رفض «آيباك»... بوصفه ورقةً رابحة!«أمريكا أولاً» V.S «إسرائيل أولاً»
طوال أكثر من 5 عقود متتالية، امتلكت منظمة «آيباك» - (لجنة الشؤون العامة الأمريكية الإسرائيلية)، وهي واحدة من أهم مراكز اللوبي الصهيوني في الولايات المتحدة والعالم- حق النقض (الفيتو) على أي شخصية سياسية أمريكية تريد الصعود في المناصب، سواء داخل الكونغرس الأمريكي، أو في مختلف الوظائف العامة، وسواء كانت الشخصية من الحزب الديمقراطي، أو الجمهوري.
كان يكفي أن تهاجم «آيباك» أي شخصية سياسية أمريكية، حتى يكون ذلك الهجوم نهايةً لمستقبلها السياسي. وكانت مسألة «دعم إسرائيل»، مسألة إجماع حزبي ثنائي، من الجمهوريين والديمقراطيين، على حد سواء؛ أي إن الحزبين يمكنهما أن يختلفا على أي شيء وعلى كل شيء، ابتداء من سياسات الإجهاض، إلى أجندات التحول الجنسي، إلى مسائل الرعاية الصحية والاجتماعية، وصولاً إلى السياسات الخارجية، ولكن بمجرد مقاربة ملفات الشرق الأوسط، فإن السياسيين الأمريكيين من الحزبين، يتحولون إلى عساكر مخلصين، يؤدون مارشاً عسكرياً منضبطاً، على إيقاع طبلة «آيباك»...
كذلك كانت الأمور طوال 5 عقود متتالية على الأقل، ولكنها الآن تتغير بشكل سريع ومتسارع.
الحقيقة، أن علائم التغيير لم تبدأ الآن. هي الآن تتسارع... قبل غزة 2023، كانت مقاومة آيباك تقتصر على حالات فردية على هامش التيار السائد، وفي جميع الحالات تقريباً، كانت النتيجة هي عزل وإبعاد المعترضين على آيباك، وصولاً إلى تدمير ليس حياتهم السياسية فحسب، بل وحتى حياتهم الشخصية ومسيرتهم المهنية، بما في ذلك حرمانهم من فتح حسابات بنكية، وحرمانهم من الحصول على عمل... أي إن أولئك الذين جربوا الوقوف في وجه آيباك قبل 2023، كان يتم طحنهم ومسحهم نهائياً من المشهد العام في الولايات المتحدة.
«تجرأوا على الكلام!»
كي يستوعب المرء حجم التحول الجاري خلال السنوات القليلة الماضية، من المفيد أن نستحضر كتاب النائب الجمهوري السابق بول فيندلي (Paul Findley) الذي نشره عام 1985 بعنوان (تجرأوا على الكلام/ They Dare to Speak Out)، واستعرض فيه مجموعة من الحوادث العقابية التي تعرض لها نواب جمهوريون وديمقراطيون من قبل «آيباك» نتيجة مواقفهم التي لم تكن بالضرورة مناقضة لسياسات آيباك، ولكنها كانت تتراوح بين عدم تبني سياسات آيباك، أو عدم تأييدها، وصولاً إلى رفضها.
يبدأ فيندلي بعرض قصته الشخصية؛ حيث أدى لقاؤه بياسر عرفات ومطالبته بالاعتراف بحق الشعب الفلسطيني في تقرير مصيره، إلى إنهاء حياته السياسية؛ حيث ضخت آيباك أموالاً هائلة في انتخابات 1982 داخل ولاية إلينوي وخارجها لدعم منافسه الديمقراطي، وأنزلت به هزيمة ساحقة، وأخرجته من الحياة السياسية بالكامل.
يعرض فيندلي أيضاً حالات عديدة مشابهة، بينها السناتور تشارلز بيرسي (Charles Percy)، أيضاً عن ولاية إلينوي، والذي لم يكن مجرد عضو مجلس شيوخ جمهوري، بل كان عضواً مخضرماً ومعروفاً على المستوى الأمريكي العام، وكان رئيس لجنة العلاقات الخارجية في مجلس الشيوخ. «الإثم» الذي اقترفه بيرسي، هو أنه وصف رئيس الوزراء الإسرائيلي في حينه مناحيم بيغن بأنه «غير مرن»، وصوّت مع حصول السعودية على طائرات المراقبة المتطورة الأمريكية AWACS.
