بعد عام على مجازر السويداء... الاستعصاء مستمر!
يوم الثلاثاء القادم، 14 تموز 2026، يكون قد مر عام كامل على المجازر التي ارتكبت في السويداء على مدار 4-5 أيام؛ مجازر فظيعة راح ضحيتها ما يزيد عن 1700 إنسان، وأضعافهم من المصابين إصابات بعضها دائم، ناهيك عن حالات الاختطاف والتغييب ومختلف أشكال الانتهاكات، إضافة إلى تهجير ما يتجاوز 150 ألفاً من قراهم ودورهم، وهؤلاء ما يزالون نازحين داخلياً في ظروف صعبة.
وما زاد الطين بلة خلال الأشهر الأخيرة، هو الحرمان العملي (أياً تكن الملابسات، وأياً تكن الحجج التي تقدمها الأطراف المسؤولة في إطار تراشق الاتهامات) لآلاف التلاميذ في السويداء، من طلاب الشهادتين الإعدادية والثانوية، من تقديم امتحاناتهم في محافظتهم.
سبق المجازر وترافق معها، تحريض طائفي هائل، لعبت أدواراً بارزة ضمنه أطراف داخلية وخارجية، إلى جانب التدخل «الإسرائيلي» الذي حاول تقديم نفسه بوصفه «حامياً»، والحقيقة أنه استغل ما جرى، بل وساهم في التحضير له بأشكال مباشرة وغير مباشرة، مستخدماً دماء السوريين من كل الأطراف للدفع باتجاه غاياته المعلنة في تقسيم سورية عبر ضرب أهلها ببعضهم البعض، كجزء من مشروع أوسع، بات هو الآخر معلناً، ويحمل المسمى الرمزي «إسرائيل العظمى».
المسؤوليات؟
وجود ووضوح التدخل «الإسرائيلي» في ملف السويداء، قبل وخلال وبعد المجازر، ووجود أطراف داخل السويداء نفسها، وداخل الفصائل التي هاجمتها، تتخادم وتتعاون مع «الإسرائيلي»، لا يلغي بحالٍ من الأحوال، أن المسؤولية الأولى والرئيسة عما جرى، إنما تقع على عاتق السلطات في سورية؛ فالسلطات في سورية، بحكم موقعها السياسي والقانوني، هي من تتحمل المسؤولية الأساسية، وربما يظهر ذلك في التصريحات المعلنة من قيادات الصف الأول ضمنها، التي وصفت ما جرى في السويداء بأنه «فخ» تم نصبه لها، ما يعني أنها تتحمل بالحد الأدنى المسؤولية عن الوقوع في ذلك «الفخ» الذي لم يكن فخاً للسلطة وحدها، بل للسوريين جميعهم، تماماً كما كان جوهر الأمر في مجازر الساحل في شهر آذار من العام الماضي، رغم اختلاف التفاصيل.
المحاسبة؟
رغم تشكيل «لجنة وطنية للتحقيق»، وتقديمها لتقريرها في مؤتمر صحفي في حينه، إلا أن سير عملها ونتائجه الملموسة، أثبتت أن الغرض منها كان محاولة «لفلفة» القضية، على أمل تقليل الخسائر السياسية المترتبة عليها. ولكن بالمعنى العملي، فإن اللجنة ونتائج عملها تحولت إلى فرصة ضائعة لحل الأزمة بشكل حقيقي، وعبر محاسبة حقيقية. وهذه الفرصة الضائعة تحولت إلى فرصة مقابلة اغتنمها «الإسرائيلي» للعمل على زيادة نفوذه ووزنه، وللعمل على دفع السويداء وأهلها نحو قطيعة ليس مع السلطة في دمشق فحسب، بل ومع سورية وأهلها ككل، وهو أمر يبدو على السطح أنه نجح فيه إلى هذا الحد أو ذاك، ولكن كل عارف بالسويداء وأهلها، يعرف أن عمق الانتماء الوطني لأهلها، أكثر رسوخاً وتجذراً وقدماً من نشوء الكيان نفسه على حدودنا. هذا من جهة، ومن الجهة الأخرى، وبالمعنى العملي، فإن السوريين كلهم، في السويداء وفي كل المناطق السوريين، يرون بالوقائع الملموسة أن الكيان معادٍ لهم جميعاً، لا يميز بين طائفة وأخرى، أو بين قومية وأخرى، وهو مستعدٌ (وبرضىً وسعادة تامة) أن يقدم السوريين حتى آخر واحد فيهم، أضاحي قرباناً لمشروعه الاستعبادي الشامل في المنطقة المسمى «إسرائيل العظمى».
