ليبيا مرةً أخرى على حافة الهاوية: أزمة المفوضية العليا للانتخابات تُعيد إنتاج الانقسام
معتز منصور معتز منصور

ليبيا مرةً أخرى على حافة الهاوية: أزمة المفوضية العليا للانتخابات تُعيد إنتاج الانقسام

في لحظةٍ كان يُفترض أن تكون ممهِّدة للاستحقاق الانتخابي المنتظر، تجد ليبيا نفسها أسيرة خلافٍ جديد يهدّد أحد آخر معاقل الاستقرار وإحدى المؤسسات القليلة العابرة للانقسام، وهي المفوضية الوطنية العليا للانتخابات، ففي بداية كانون الثاني 2026، اندلعت أزمةٌ سياسية حادة بين أبرز هيكليْن تشريعيَّين في البلاد؛ مجلس النواب في الشرق (المنبثق عن انتخابات 2014 ومدعوم من خليفة حفتر) والمجلس الأعلى للدولة في الغرب (المرتبط بحكومة الوحدة الوطنية)، حول إعادة تشكيل مجلس إدارة المفوضية، ما فجّر مخاوف جديدة من تعطيل المسار الانتخابي وتكريس الانقسام.

مفوضية موحّدة... أم ساحة صراع جديدة؟

لطالما اعتُبرت المفوضية الوطنية العليا للانتخابات من المؤسسات القليلة التي صمدت أمام تداعيات الانقسام السياسي الذي تشهده ليبيا منذ 2014، بفضل تماسك إدارتها برئاسة عماد السايح، الذي تولّى المنصب لسنوات. لكن محاولة المجلس الأعلى للدولة، برئاسة محمد تكالة، تعيين صلاح الدين الكميشي مدير إدارة العمليات السابق في المفوضية رئيساً جديداً لها، أثارت موجة اعتراض من مجلس النواب ورئيسه عقيلة صالح، الذي وصف الخطوة بـالأحادية وغير المبررة واعتبرها «محاولة لتعطيل الانتخابات وفرض سيطرة طرف واحد على مؤسسة وطنية».

صالح، في تصريحات تلفزيونية، شدّد على أن السايح يتمتّع بكفاءة إدارية وتجربة ميدانية ثابتة، وأن التغيير ليس دفاعاً عن شخص بعينه، بل عن الحفاظ على المؤسسات الموحّدة التي لم تُقسم بعد. في المقابل، يرى مؤيدو المجلس الأعلى للدولة أن التغيير ضروري لضمان توازن تمثيلي داخل المفوضية، خاصةً في ظل اتهامات متكررة بمحاباة أطراف شرقية في تركيبتها الحالية.

 

 أزمة فوق أزمة: خريطة طريق أممية في مهب الريح

ما يزيد من خطورة هذا الخلاف هو توقيته. فمنذ كانون الأول 2025، تعمل بعثة الأمم المتحدة للدعم في ليبيا على تنفيذ «خريطة طريق سياسية» تمتد على 18 شهراً، كان أول بنودها إعادة تشكيل مجلس المفوضية كخطوة تمهيدية لإجراء الانتخابات الرئاسية والتشريعية. لكن هذا البند الذي كان يُفترض أن يكون تقنياً، سرعان ما تحول إلى ساحة للمزايدات السياسية، ما جعل المبعوثة الأممية تُجدّد تحذيراتها من أن «الإجراءات الأحادية تقوّض الثقة الشعبية وتُعيد إنتاج الانقسام».

وقد عبّر الشارع الليبي عن غضبه من هذا التعطيل، إذ شهدت العاصمة طرابلس مظاهرة أمام مقر البعثة الأممية، رفع فيها المواطنون شعارات تطالب بـ«انتخابات دون مزيد من التأجيل» و«مغادرة البعثة إن عجزت عن فرض الحلول». فبعد خمسة أشهر من إطلاق الخريطة، لم تُحقَّق أي تقدّم ملموس، بل على العكس، يتصاعد التوتر بين المؤسسات.

 

 الانقسام يمتد: من الرئاسة إلى البلديات

ويتجلى عمق الأزمة في تداخلها مع هيكليات الحكم الأخرى. فبينما تُدار المؤسسات التنفيذية من طرفين - حكومة الدبيبة في طرابلس وحكومة حماد في الشرق  - بات حتى المستوى البلدي عرضة لانعكاسات هذا الصراع. فرغم إعلان المفوضية نتائج انتخابات 8 مجالس بلدية (بينها بنغازي وسبها وسرت)، إلا أنها استثنت طبرق في الشرق بسبب «عدم استكمال مرحلة الطعون»، ما يشي بأن الانقسام قد يجد طريقه حتى إلى أصغر مؤسسات الدولة.

 

 المأزق الدستوري والسياسي

لا يقف الخلاف عند مسألة الأسماء فحسب، بل يلامس جذور الأزمة الليبية: غياب دستور دائم ومرجعية قانونية متفق عليها. وقد انتقدت عضو مجلس الدولة أمينة المحجوب ما وصفته بـ«تملّص البعثة الأممية من مسألة الدستور»، معتبرة أن التركيز على آلية تشكيل المفوضية يُهمل الجذور الحقيقية للأزمة، ويفسح المجال أمام أطراف داخلية وخارجية لتمطيط الوقت لمصالحها الخاصة.

 

 خاتمة: انتخاباتٌ رهينة الحسابات الضيقة

بين وعود متكررة ومبادرات مؤجلة، يبقى الشعب الليبي في انتظار يطول بلا أفق واضح. فالانتخابات التي كان يُفترض أن تكون مخرَجاً من الأزمة، صارت رهينة التجاذبات بين نخبة سياسية عاجزة عن تقديم المصلحة الوطنية على مصالحها الضيقة. وتستمر الأزمة الليبية في مسارها نحو التعقيد بينما ينتظر الليبيون أن تنتهز الفرص القليلة المتاحة لإعادة إنتاج منظومة سياسية مستقرة تضمن الأمان والاستقرار بشكل أساسي ووحدة البلاد، وإخراج بلادهم من ساحة الاستثمارات والتجاذبات الإقليمية والدولية، وهو ما يبدو أن القوى الليبية المسيطرة على المشهد عاجزة عن تغيير المسار الحالي، وهو ما يتماشى مع عمل البعثة الأممية التي يبدو أنها تدير الأزمة الليبية دون السعي لحلها وإتاحة الفرصة للّيبيّين والقوى المعنية بالتغيير باستلام زمام المبادرة والبدء بعملية سياسية حقيقية وطنية.