وأما العقاب، فبدأ بتصريح المدير التنفيذي لآيباك آنذاك، توم داين، أن «اليهود الأمريكيين منهارون بسبب بيرسي». وقادت المنظمة حملة تبرعات هائلة عابرة للولايات لصالح منافسه الديمقراطي بول سايمون. جُمعت ملايين الدولارات في أوقات قياسية لإغراق الولاية بإعلانات هجومية ضده، وخسر بيرسي مقعده. ووُصفت هذه الحادثة تاريخياً بأنها الرسالة الأكثر رعباً التي وجهتها آيباك لأعضاء مجلس الشيوخ: «إذا كان بإمكاننا الإطاحة برئيس لجنة العلاقات الخارجية، فيمكننا الإطاحة بأي منكم».
ويمر الكتاب على عدد آخر من الحالات، بينها النائبة سينثيا مكيني (Cynthia McKinney) والنائب إيرل هليارد (Earl Hilliard)، وغيرهم... والمشترك دائماً هو أن هذه الحالات كانت حالات «شاذة» يجري قمعها بلا رحمة وبلا هوادة.
من غزة 2023 وحتى الحرب على إيران
بعد بدء الإبادة الجماعية الواسعة النطاق في غزة عام 2023، واجهت السياسة الخارجية الأمريكية المنعطف الأول بما يخص دور «آيباك» ودور «إسرائيل» ضمنها؛ وخاصة مع ارتفاع النفس المعادي للإبادة الجماعية ضمن صفوف الشباب الأمريكي، إضافة إلى ارتفاع موجة عالمية معادية للسياسات الإجرامية «الإسرائيلية»، امتدت عبر القارات، وعبرت عن نفسها بمظاهرات مليونية في عدد كبير من مدن العالم، وخاصة في الدول الغربية.
منذ غزة 2023، بدأت انعطافة حقيقية في وزن وتأثير آيباك، ولكنها كانت ما تزال في بدايتها وحسب. بين المؤشرات الواضحة على الانعطافة، عدد من الأمور غير المسبوقة تقريباً في أروقة السياسة الأمريكية، بينها:
أولاً: فضيحة «برمجيات التجسس وجمع البيانات» لآيباك (أواخر 2024)
في واحدة من أكثر الحوادث التي هزت ثقة الديمقراطيين في المنظمة، كشفت تقارير استقصائية أن آيباك استخدمت تطبيقات وبرمجيات لجمع بيانات الناخبين الديمقراطيين التقدميين واستهدافهم، ليس بناءً على مواقفهم من «إسرائيل فحسب»، بل بناءً على نشاطهم في دعم قضايا العدالة الاجتماعية المحلية.
وأدت هذه الحادثة إلى نفور واسع من النواب الديمقراطيين الوسطيين، الذين اعتبروا أن آيباك تتصرف كـ «وكالة استخبارات سياسية يمينية» داخل حزبهم، مما دفع العديد منهم إلى إعلان مسافة أمان واضحة من المنظمة لحماية خصوصية قواعدهم الانتخابية.
ثانياً: تمرير «حزمة المساعدات» بشروط غير مسبوقة (أوائل 2025)
تاريخياً، كانت آيباك تمرر حزم المساعدات العسكرية لـ«إسرائيل» في الكونغرس دون أدنى تعديل أو شروط. ولكن في معركة المساعدات مطلع عام 2025، ولأول مرة، نجح تحالف من النواب الديمقراطيين (تجاوز الـ 50 نائباً) في فرض بند يتطلب تقارير علنية من وزارة الخارجية الأمريكية حول استخدام هذه الأسلحة في غزة، ومدى التزامها بالقانون الدولي. وقد عجزت آيباك، رغم ضغوطها الهائلة، عن شطب هذا البند، والذي اعتبر أول شرخ تشريعي في جدار المساعدات غير المشروطة... ورغم أن هذا البند لم يؤثر على المساعدات نفسها، ولا على طريقة استخدام الكيان لها، إلا أنه مثل واحداً من مؤشرات تغير الجو العام في الولايات المتحدة، وخاصة على المستوى الشعبي، والذي سعى المستوى السياسي إلى احتوائه والالتفاف عليه عبر إيهامه بحصول تغيير حقيقي، ولكنه بكل الأحوال كان مضطراً لتقديم شيء ما للناس، حتى ولو كان شكلياً في بادئ الأمر.
ثالثاً: مقاطعة تاريخية لمؤتمر آيباك السنوي (آذار 2025)
في المؤتمر السنوي لآيباك لعام 2025 في واشنطن، حدث تحول بارز؛ امتنع أكثر من نصف النواب الديمقراطيين في مجلسي النواب والشيوخ عن الحضور، بمن فيهم قيادات تقليدية كانت تحرص على إلقاء كلمات رئيسية في المؤتمر، واقتصر الحضور الكثيف على النواب الجمهوريين، مما أفقد المنظمة رسمياً صفتها ككيان «عابر للحزبين» (Bipartisan)، وتحولت في نظر الإعلام الأمريكي إلى «ملحق تابع للحزب الجمهوري».
