وزارة التجارة الداخلية بين الاتهام وإنهاء المهام!
عاصي اسماعيل عاصي اسماعيل

وزارة التجارة الداخلية بين الاتهام وإنهاء المهام!

ناقش مجلس الشعب خلال الأسبوع الماضي أداء وزارة التجارة الداخلية وحماية المستهلك، وقد توقف بعض أعضاء المجلس عند الكثير من جوانب التقصير في عمل الوزارة.

المداخلات التي قدمها أعضاء المجلس تناولت (ارتفاع الأسعار_ المواد منتهية الصلاحية_ مراقبو التموين_ الفلتان في الأسواق_ أدوات التدخل الإيجابي_ عمال الأفران_ جودة الخبز..).
الرهان على آليات العرض والطلب
مما لا شك فيه أن أداء الوزارة، وخاصة على مستوى حماية المستهلك، هو مثار للكثير من الملاحظات والانتقادات، والتي من الممكن أن تصل لحدود الإدانة على التقصير، في ظل واقع الفلتان في الأسواق، والارتفاع المستمر للأسعار دون مبرر، وضعف الرقابة التموينية، وصولاً لتعميق وتوسع الغش وتنوع وسائله وآلياته، وخاصة للمواد والسلع الغذائية، سواء ناحية المواصفة والجودة، أو ناحية التلاعب بتواريخ الإنتاج وانتهاء الصلاحية، مع الانعكاسات السلبية لذلك كله على صحة المستهلكين وسلامتهم، كما على مستوى معيشتهم.
لكن الملفت في المداخلات، هو: الرأي الذي صرح به أحد أعضاء المجلس من أنه: «لا داعيَ لوجود الوزارة، وبأن من يضبط الأسواق عملية العرض والطلب وليست القرارات والتعاميم، ولو أصدرت الوزارة مئات القرارات»! وذلك حسب ما نُقل عبر وسائل الإعلام.
رأي عضو مجلس الشعب أعلاه، كان من ضمن مجموعة من الملاحظات التي توقف عندها في معرض النقاش حول أداء الوزارة، حيث اعتبر: «أن الكثير من أدائها يمر عبر قنوات خاصة فضلاً عن أشخاص وتجار متنفذين» وبأن: «المستهلك هو ذيل اهتمامها»، ولم يغفل دور التدخل الإيجابي، حيث شدد على: «ضرورة أن تعمل الوزارة على تطوير أدوات التدخل الإيجابي وأن يُعمل عليها بشكل أفضل».
اليأس والنتيجة الأسوأ
الانتقادات والملاحظات أعلاه تبدو في محلها كمقدمة، بما في ذلك حال اليأس مما قد يصدر من قرارات، في ظل الاستمرار بنفس آليات العمل، التي لم تسفر عن النتائج المرجوة منها على مستوى حماية المستهلك وضبط الأسواق، خاصة في ظل دور المتنفذين والتجار المتدخل على أداء الوزارة بما يحقق مصالحهم.
لكن أن تصل حال اليأس تلك إلى المطالبة بإلغاء دور الوزارة الرقابي كنتيجة، وترك السوق ليضبط نفسه عبر آليات العرض والطلب، ففيه الكثير من الالتباس، غير المقصود ربما، خاصة وأن العرض والطلب بات مُتحكماً به من قبل كبار التجار والمستوردين والمحتكرين، وهؤلاء أنفسهم هم المتضررون من استمرار دور الوزارة الرقابي، برغم كل الملاحظات التي من الممكن أن توضع على أدائها وترهله على مستوى ضبط الأسواق.
كما أن هذه الشريحة هي من تروج لآليات العرض والطلب، وكأنها العصا السحرية التي تضبط السوق، بينما واقع الحال يقول بأنهم هم من يتحكمون في الأسواق لمصلحتهم، وهو ما يجب أن تعمل الوزارة على كسره وإعادة ضبطه من أجل حماية حقوق المستهلكين، بالإضافة إلى جملة مهامها الأخرى على هذا المستوى.
فلا يمكن أن تستوي الانتقادات على أداء الوزارة، مع المطالبة بإنهاء دورها الرقابي، لترك آليات العرض والطلب لتصبح هي المتحكم الأول والأخير في هذه الأسواق.
فالنتيجة المتوقعة من حال اليأس هذه، في ظل هذا البديل المجرب والقائم، لن تكون إلا أسوأ من مقدماتها على مستوى حماية المستهلكين وحقوقهم.
استعادة الدور والمهام
يبدو هذا النمط من التسويق لآليات العرض والطلب، مع المطالبة بإنهاء دور الوزارة وصولاً لإلغائها، متناسقاً ومتناغماً مع مصالح كبار التجار والمستوردين والمحتكرين، وهو من دون شك ليس متناقضاً مع السياسات الحكومية الليبرالية المحابية لمصالح هؤلاء على حساب مصالح عموم المواطنين.
والخشية المشروعة، هي: أن يتم تقليص دور ومهام الوزارة استناداً لجملة هذه المقدمات، بينما من المفروض، وواقع الحال، يتطلب أن يتعزز هذا الدور.
ولعل أولى الخطوات في هذا الاتجاه تتمثل بالتالي:
_ أن تستعيد الوزارة كامل دورها ومهامها، على مستوى ضبط ومحاسبة المخالفين في الأسواق، وخاصة الكبار منهم.
_ تعزيز دور الرقابة التموينية وإعادة النظر بآليات عملها بحيث تكون دائمة وليست موسمية، وبعيدة عن أوجه المحاباة والفساد.
_ زيادة أعداد مراقبي التموين، ومتابعة عملهم، ومحاسبة المقصرين والفاسدين منهم بشكل جدي، بعيداً عن أوجه المحسوبية والولاء.
_ استعادة الوزارة لدورها على مستوى التسعير، بما في ذلك التدخل بحساب التكاليف ومراقبتها، سواء للسلع المنتجة محلياً أو المستوردة، وعدم ترك هذا الباب مفتوحاً للتلاعب به، بذريعة الاكتفاء بوضع وتحديد هوامش الربح للحلقات التجارية، كما يجري حالياً.
_ التأكيد والمحاسبة على التقيد بتداول الفواتير بين الحلقات التجارية، وصولاً إلى فاتورة المستهلك، بما يضمن حقه ومصلحته، بعيداً عن كل الذرائع المساقة على هذا المستوى، والتي لا تحقق إلا مصلحة كبار التجار والمستوردين، على حساب الحلقات التجارية الأصغر والأدنى.
_ تعزيز ثقافة الشكوى المرتبطة بثقافة المطالبة بالحقوق وآليات الوصول إليها، فلا يمكن لثقافة الشكوى أن تترسخ وتتعزز، في ظل آليات عرقلة الوصول للحقوق، وما أكثرها بواقعنا بسبب أوجه المحسوبية والفساد، فهذه من تلك، وهي من مسؤولية الدولة عبر جهاتها الحكومية العديدة، قبل أن تكون واجباً على المواطنين، وحقاً لهم.
_ أن تقوم الدولة فعلاً بالدور التدخلي المناط بها في الأسواق، عبر أذرعها المنتشرة على مستوى القطر، وذلك عن طريق تخليص هذه الأذرع من تبعيتها والتحكم بها من قبل موردي وتجار ومستوردي القطاع الخاص، بالتعاون والتنسيق فيما بينها، وخاصة للمواد والسلع الاستهلاكية الأساسية.