الاستعصاء!
التوصيف المناسب لوضع ملف السويداء اليوم، وخلال عام كامل، وربما لوقت غير قصير لاحق، هو أنه في حالة استعصاء، ولن يكون من السهل حله ضمن الإحداثيات الحالية، بالضبط لأن الثقة معدومة تقريباً، ولأن المحاسبة لم تجر، ولأن الأطراف الخارجية المستفيدة من الاستعصاء، ما تزال تعمل بشكل نشط على تعميقه، وما تزال قادرة على ذلك، في ظل غياب حل وطني واضح وشامل.
الحلول؟
إذا كان الوضع هو وضع استعصاء مزمن، فهل يعني ذلك أنه لا توجد حلول؟
بالقطع لا. هنالك حلول على مستويين، جزئي وشامل.
أما الجزئي، فهو الترفع عن السجال السياسي ضيق الأفق، كما في موضوع امتحانات الشهادتين على سبيل المثال لا الحصر؛ وهذه مسؤولية السلطة بالدرجة الأولى، التي عليها أن تحاول إعادة بناء الثقة عبر العمل على تسهيل حياة الناس لا تعقيدها.
وضمن الجزئي يندرج العمل الجاد على القطع نهائياً مع خطاب «الأكثرية/والأقليات»، أي عن الخطاب الطائفي الضمني أو الصريح، والبدء بالمحاسبة الصارمة والعلنية للمحرضين الطائفيين، الذين يخدمون «الإسرائيلي» في نهاية المطاف، وعوا ذلك أم لم يعوه. ما يعني أن الخطاب الطائفي ينبغي التعامل معه بوصفه شبهة خيانة وطنية بالحد الأدنى، وهو خطاب بات من الواضح لكل ذي عقل أنه لا يضر المجتمع السوري ويسيل دمه فحسب، بل ويضر السلطة نفسها أيضاً، ويضعفها، ويضر كل الأطراف والقوى في سورية، ويصب مباشرة في مصالح أعداء البلاد وأعداء استقرارها ووحدتها.
ضمن الجزئي أيضاً، البدء بعمليات محاسبة حقيقية وجادة، والتعامل مع مجازر السويداء والساحل، بوصفهما جزءاً مهماً من ملف العدالة الانتقالية، حتى إن لم تكن المحاسبة شاملة وكاملة، ولكنها ينبغي أن تبدأ، وتعطي إشارة ثقة للمجتمع السوري بأن هنالك دولة لكل مواطنيها بحق، وأن المجرم لا يمكنه أن يفلت من العقاب، أياً يكن انتماؤه.
يمكن إضافة بنود عديدة إلى ما نسميه حلولاً جزئياً، ولكنها ستبقى، على أهميتها وضرورتها، حلولاً جزئية، تقلل من حجم الاستعصاء، وتفتح الطريق لحل شامل، ولكنها لن تصل إليه؛ فالحل الحقيقي الشامل يتطلب مقاربة وطنية شاملة.
المقاربة الوطنية الشاملة تعني في الجوهر، أن الإحداثيات التي جرت ضمنها المجازر ينبغي أن تتغير بشكل جذري؛ أي أن علينا الذهاب سريعاً نحو حكومة وحدة وطنية كاملة الصلاحيات، تستطيع الحصول على ثقة كل السوريين، وأن تكون مهمتها الأولى هي العمل لعقد المؤتمر الوطني العام الشامل لمختلف الاتجاهات السياسية والاجتماعية في سورية، والذي ينبغي أن توضع على طاولته كل الأزمات العالقة، المستجد منها والقديم المتراكم، ليتوافق السوريون على طريقة حلها، وضمناً على أساسيات عقدهم الاجتماعي الجديد، وعلى شكل دولتهم المنشود، وعلى النموذج الاقتصادي المطلوب، وغيره من القضايا الكبرى العالقة...
معلومات إضافية
- العدد رقم:
- 1286