الأزمة السورية: الجذور والآفاق – قراءة في كتاب قدري جميل
نور عباس نور عباس

الأزمة السورية: الجذور والآفاق – قراءة في كتاب قدري جميل

نشر موقع أوسكار نيوز مراجعة حديثة لكتاب «الأزمة السورية: الجذور والآفاق» للدكتور قدري جميل، أمين حزب الإرادة الشعبية. فيما يلي نص المراجعة كما وردت، مع رابط تحميل الكتاب في نهايتها. 

يقدم كتاب «الأزمة السورية: الجذور والآفاق» لقدري جميل تحليلًا شاملًا لأسباب الأزمة السورية وتطوراتها، من التراكمات البنيوية قبل 2011 إلى لحظة الانفجار، وصولًا لرؤية مستقبلية تعتمد على حل سياسي واقتصادي واجتماعي شامل. قراءة نقدية معمّقة لفهم واحدة من أعقد أزمات العصر.
يضع قدري جميل في كتابه الأزمة السورية: الجذور والآفاق إطاراً تحليلياً شاملاً لفهم واحدة من أعقد الأزمات في التاريخ المعاصر. ويبدأ من سؤال جوهري: كيف وصلت سورية إلى لحظة الانفجار عام 2011؟ ثم يواصل عبر تفكيك العوامل الاقتصادية والاجتماعية والسياسية التي تراكمت لعقود، ليكشف أن الأزمة لم تكن حدثاً مفاجئاً، بل نتيجة مسار طويل من التناقضات البنيوية. ويعتمد الكاتب على أسلوب الحوار التحليلي الذي يوازن بين السرد التاريخي والقراءة الفكرية، فيمنح القارئ فرصة لفهم الأزمة من منظور يتجاوز السطحية الإعلامية، ويعيدها إلى سياقها التاريخي والاقتصادي العالمي.
الجذور: تراكم التناقضات وبنية الأزمة
يبدأ جميل بتشريح البنية الاقتصادية والاجتماعية التي سبقت الأزمة، فيوضح أن التحولات التي شهدتها سورية منذ سبعينيات القرن العشرين خلقت تناقضات عميقة بين النموذج الاقتصادي الموجّه، وبين محاولات الانفتاح الليبرالي. ويبرز أن السياسات الاقتصادية التي اتبعت في العقد الأول من الألفية الجديدة أدت إلى تفاقم الفوارق الطبقية، إذ استفادت فئات محدودة من الانفتاح، بينما تراجعت قدرة الدولة على حماية الفئات الأضعف. ويكشف أن هذا التفاوت الاجتماعي ترافق مع انسداد سياسي، حيث غابت آليات المشاركة الشعبية الفاعلة، ما جعل التوتر يتراكم في بنية المجتمع.
ويواصل الكاتب تحليل الجذور الفكرية والسياسية، فيوضح أن الأزمة لم تكن مجرد انعكاس لعوامل داخلية، بل ارتبطت أيضاً بالتحولات العالمية، إذ تزامنت مع إعادة رسم ميزان القوى الدولي بعد انهيار الاتحاد السوفييتي، وصعود الولايات المتحدة كقوة مهيمنة. ويبرز أن موقع سوريا الجيوسياسي جعلها عرضة لضغوط خارجية متزايدة، وأن هذه الضغوط ساهمت في تعميق الأزمة الداخلية. ومن خلال هذا التحليل، يوضح جميل أن الأزمة السورية هي نتاج تفاعل بين الداخل والخارج، بين البنية الاقتصادية والاجتماعية، وبين موقع الدولة في النظام العالمي.