السورية للتجارة مثالاً
واقع الحال يقول: كأن السورية للتجارة، كأحد الأذرع الحكومية التدخلية_ على سبيل المثال_ تعمل على تعزيز مصلحة كبار التجار والمستوردين في السوق، على حساب مصلحة المستهلكين، باعتبارها ليست منتجة، ودورها بالاستيراد محدود ومقيد.
فسلة السلع والبضائع المتوفرة في صالات هذه المؤسسة، بغالبيتها مصدرها هؤلاء التجار، بغض النظر عن آلية الاستثمار التي يعملون من خلالها في هذه الصالات، وما يمكن أن يقال حولها من ملاحظات، ما يعني بالنتيجة: أن الدور التدخلي لهذه المؤسسة منقوص ومحدود ومُتحكّم به، ولا يحقق مصلحة المستهلكين بقدر ما يحقق مصلحة هؤلاء التجار، ترويجاً وتسويقاً لبضائعهم وسلعهم، ومزيداً من الأرباح في جيوبهم، طبعاً مع هامش ربحٍ محدود للمؤسسة، من أجل تغطية تكاليفها.
وتكفي جولة على بعض صالات هذه المؤسسة لتجد بأن الفارق السعري بين البضائع والسلع المعروضة لديها بالمقارنة مع مثيلاتها مما هو متوافر في الأسواق يكاد يكون معدوماً، إن لم يكن سعر الصالات أعلى، ناهيك عن المواصفة والجودة والتنوع السلعي.
ولا ندري أين أصبحت الامتيازات التي حصلت عليها السورية للتجارة بموجب مرسوم إحداثها، باعتبارها مؤسسة عملاقة ومنتشرة على طول البلاد وعرضها، وما هي معيقات عدم قيامها بمهامها وواجباتها، بما يحقق مصلحة المستهلكين ويكسر حلقات التحكم بآليات العرض والطلب في الأسواق، بناء عليه؟!