رابعاً: انتكاسة انتخابات بنسلفانيا وإلينوي (خريف 2025)
خلال جولات الانتخابات التمهيدية الخاصة والانتخابات المحلية في خريف 2025، ضخت آيباك عبر ذراعها المالي (United Democracy Project) أكثر من 14 مليون دولار لإسقاط مرشحين في دوائر قريبة من فيلادلفيا وشيكاغو، والنتيجة كانت فشلاً ذريعاً؛ حيث فاز المرشحون المستهدفون بفارق مريح. هذه الحوادث أثبتت عملياً لِمعادي آيباك أن «المال الموجه» لم يعد فزاعة قادرة على ترهيب المرشحين إذا كانت القاعدة الشعبية متماسكة.
خامساً: فوز زهران ممداني بعمادة نيويورك (تشرين الثاني 2025)
شكل فوز ممداني الذي صرح برفضه للإبادة الجماعية ولسياسات «إسرائيل» الإجرامية، بعمادة نيويورك حدثاً بارزاً ضمن تراجع أسهم آيباك؛ فنيويورك هي معقل المال العالمي من جهة، وهي من جهة أخرى إحدى أكثر المدن الأمريكية، بل والعالمية، من حيث كثافة قاطنيها من اليهود (ضمن البلديات الخمس لنيويورك يقطن ما يقارب 970 ألف يهودي، وقد صوتت نسبة كبيرة منهم لممداني).
سادساً: انشقاق كبار المانحين اليهود (أواخر 2025 - مطلع 2026)
شهدت الكواليس المالية لآيباك ضربة قوية عندما أعلنت شبكات مانحين يهود أمريكيين بارزين (خاصة من جيل الشباب وأصحاب شركات التكنولوجيا في وادي السيليكون) سحب تمويلهم من المنظمة. حيث احتج هؤلاء المانحون على قيام آيباك بتمويل مرشحين جمهوريين يمنيين ومناهضين للإجهاض، لمجرد أنهم يؤيدون نتنياهو. واعتبروا أن آيباك تضحي بالديمقراطية الأمريكية من أجل أجندة يمين «إسرائيلي» متطرف، مما أحدث فجوة تمويلية وسياسية داخل المنظمة.
حربا إيران 2025-2026
التراجع في دور آيباك وارتفاع النفس المضاد لـ«إسرائيل» داخل الولايات المتحدة، دخل دوراً متسارعاً جديداً بعد الحربين اللتين شنتهما «إسرائيل» ومعها الولايات المتحدة على إيران، وخاصة بعد الحرب الأخيرة، التي باتت لدى قطاعات واسعة جداً من الأمريكيين قناعة بأنها ورطة قامت «إسرائيل» بجر الولايات المتحدة لها، وبأنها حرب ضد المصالح الأمريكية، ناهيك عن أن نتائجها الواضحة قد تكشفت عن خسارة أمريكية في الهيمنة والنفوذ في كامل منطقة الشرق الأوسط، مع تأثيرات كبرى على السطوة العالمية.
وفقاً لاستطلاع رأي وثقه معهد دراسات الأمن القومي «الإسرائيلي» في نيسان 2026، أي بعد أكثر من شهر على بدء الحرب الأخيرة على إيران، فإن 75% من الشباب الأمريكي (بين 18-29 سنة) يحملون نظرة سلبية، أو سلبية جداً لـ«إسرائيل».
الشهران الأخيران
فوز 29 نائباً ديمقراطياً معارضاً لآيباك بشكل علني، في الانتخابات التمهيدية، وهو الحدث الذي بدأنا به هذه المادة، لم يأت من فراغ، بل ضمن سياق كثيف ومتسارع، لا ينطوي على تراجع في دور آيباك ودور الصهيونية عموماً في الولايات المتحدة الأمريكية فحسب، بل وربما على ما هو أهم من ذلك؛ على انقسام يتصاعد بشدة ضمن النخبة الأمريكية، ليس حول مستقبل «إسرائيل» وسياساتها فحسب، بل وبالدرجة الأولى على مستقبل وسياسات الولايات المتحدة الأمريكية نفسها، بوصفها مركزاً عالمياً أساسياً، وبوصفها بيت المال الدولاري العالمي، ومقر النظام المالي والسياسي العالمي بعد انتهاء الحرب البادرة؛ فالحركة الصهيونية العالمية، كانت خلال خمسة عقود ماضية على الأقل، جزءاً أساسياً من بنية السلطة والنخبة الأمريكية-العالمية الحاكمة، ومع تصاعد الأزمة العامة للمنظومة العالمية الغربية القائمة، ومع الصعود القوي للبدائل، وخاصة بريكس وشنغهاي، إضافة إلى ظهور تحالفات وتقاربات إقليمية جديدة مضادة للهيمنة الأمريكية-«الإسرائيلية» (على سبيل المثال لا الحصر، التقارب الإقليمي بين أهم 5 دول في إقليمنا: السعودية، تركيا، إيران، مصر، باكستان)... هذه العوامل بمجملها وضعت النخبة الغربية العالمية، التي كانت متحكمة بمصائر الكوكب، ومهيمنة عليه، أمام مفترق طرق إجباري، وأمام انقسام داخلي تفرضه حالة التراجع؛ فمن بين سنن التقدم والتراجع للقوى العالمية، أو الإقليمية، أو حتى المحلية، أن القوى المتراجعة تنقسم على نفسها بالضرورة، وهو ما يجري الآن.
