إيران واليوان ونظام عقوبات الدولار

إيران واليوان ونظام عقوبات الدولار

تشير تقارير أوائل آذار 2026 إلى أن إيران قد تسمح بمرور محدود لناقلات النفط عبر مضيق هرمز بشرط الدفع باليوان الصيني. الخبر، الذي نقله مسؤول إيراني لـCNN، لم تؤكده وسائل الإعلام الرسمية، لكنه يفتح نقاشاً أعمق حول نظام عقوبات الدولار الذي تستخدمه واشنطن سلاحاً في حربها الاقتصادية.

غاري ويلسون


الحرب الاقتصادية


لم تبدأ الحرب الأمريكية على إيران بالقنابل في شباط 2026، بل تمتد لأربعة عقود من العقوبات والحصار المالي. هذه الحرب موجهة ضد الشعوب، حيث يتحمل السكان وطأتها عبر التضخم والنقص وانهيار الخدمات. الهدف بسيط: جعل الحياة لا تُحتمل ليدفع السكان حكوماتهم للاستسلام.
الأداة التي تمكن هذا الحصار عالمياً هي نظام الدولار. تمر معظم المدفوعات الدولية عبر بنوك أمريكية، مما يسمح للخزانة الأمريكية بتهديد أي بنك أجنبي بقطعه عن النظام المالي الأمريكي إن تعامل مع دول خاضعة للعقوبات.
عاشت إيران تحت هذه الحرب 40 عاماً، وكوبا أكثر من 60 عاماً، وتواجه فنزويلا حصاراً متصاعداً منذ 2015. تفرض واشنطن اليوم عقوبات تطال نحو ثلث سكان العالم. وفي آذار 2026، رفعت العقوبات مؤقتاً عن النفط الروسي لتعويض نقص الإمدادات من حربها على إيران، مما يكشف أن هذه الأداة تُستخدم وفق المصالح دون مبدأ أو اتساق.


هيمنة الدولار


منذ انهيار بريتون وودز عام 1971، بقي الدولار في مركز التمويل العالمي عبر شبكة كثيفة من الأسواق المالية والبنية التحتية المصرفية. لا تنبثق هيمنته أساساً من تسعير النفط، بل من كونه عملة الاحتياط العالمية التي تصدر بها معظم الديون الدولية وتحتفظ بها البنوك المركزية، ومن خلاله تتم تسوية الجزء الأكبر من المعاملات المالية.
حالما يُبنى النظام المالي حول عملة، فإنه يعزز نفسه، مما يجعل استبداله صعباً للغاية. حتى اليورو، بعد عشرين عاماً، لم يحقق سوى تقدم محدود.

هذا يمنح واشنطن سلاحاً فريداً: يمكنها تهديد أي دولة أو بنك بالقطع عن التمويل العالمي. تمتثل البنوك العالمية للعقوبات الأمريكية ليس لأن قوانين بلدانها تطلب ذلك، بل خوفاً من فقدان وصلتها بالنظام المصرفي الأمريكي. والنتيجة أن السياسة الخارجية الأمريكية قادرة على خنق اقتصادات بأكملها من مكتب في واشنطن.


ما يعنيه موضوع اليوان


لا يشكل الدفع باليوان في حد ذاته تحدياً لهيمنة الدولار، فسعر النفط العالمي لا يزال يُحدد في أسواقه. لكن ما يمثله هو بناء بنية تحتية للدفع تلتف حول نظام الدولار.
إذا تمكنت إيران من فرض الدفع باليوان لعبور المضيق، وأصبح ذلك ممارسة معتادة، فسيخلق ذلك وسيلة لإيران وشركائها لتسوية المدفوعات دون المرور بالبنوك الأمريكية. ويمكن استخدام هذه البنية على نطاق أوسع لتسوية معاملات أخرى وبناء علاقات مالية تجعل العقوبات أصعب تنفيذاً.
الآلية موجودة بالفعل عبر نظام الدفع الصيني CIPS، الذي يسمح بتسوية المعاملات بين البنوك الصينية والإيرانية دون أن تمر ببنك أمريكي. تتم المعاملة بالكامل داخل النظام المالي الصيني، ويمكن للبنوك الإيرانية استخدام اليوان المستلم لشراء سلع وأدوية خارج نطاق الخزانة الأمريكية.
هذا ما يقلق واشنطن: ليس لأن الدولار على وشك الانهيار، بل لأن كل توسع في بنية الدفع المستقلة عن الدولار يقلل من مدى الحرب الاقتصادية الأمريكية، ويسمح للدول الخاضعة للعقوبات بالتجارة واستيراد الأدوية دون المرور بنظام تسيطر عليه الولايات المتحدة.


الحرب منحت إيران أداة ضغط


لطالما كان موقع إيران على مضيق هرمز حقيقة استراتيجية، لكن الجديد هو أن قرار واشنطن بشن حرب عدوانية أعطى طهران سبباً عملياً لاستخدام هذه الورقة وموقعاً تفاوضياً قوياً لفرض شروطها. حاولت الطبقة الحاكمة الأمريكية استخدام القوة العسكرية لتحقيق ما عجزت عنه العقوبات، لكنها منحت إيران سلاحاً بدلاً من ذلك.


ما هو على المحك


كل مسار دفع يلتف حول الدولار هو تقليص لقدرة واشنطن على فرض الحرب الاقتصادية. وكل دولة تطور قدرتها على التجارة خارج النظام المصرفي الأمريكي هي دولة يمكنها الصمود في وجه العقوبات.
للعمال في العالم مصلحة مباشرة في ذلك. فقد أنتج نظام الدولار كأداة قسرية عقوداً من الفقر والتقشف في بلدان الجنوب العالمي. وتآكله يعني تقليصاً ملموساً للأدوات المتاحة للطبقة الحاكمة الأمريكية لمعاقبة الدول التي تخرج عن الطاعة، أو تؤمم نفطها، أو تدعم عمالها.
تتجلى العواقب اليوم في كوبا، حيث أدى الضغط الأمريكي على شحنات النفط إلى نقص الوقود وانقطاع الكهرباء وشلل الخدمات. الحرب على إيران هي حرب للحفاظ على هذا النظام. القوة العسكرية هي ذات استراتيجية العقوبات، لكن منزوعة الذريعة.
مناورة إيران باليوان لا تقلب النظام، لكن كل قناة دفع تلتف حوله تضعف الحرب الاقتصادية الأمريكية وتجعل من الصعب تجويع دولة حتى تذعن. بالنسبة لإيران وكوبا وفنزويلا وكل دولة تحت تهديد العقوبات، هذا أمر بالغ الأهمية.

معلومات إضافية

العدد رقم:
1270