مطبّات نكبتنا

زهير وخليل ومهند وأبو عواد رفاق مرحلة الذاكرة التي كانت مليئة بالحلم والصراع والفكرة الممنوعة، الكتاب الخصيب، اللغة المراهنة على العودة.

من فلسطين، كل فلسطين قدم آباؤهم، من صفد، صفورية، الضفة، وتعارفنا في الطريق إلى الجامعة، في المسرح، الأمسيات الحافلة بلذة أن تصغي امرأة طويلة العنق لصوت يهدهد روحها.

تعارفنا في الطريق إلى الزحمة الجميلة، المطر كان يعطينا لذة العربدة المثمرة، كان أبو عواد صوت الفارين من عين الحلوة إلى دمشق، ببطن مفتوح وحزن لا ينته، وطاقة على الحب تصنع في أرض حوران بيارة تبغ قاتلة.

مهند الصوت المخنوق، الأنين الدائم، الرجولة المنطوية على الداخل على شكل أنثى نائمة في انتظار رجل قوي الشكيمة، لذلك سقطت أنثاه دائماً على بوابة الأنين.

خليل الأستاذ في الصباح في مدرسة الوكالة، وعند المساء عامل (تنكة) حفرت على كتفيه أخاديد من وجع، خليل الشاعر القادم من بقايا ثورة مارتن لوثر كنج.

أما زهير صديق مرحلة تقطع الآمال، المنهك بزوادة النضال، وغيابات الحاضر، المتكئ على وجع امرأة ماتت في لحظة عناق، المتروك لوجع غير متناهٍ.

هؤلاء من مفردات الذاكرة المتكورة الآن على استذكار المرارة، المنكوبون مثلي بوطن ضائع تقطعت سبل عودته وتعرجت الدروب التي توصل إلى سنابل حقله، ومثلي تلمسنا سوية ما تبقى من الفلول العائدة من الهزيمة عسى أحد يقول: في البال أغنية ...

في الطريق الطويلة لأن نصير شيئاً ما، تنفسنا الفقر، شربنا الماء البارد من طاسة الألمنيوم، أعقاب السجائر، كأس الشاي الصغيرة من عند (أبو حسين)، أبو حسين بائع الشاي الأحدب في مقصف (الآداب)، أبو حسين الذي صار أحدباً بقذيفة وشظية معادية.

في الطريق إلى كأس الشاي السريعة، تعارفنا هنا رجالاً على هيئة القصيدة، وأحببنا نساءً جميلات على قدر طيشنا الجميل وبحجم حلمنا الشاسع، صدقن بطولاتنا الخارقة، كذبة الشاعر، جنوح المبدع، وخُدعنا بالمارقين بيننا من انتهازيي الفكر، شعراء بداية التسلق لصالح كلمة مداهنة، رجال سد الفراغ بعد سقوط الصراع والاتحاد السوفيتي وجدار برلين.

متنا على هيئة فزاعة الحقل، وظللنا أنا الجنوبي القادم من الجولان، وهم القادمين من فلسطين، يجمعنا عدو واحد، صفة واحدة، نازح من الوطن، لاجئ في الوطن الجديد، وجوه لفحتها الشمس، سمرتّها الطرقات الترابية، حواري الضواحي البائسة، المخيمات، والحلم الحلم بمنزل بديل بعد سنوات الأمل المفقود، الهزائم، الانقسامات، وتلويحة فقط من أغنية عن شهيد، أو مقاوم، أو وجه طفل وليد في الحواري المهملة.

لم نعد صالحين حتى للبكاء، للموت عراة من الحلم، المرأة الجميلة التي أحببناها لم تعد تصدق أننا ما زلنا نحن الذين قشرنا لها اللوز لترضى، ( وتقطعنا أرباً إرباً في الطريق إلى ليلها الحار).

في النكبة.. ذكرى كل الذين انكسروا.

كل الذين ودعوا دون رجفة قلب مقاعد وزوايا مساءات الوهم، عن صباح اليوم الذي سيعودون فيه كما كانوا، صغاراً بشوارب من شعر ناعم وذقون جرداء.

عن لقاء حميم كان مع امرأة سرقت من حاكورة الجيران بنفسج صدقها، وعلقت على كتف من تحب ياسمينة صفراء.

عن فراق عاصف بين الأصدقاء، المتكور في غرفة صغيرة صالحة للموت مع شقيقة مقعدة، وصوت حلم يتعالى دون خجل، وحسد صديق من تفاوت القامات.

مزقتنا في الطريق إلى الحلم، سطوة النكبة على قاماتنا، اختلفنا، سافر المخادع إلى الخليج، المتكور صار صوتاً دون صدى، الطبيب الجرذ صار شاعراً مهووساً، وأبو عواد مزارع في (مزيريب)، وخليل أستاذ اللغة العربية دون شاعر، ومهند ما زال يئن بعد الأربعين في شوارع دمشق يتصيد المراهقات، ويتحسس بقايا رجولته الخائرة.

في الطريق إلى الحلم، ثمة من يسعى دون حلم إلى النكبة، تكاثرت النكبات، لكن الحلم الذي سوته غريزة العودة إلى بلد تبكي لذكراه دون أن تدري لماذا، سيصعد بك إلى العودة دون أن تعي أنك في لحظة الوصول إلى كل شظاياك المتناثرة من القهر.

هي النكبة.. نكبتنا.. بوابة العودة، لابوابة موصدة على الفراغ، سيعود من كان في رأسه حلم من رواية الجد، الأب المفطور برواية الجد، سيعود أولئك الذين لفظناهم من نساء أحببناهن ذات يوم على مقعد من خشب وحديد، الحاملين دون دراية فيروس فلسطين.