أين وصل اتفاق 10 آذار؟ وما مصيره؟
إذا أردنا تقديم إجابة مختصرة عن سؤال: أين وصل اتفاق 10 آذار؟ فستكون الإجابة هي: لم يصل إلى مكان؛ ما حققه، وهو ليس بالأمر القليل، أنه وضع حداً للتصعيد ولاحتمالات الانفجار، ولكن هذا الأمر مؤقتٌ بطبيعته، أي إن عدم الوصول إلى تطبيق فعلي وحلّ فعلي، من شأنه أن يعيد رفع احتمالات التفجير مجدداً.
واقع الحال، هو أن الاتفاق يشبه إلى هذا الحد أو ذاك الاتفاقات التي جرت بين 2017 و2019، وأدت إلى وقف مؤقت للقتال على مجمل الساحة السورية، ولكنها أدت في الوقت نفسه إلى تكريس تقسيم الأمر الواقع، لأنها لم تستكمل بحل سياسي شامل يعيد توحيد الشعب والبلاد. الآن أيضاً، نحن أمام معادلة مشابهة، ولكن ضمن ظروف أشد خطورة، خاصة مع الأدوار «الإسرائيلية» المتصاعدة...
«الجمود/الطريق المسدود هو الاستقرار»!
فلنتذكر أن المبعوث الأمريكي السابق إلى سورية والتحالف الدولي لمحاربة داعش، جيمس جيفري، قد عبر بشكل واضح عن سياسة أمريكا تجاه سورية، والتي ما تزال هي ذاتها من حيث الجوهر مع خليفته توم براك، الذي يحمل السمات نفسها في طريقة التعامل مع منطقتنا وشعوبنا. عبر جيفري عن السياسة الأمريكية بالقول: «مهمتي تحويل سورية إلى مستنقع للروس»، وأيضاً بقوله: الجمود/الطريق المسدود هو الاستقرار» (stalemate is stability)؛ ما يعني أن الوضع الذي يكون فيه كل طرف من الأطراف السورية مقيداً وعاجزاً عن القيام بأي حركة، الوضع الذي تكون سمته الأساسية هي ارتفاع مستوى التعقيد المستمر، وارتفاع مستوى التخريب للهوية الوطنية السورية، ولوحدة سورية السكانية والجغرافية السياسية، هو الوضع الأمثل بالنسبة للولايات المتحدة، وبطبيعة الحال بالنسبة لـ«إسرائيل».
واليوم، قطعنا شوطاً إضافياً في الانحدار نحو مزيد من التهتك على المستوى السياسي الاجتماعي؛ حيث بات اللعب على التناقضات القومية والطائفية والدينية، مكشوفاً ومعلناً، ويهدف إلى تفجير الاقتتال الداخلي وصولاً إلى التقسيم، ليس لاستهداف سورية فحسب، بل ولتحويلها إلى صاعق تفجير لكل المنطقة.
في خصوصية الشمال الشرقي، فإن الاستهداف الواضح هو محاولة عرقلة أو حتى نسف مبادرة السلام الداخلية في تركيا، أي منع حل القضية الكردية في تركيا، عبر إعاقة المبادرة التي أطلقها أوجلان وتلقفتها أوساط قيادية في تركيا.
وإذا كان من الصعب حتى اللحظة، على ما يبدو من وقائع ومؤشرات، نسف مبادرة السلام من داخل تركيا، فإن الاستهداف هو نسفها من خارجها، ومن سورية خاصة، باعتبارها أكثر الأماكن هشاشة في المنطقة في وضعها الحالي...
وعليه، فإن الحفاظ على حالة التهدئة في الشمال الشرقي تكتسب أهمية كبرى، ليس على المستوى الوطني السوري فحسب، ولكن أيضاً على مستوى استقرار الإقليم بأسره... ولكن كما أسلفنا، فإن الحفاظ على حالة التهدئة عبر اتفاق 10 آذار وحده، هي مهمة مستحيلة، لأنه غير قابل للتطبيق بشكل كامل، إلا كجزءٍ من اتفاقٍ سوري عام، ومن حل سياسي شامل يستند إلى الأهداف والتوجهات الأساسية للقرار 2254، ويتضمن مؤتمراً وطنياً عاماً كامل الصلاحيات، يضع السوريون مشكلاتهم على طاولته ويتوافقون على حلولها بما يستعيد وحدة البلاد ووحدة الشعب السوري، ويرفع المظالم المختلفة، ليس القومية فحسب، بل والاقتصادية الاجتماعية أيضاً...
المعادلة ما تزال صحيحة...
قالت قاسيون مراراً وتكراراً: إنه لا حل اقتصادياً للأزمات الاقتصادية التي تعيشها سورية، ولا حل أمنياً للأزمات الأمنية... الحل هو حل سياسي شامل. وكذلك اليوم يمكن القول: لا يوجد حل جزئي لمنطقة في سورية دون المناطق الأخرى، لا حل في الشمال الشرقي، ولا حل في السويداء، ولا حل في نقطة من نقاط الاستعصاء القائمة، إلا الحل السياسي الشامل الذي يضع رسمة جديدة متوافقاً عليها بين السوريين لسورية ككل، بما في ذلك شكل الدولة والحكم والاقتصاد والعلاقة بين المركزية واللامركزية...إلخ.
عدا ذلك، فإن كل اتفاق جزئي، على أهميته، يبقى قابلاً للنسف، بل هو معد للنسف ما لم تتحول التهدئة المؤقتة إلى تهدئة شاملة... وكل مفاوضات أو توافقات فوقية بين القوى المسيطرة، هي توافقات أقصى ما يمكنها تحقيقه هو التهدئة المؤقتة، وأسوأ ما يمكنها تحقيقه هو تمهيد الطريق لتكريس تقسيم الأمر الواقع، ولأخذ البلاد نحو محاصصات طائفية وقومية، تجعل من سورية بلداً فاشلاً يتعرض أكثر من 90% من أبنائه من مختلف القوميات والطوائف والأديان، للظلم والنهب، لمصلحة نخب متحكمة، ولعشرات السنين...
ولذا فإن التوافق الوحيد الذي يمكنه أن يرفع المظالم المختلفة، ويضع سورية على درب التعافي، هو التوافق بين السوريين، كل السوريين، بقواهم السياسية والاجتماعية، وعبر المؤتمر الوطني العام!
معلومات إضافية
- العدد رقم:
- 1257