عن معنى المعارضة: «درس من إيران»
منذ غزو العراق عام 2003، تبلور في دول المنطقة- وسورية ليست استثناءً- نمطٌ هجين من «المعارضة» التي ربطت مشروعها السياسي بقبول التدخل الخارجي، بل والترحيب به كأداة وحيدة لإسقاط الأنظمة. ولم يتوقف الأمر عند حدود «الاستعانة»، بل جرى تخوين وتشويه كل من يرفض التدخل العسكري الخارجي معتبراً إياه «مدافعاً عن الاستبداد» حتى لوكان معارضاً صريحاً، وداعياً إلى التغيير الجذري.. هكذا، تشوّه مفهوم المعارضة في وجدان الشعوب؛ فبدلاً من أن تكون قوة تغيير اجتماعي ووطني نابعة من الداخل، تحولت في كثير من الساحات إلى ملحق سياسي للصراعات الدولية، ووظيفة ضمن(مقاولة) عابرة للحدود.
النموذج الإيراني:كسر الثنائية القاتلة
في خضم التوترات الجارية اليوم في المنطقة، يبرز مشهدٌ مختلف نسبياً في الحالة الإيرانية، يقدم درساً بليغاً في التفريق بين «الخصومة مع النظام» و»بيع البلاد». فجزء واسع من المعارضة الإيرانية، رغم خلافه الجذري والعميق مع بنية النظام وتوجهاته، يتمسك بموقف مركب وشجاع: رفض الاستبداد الداخلي، ورفض الحرب الخارجية في آن واحد.
هذا الموقف ليس مجرد شعار، بل هو استراتيجية تتبناها قوى سياسية ومدنية وفكرية كانت- ولا تزال- جزءاً من الاحتجاجات في الشارع الإيراني، وتدفع أثماناً باهظة تحت وطأة القمع، وإن كانت مواقف هذه القوى تتباين في حدته واسبابه.
تيار واسع ضد «التغيير بالوكالة»
تلتقي أطياف متناقضة أيديولوجياً في إيران عند هذه النقطة المركزية؛ فمن أقصى اليسار إلى الحركات القومية والمدنية، إلى الإصلاحيين، ترفض هذه القوى أن تكون «حصان طروادة» لأي عدوان خارجي. ويضم هذا التيار:
أولاً: أحزاب وتنظيمات سياسية: بدءاً من حزب «توده» وحزب اليسار الإيراني (فدائيّ خلق)، وصولاً إلى الأحزاب الكردية كالحزب الديمقراطي الكردستاني وحزب «كومله»، وبيجاك الذين يدركون أن التغيير تحت القصف لا ينتج ديمقراطية.
ثانياً: منظمات حقوقية ومدنية، مثل: «المجلس الوطني للسلام»، و»مركز المدافعين عن حقوق الإنسان»، وحملة «ارفعوا أيديكم عن الشعب الإيراني».
ثالثاً: النخبة الثقافية والفنية: وهي القوة الناعمة الأكثر تأثيراً، ويمثلها مخرجون عالميون مثل: أصغر فرهادي، وجعفر بناهي، ومحسن مخلباف، وفنانون، مثل: شيرين نشأت، الذين يرفضون تحويل معاناتهم مع الرقابة إلى ذريعة لتدمير بلادهم.
رابعاً: الحوزة الإصلاحية والمفكرون الدينيون: قامات، مثل: عبد الكريم سروش، ومحسن كاديفر، ويوسفي إشكوري، والذين يمثلون العقل الفلسفي للتغيير، بالإضافة إلى شخصيات سياسية وازنة، مثل: الرئيس السابق محمد خاتمي.
خامساً: ناشطات النضال النسوي: الحائزات على جائزة نوبل للسلام، مثل: شيرين عبادي ونرجس محمدي، اللواتي يوجهن رسالة للعالم مفادها: «نحن نقاوم القمع داخلياً، لكننا نرفض القنابل خارجياً».
التغيير لا يأتي على متن «B-52»
تلتقي هذه القوى، رغم شتات أهدافها، عند حقيقة راسخة: إن التغيير الديمقراطي لا يمكن أن يهبط من الطائرات الحربية. إنهم يدركون، انطلاقاً من دروس التاريخ القريبة (العراق وليبيا وسورية)، أن أي تدخل عسكري لن يجلب الحرية، بل يمزق النسيج الاجتماعي، ويبرر توحش الاستبداد، ويحوّل البلاد إلى ساحة لتصفية الحسابات الدولية.
إعادة الاعتبار للمفهوم الوطني
بهذا المعنى، تنجح المعارضة الإيرانية في كسر «الصورة النمطية» التي ترسخت في الخطاب السياسي في العديد من دول المنطقة، بعد تجربة «المعارضة المتأمركة». إنها تعيد الاعتبار لمفهوم المعارضة بوصفها رافعة وطنية للتغيير والتقدم الاجتماعي، لا أداة في يد أجهزة الاستخبارات، أو ملحقاً من ملحقات العدوان.
إن الدرس الذي تقدمه هذه القوى، هو أن «الوطنية» ليست صكاً يمنحه النظام، بل هي ممارسة تظهر في لحظات التهديد الوجودي للدولة، والموقف من السلطة شيء، أما الموقف من الدولة كمعطى تاريخي جغرافي سياسي قانوني فهو شيء أخر، حيث تصبح مواجهة العدوان الخارجي، وحماية استقلال القرار الوطني، هي الوجه الآخر لأي نضال ديمقراطي ناجح في المستقبل.
وبغض النظر عما ستؤول إليه نتائج المعركة العسكرية في إيران، فإن هذا التيار العريض سيكون رافعة لحركة الشعب الإيراني، وترجمة الاستحقاقات التاريخية الداخلية منها والخارجية، التي تفرض نفسها على مستقبل هذه الدولة.
معلومات إضافية
- العدد رقم:
- 1270
رمزي السالم