عن الأوهام حول «الدور الفرنسي» في الشمال الشرقي!

عن الأوهام حول «الدور الفرنسي» في الشمال الشرقي!

بعد التوتر الذي ساد الوضع في الشمال الشرقي السوري خلال الأسابيع الأخيرة، والتي انتهت إلى اتفاق تمكن حتى الآن من حقن الدم السوري، برزت مؤشرات حول أدوار إعلامية-سياسية يحاول الفرنسي لعبها؛ سواء عبر تصريحات الرئيس الفرنسي ماكرون، أو عبر قنوات وطرق أخرى متعددة، بما فيها بعض التحركات الإعلامية على الأرض.

الدور الفرنسي بوصفه دوراً مشتقاً من الدور الأمريكي في سورية، ليس بالأمر الجديد. ولكن الجديد هو محاولة تصوير الدور الفرنسي بديلاً عن الدور الأمريكي، بعد ما جرت تسميته بـ«الخيانة الأمريكية» لقوات سوريا الديمقراطية؛ فهنالك اليوم من يحاول تصوير الأمر وكأن الفرنسي سيملأ الفراغ الذي تركه وسيتركه الأمريكي مع انسحابه من التنف، وإعلانه أنه في طور الانسحاب الكامل من كل سورية.
خطورة هذا الطرح، لا تنطلق من واقعيته، فهو أبعد ما يكون عن الواقع، لأسباب عديدة سنأتي على ذكرها. خطورة هذا الطرح هي أن المقصود منه هو خلق أوهام جديدة غرضها هو عرقلة سير الاتفاق وتفخيخه إنْ أمكن، عودة بالأمور إلى التوتر من جديد وإلى التصعيد، والهدف ليس سورية فحسب، بل المنطقة بأكملها، من بوابة العمل ضد مبادرة السلام في تركيا...


الدور الفرنسي... خط بياني هابط


كي يكون الأمر أكثر وضوحاً، فلنبدأ بتحديد حجم وطبيعة الدور الفرنسي المفترض... معلومٌ أن الوزن الفرنسي في كافة أنحاء العالم هو في حالة تراجع متسارع، كنتيجة طبيعية لعدة عوامل، بينها: تراجع القوة الذاتية لفرنسا بالمعنى الاقتصادي والسياسي والعسكري عبر العقود الماضية. أحد أبرز المؤشرات على هذا التراجع، عمليات طرد الفرنسيين من عدد كبير من الدول الأفريقية التي كانت سابقاً مستعمرات فرنسية، وبقيت مستعمرات اقتصادية فرنسية حتى ما قبل بضع سنوات مضت؛ على سبيل المثال لا الحصر: مالي، وبوركينا فاسو، والنيجر، التي شكلت معاً فيدراليتها، وطردت الفرنسيين بشكل كامل، عسكرياً واقتصادياً وسياسياً وحتى مالياً. إضافة إلى عدة أمثلة مشابهة في القارة الأفريقية.
الوضع في منطقتنا أشد وضوحاً بما يتعلق بتقلص الدور الفرنسي؛ فإذا كنت بعض الدول الأفريقية قد تُركت إلى هذا الحد أو ذاك ضمن النفوذ الفرنسي، فإن بلدان «الشرق الأوسط» ونتيجة الأهمية الجغرافية السياسية الكبرى لها، قد شهدت طرد الفرنسيين وتقليص نفوذهم في وقت مبكر مما بعد الحرب العالمية الثانية، ولم يعد للفرنسيين سوى وجود شكلي عبر الأنشطة «الفرانكوفونية» إضافة إلى بعض النشاطات ذات الطابع «الجمعياتي»، عبر المنظمات غير الحكومية.
شكلت الأزمة السورية فرصة جديدة لاستعادة شكلية لجزء من الدور الفرنسي في سورية، عبر الاشتراك في التحالف الدولي لمحاربة داعش بقيادة واشنطن، وسمحت للفرنسيين بوضع بعض الجنود على الأرض، ولكن تحت القيادة الأمريكية بطبيعة الحال، وضمن أدوار مشتقة من الأمريكي.


الجانب الأخطر في المسألة


إذا كان الدور الفرنسي في سورية مشتقاً من الأمريكي وفقط، فمن الطبيعي أنه سينحسر بانحساره، وسيتحرك ضمن الخطوط العامة التي يسمح بها الأمريكي، وهذا هو واقع الحال... ولكن مع ذلك، فإن الأمور أعقد مما تبدو عليه ضمن هذا التوصيف العام.
قبل كل شيء، ينبغي الانتباه إلى أن الأمريكي ليس اتجاهاً واحداً وسياسة واحدة، بما يخص سورية والعالم ككل؛ فالقوى المتراجعة تنقسم على نفسها، والانقسام الداخلي الأمريكي بات أوضح من أن يتم إخفاؤه... بهذا المعنى، فإن الدور الفرنسي في سورية، وإن كان ما يزال مشتقاً من الأمريكي بالعموم، فإنه مشتق من أحد طرفي الانقسام الأمريكي بشكل خاص؛ أي من الطرف الذي يمكن الاصطلاح على تسميته «العولمي»، الذي تحتل الصهيونية موقعاً أساسياً في إدارته وتوجيهه.
بهذا المعنى، يمكن فهم الدور الفرنسي بوصفه امتداداً للدور الصهيوني-«الإسرائيلي»... وما يحاول الفرنسيون الدفع باتجاهه على الأرض (رغم قلة حيلتهم) يثبت هذا الأمر؛ فما يصل من أخبار غير معلنة، هو أن الفرنسيين يحاولون الدفع نحو التجهيز لمعارك جديدة، ويعدون بالدعم والتدريب والتمويل والسلاح...

الخطير في المسألة، ليس الوزن الفعلي للفرنسيين، بل الوهم الذي يحاولون خلقه حول وزنهم، وتقاطع هذا الوهم مع مصالح البعض الذين يرفضون فكرة التسوية والحل السياسي ليس في سورية فحسب، بل وفي تركيا أيضاً؛ أي بعض التيارات التي تعارض مبادرة السلام على الضفة الكردية من جهة، وعلى ضفة الحكومة التركية من جهة ثانية، وعلى ضفة أطراف ضمن السلطات في سورية أيضاً؛ ففي كل الاتجاهات توجد تيارات لا مصلحة لها بإنهاء الاقتتال، ولا مصلحة لها بالانتقال إلى صيغة جديدة للعلاقة داخل تركيا وداخل سورية، وبين الدولتين، وفق منطق أخوة الشعوب، وتحييد التخريب الصهيوني الذي يستهدف الجميع، أي تحييد «مشروع الشرق الأوسط الجديد».

بهذا المعنى، فإن الدور الفرنسي خطرٌ يحتاج إلى تأريض وتطويق، والأداة الأولى في ذلك، هي إزالة الأوهام التي يحاول زرعها، ولكن الأداة الأكثر أهمية بما يخص الداخل السوري، هي استكمال الاتفاق عبر نقله إلى مستوى أعلى هو مستوى الاتفاق الوطني العام، عبر مؤتمر وطني عام يحقق مشاركة حقيقية، وينصف الناس، ويملكها حقها في تقرير مصيرها، ليس عبر اتفاقات جزئية هنا وهناك، بل عبر اتفاق عام وشامل، أي عبر حل سياسي شامل.
وعلى الضفة التركية، فإن من الضرورة بمكان تسريع تنفيذ مبادرة السلام، بما في ذلك عبر الإجراءات الملموسة التي أعلنت عنها اللجنة البرلمانية الخاصة بهذه المسألة مؤخراً...

معلومات إضافية

العدد رقم:
1266