بين «أمريكا أولاً» و«إسرائيل أولاً»
مفترق الطرق الذي تقف عليه النخب الأمريكية، هو بين طريقين عريضين متناقضين؛ الأول: يمكن تسميته اصطلاحاً بـ«أمريكا أولاً».
الثاني: «إسرائيل أولاً» أو «مشروع إسرائيل العظمى».
أما المشروع الأول، «أمريكا أولاً»، والذي بات عابراً للجمهوريين والديمقراطيين وغير المسيسين، فقد بات مكافئاً للتخلص من عبء «إسرائيل» ومن عبء الصهيونية وتحكمها بالسياسات الأمريكية لحسابها، وبات مكافئاً لمشروع انكفاء تاريخي لمحاولة التكيف مع موازين القوى الدولية الجديدة.
وأما المشروع الثاني، فهو «إسرائيل أولاً» في الداخل الأمريكي وعلى حساب الداخل الأمريكي، وصولاً إلى التضحية بالدولة الأمريكية نفسها، وخارجياً هو «إسرائيل العظمى» التي تحلم الصهيونية بتحويلها إلى المركز العالمي البديل، على أنقاض المركز الأمريكي، وعلى حساب المركز الأمريكي، وعلى حساب مجمل شعوب ودول منطقتنا بطبيعة الحال.
ينبغي أن نتذكر في هذا السياق تصريحات نتنياهو قبل بضعة أشهر، عن ضرورة تأمين الاستقلال العسكري الكامل عن الولايات المتحدة خلال 10 سنوات، وهي الفترة الافتراضية لتحقيق المشروع واستكماله، وينبغي أن ننظر بجدية أيضاً إلى مجمل التصريحات العدائية والتهديدات التي توجهها «إسرائيل» لكل دول المنطقة، من لبنان وسورية، إلى العراق، وتركيا ومصر، وبشكل خاص مؤخراً إلى تركيا ومصر، وحتى السعودية... لأن نجاح إنشاء مركز دولي جديد تكون الصهيونية هي المتحكم الوحيد فيه، لا يمكن أن يمر إلا عبر تحويل «إسرائيل» من قوة شغب وفوضى إقليمية، إلى القوة الإقليمية رقم واحد، إلى القوة الإقليمية الوحيدة دون أي معيق أو منافس، وصولاً إلى مهمين إقليمي، ومن ثم قوة دولية عظمى... وهذا يحتاج إلى طحن المنطقة بأسرها، وكسرها، وإخضاع كل من فيها بقوة البطش العارية، وبالاستفادة من القوة الأمريكية المتراجعة أساساً، وقبل أن تفقد تلك القوة قدرتها بشكل كامل على التأثير الجدي في منطقتنا...
الجيد في المسألة، هو أنه بعد حربي إيران، فإن القوة الأمريكية هي بالفعل في طور تراجع وانحسار في منطقتنا، وبالتالي فإن مشروع «إسرائيل العظمى» نفسه، بات محكوماً عليه بالانحسار والفشل... ولكن السيئ في المسألة من الجهة المقابلة، أن هذه العملية لن تكون سريعة، ولن تكون سهلة، بل ستأخذ بضع سنوات إضافية، ستمارس الصهيونية خلالها كل أنواع الوحشية المتبقية في حوزتها، بما في ذلك كل أنواع التوتير والاستثمار في الفوالق الطائفية والقومية، ولن تدخر دماء العرب أو الترك أو الكرد أو الفرس في سعيها المحموم لتحقيق مشروعها... ما يتطلب مزيداً من التقارب بين هذه الشعوب، وبين الدول التي تضمها، وبين أنظمة تلك الدول، للدفاع عن المنطقة أمام وحش جريح جرحاً قاتلاً، ولكنه ما يزال قادراً على الإيذاء والقتل والتدمير، ولن يكف عن ذلك إلا حين تتم مواجهته باتحاد شعوب المنطقة ودولها... وهو ما نرى بشائره رغم كل محاولات التشويش الجارية.
معلومات إضافية
- العدد رقم:
- 1284
