراعة «م. عبير جوهر» عبر تلفزيون الخبر بتاريخ 30/10/2021، حيث قالت: «لحظنا انخفاضاً في إنتاج الزيتون لهذا الموسم بنسبة 34% عن الموسم الماضي، وذلك من خلال الجولات التي قمنا بها، وهذا خلاف توقعاتنا التي صرّحنا بها مع بداية الموسم، ولتغيّرات المناخ دور أساسي في ذلك».
ولعله من الطبيعي أن تراجع الإنتاج سيؤثر مباشرة على السعر ارتفاعاً، سواء للزيتون أو الزيت، حيث وصل سعر «البيدون» ٢٠ ليتر إلى أكثر من ٣٠٠ ألف ليرة كما أسلفنا، وهو سعر قابل للزيادة وليس للنقصان، ارتباطاً مع آليات العرض والطلب (المتحكم بها من قبل التجار طبعاً)، وهذا السعر مرتبط بتكاليف قطاف الموسم وأجور المعاصر وتكاليف النقل، وهي تكاليف متباينة نسبياً من مكان إلى آخر، تضاف إليها هوامش ربح حلقات التجارة من كل بد، وهو ما أشارت إليه مديرة مكتب الزيتون أيضاً بقولها: «لا شك أن هذا التراجع سينعكس على الأسعار، ومن خلال جولاتنا على المعاصر تُباع تنكة زيت الزيتون سعة 18 كيلو، بمبلغ يتراوح بين 198– 200 ألف ليرة سورية في حمص وتلكلخ، وفي بعض المناطق قد يُباع بأسعار أعلى، علماً أن هذه الأسعار في المعاصر، أي بدون وجود وسيط».

إجراءات رسمية لذر الرماد في العيون

الإجراء الحكومي المتخذ المتمثل بـ «الإيقاف المؤقت لتصدير مادة زيت الزيتون المُعبأة بعبوات تزيد سعتها عن خمسة ليترات، حتى نهاية العام الجاري»، استناداً إلى توصية اللجنة الاقتصادية مطلع شهر آب الماضي، بغاية «ضبط سعر المادة، وإعادة توازنها السعري في الأسواق المحلية»، بحسب ما أُعلن، لم يكن كافياً للحد من ارتفاع سعر المادة عملياً، وهو ما ظهر جلياً وفقاً للأسعار الحالية، خاصة في ظل استمرار عمليات تهريب المادة، والتي تزايدت مع وقف التصدير المؤقت ولم تنخفض!
فقرار وقف التصدير أصبح مبرراً إضافياً للضغط على المزارعين من قبل التجار المتحكمين بالسوق وآليات التسويق والبيع فيه، بغاية تخفيض سعر الشراء من المزارعين، بالضد من مصلحتهم ومصلحة المستهلك.
فالقضية السعرية مرتبطة أصلاً بتكاليف الإنتاج المرتفعة، والتي أصبحت تثقل كاهل المزارعين الذين أصبحوا يتكبدون خسائر سنوية، اضطرت بعضهم إلى قطع أشجارهم واستبدال هذه الزراعة، أو هجرة الأرض والعمل الزراعي بشكل نهائي، تماما كحال المعاناة بالنسبة لبقية المحاصيل الزراعية الخاسرة بالنسبة للمزارعين سنوياً، مثل: الحمضيات وغيرها من المحاصيل الأخرى، بما في ذلك المحاصيل الاستراتيجية كالقمح.
فأُس مشكلة المعاناة بالنسبة للمزارعين هو: ارتفاع تكاليف الإنتاج، من أسمدة ومبيدات وأدوية زراعية ومحروقات وأجور يد عاملة، وغيرها الكثير، بالإضافة إلى مشاكل وصعوبات التسويق (الداخلي والخارجي)، حيث لم تنعكس إيجابيات فائض الإنتاج في بعض المحاصيل خلال السنوات السابقة لا على المزارع المنتج، ولا على المواطن المستهلك، بمقابل حصاد الأرباح من قبل حيتان التجارة (تجار الجملة والمستوردين والمصدرين والمهربين) فقط لا غير.
فبالرغم من كل الحديث الرسمي عن «الدعم» المقدم للزراعة، وخاصة المحروقات، إلّا أن ذلك لم يكن بواقع الحال إلّا لذر الرماد في العيون، فالتكاليف على المزارعين ترتفع باستمرار ودون توقف.
فجملة مستلزمات الإنتاج متحكم بها من قبل حفنة من كبار التجار والمستوردين، الذين يفرضون أسعارهم الاحتكارية على هؤلاء، على مرأى ومسمع الحكومة، بل وبدعمٍ مباشرٍ وغير مباشر لهؤلاء فقط، وليس للمزارعين أو المنتجين عموماً، يضاف إلى ذلك التحكم بآليات العرض والطلب في السوق، التي يدفع ضريبتها المنتج والمستهلك فقط لا غير.

نحو مزيد من العوز الغذائي

النتيجة، أن زيت الزيتون أصبح سلعة غذائية مرتفعة السعر على الغالبية المفقرة، وستخرج هي الأخرى من سلة الاستهلاك اليومي لهؤلاء، كما غيرها من السلع الغذائية الكثيرة الأخرى التي خرجت من حيّز الاستهلاك رغماً عنهم، بسبب ارتفاعات الأسعار المستمرة على السلع والمواد، وخاصة الغذائية منها، ومستويات الاستغلال المتزايدة في الأسواق، بالتوازي مع استمرار انخفاض القيمة الشرائية لليرة مع ثبات معدلات الأجور المتدنية، أي مزيد من التدهور المعيشي لهذه الغالبية.
فلا خبزة وزيتونة قد تتوفر لهم على موائدهم، ولا «قضوضة» زيت وزعتر لأبنائهم توفر لهم الحد الأدنى من «الأمن الغذائي»، الغائب تماماً من الحسابات الحكومية، بدليل استمرار تسجيل معدلات متزايدة من الفقر والعوز سنوياً، ومزيداً من التراجع على مستوى الأمن الغذائي للغالبية المفقرة، ولا حل لهذه المشكلة المتفاقمة والعميقة، أو غيرها من الكوارث التي يدفع ضريبتها المفقرون وحدهم، وعلى كافة المستويات، إلّا من خلال تغيير السياسات الليبرالية المحابية لمصالح كبار الحيتان على حساب مصالح هؤلاء، كما على حساب الاقتصاد الوطني والوطن عموماً.

معلومات إضافية

العدد رقم:
1042
آخر تعديل على الإثنين, 01 تشرين2/نوفمبر 2021 14:28