الانفجار: لحظة 2011 وما بعدها


ينتقل الكتاب إلى لحظة الانفجار عام 2011، فيوضح أن الاحتجاجات التي اندلعت لم تكن معزولة عن السياق الإقليمي، بل جاءت في إطار موجة «الربيع العربي». ويبرز أن هذه اللحظة كشفت هشاشة البنية الداخلية، إذ تحوّلت المطالب الاجتماعية والسياسية إلى صراع مفتوح بفعل غياب آليات الاستجابة الفعّالة. ويحلل الكاتب كيف تداخلت العوامل الداخلية مع التدخلات الخارجية، ليكشف أن الأزمة سرعان ما تحولت إلى ساحة صراع دولي، حيث تداخلت مصالح القوى الكبرى والإقليمية في رسم مسار الأحداث.
ويواصل جميل تحليل طبيعة الانقسام الداخلي، فيوضح أن الأزمة لم تكن مجرد مواجهة بين السلطة والمعارضة، بل انقسم المجتمع نفسه بين رؤى متناقضة حول مستقبل الدولة. ويبرز أن هذا الانقسام غذّته التدخلات الخارجية التي سعت إلى استثمار الأزمة لتحقيق مصالحها. ومن خلال هذا العرض، يوضح الكتاب أن لحظة الانفجار لم تكن سوى نتيجة طبيعية لتراكم التناقضات، وأنها كشفت عمق الأزمة البنيوية التي تراكمت لعقود.

الآفاق: نحو حل سياسي واقتصادي شامل


يستشرف جميل مستقبل سورية عبر طرح برنامج سياسي واقتصادي واجتماعي يهدف إلى تجاوز الأزمة. ويؤكد أن الحل لا يمكن أن يكون عسكرياً أو أمنياً، بل يجب أن يقوم على تسوية سياسية شاملة، تضمن مشاركة جميع القوى الوطنية. ويُبرز أن الحل السياسي يجب أن يترافق مع إصلاح اقتصادي يُعيد توزيع الثروة بشكل عادل، ويضمن حماية الفئات الأضعف، ويعيد للدولة دورها في تحقيق التنمية المتوازنة.
ويواصل الكاتب طرح رؤيته حول إعادة الإعمار، فيوضح أن هذه العملية يجب أن تكون فرصة لإعادة بناء الدولة على أسس جديدة، تقوم على الديمقراطية الاجتماعية والعدالة الاقتصادية. ويُبرز أن إعادة الإعمار لا تعني فقط إعادة بناء الحجر، بل إعادة بناء الإنسان والمجتمع، عبر تعزيز الهوية الوطنية الجامعة، وتجاوز الانقسامات الطائفية والعرقية. ومن خلال هذا الطرح، يوضح جميل أن الآفاق المستقبلية للأزمة السورية تعتمد على قدرة السوريين على صياغة مشروع وطني جامع، وعلى قدرة المجتمع الدولي على دعم هذا المشروع بعيداً عن الحسابات الضيقة.

لماذا من المهم قراءة هذا الكتاب؟


يكتسب كتاب الأزمة السورية: الجذور والآفاق أهميته من قدرته على الجمع بين التحليل التاريخي والاقتصادي والسياسي، ليقدّم صورة شاملة للأزمة تتجاوز السرد الإعلامي السطحي. ويمنح القارئ فرصة لفهم أن الأزمة ليست مجرد حدث عابر، بل نتيجة مسار طويل من التناقضات البنيوية. ويكشف أن قراءة الأزمة من منظور الجذور والآفاق تتيح إدراكاً أعمق لمعنى الهوية الوطنية، ولطبيعة التحديات التي تواجه المجتمعات في ظل التحولات العالمية. ويُبرز أن الكتاب لا يكتفي بتشخيص الأزمة، بل يطرح برنامجاً عملياً للخروج منها، ما يجعله مرجعاً مهماً لكل من يسعى إلى فهم الواقع السوري، وإلى التفكير في مستقبل أفضل.
ختاماً، يقدّم قدري جميل في كتابه الأزمة السورية: الجذور والآفاق قراءة معمّقة لأزمة معقدة، فيكشف جذورها البنيوية، ويحلل لحظة انفجارها، ويستشرف آفاق حلها. ويجمع بين التاريخ والفكر والاقتصاد والسياسة ليصوغ رؤية شاملة، ويمنح القارئ فرصة للتأمل في معنى الأزمة ودورها في تشكيل مستقبل سورية. ويؤكد أن الحل لا يمكن أن يكون جزئياً أو أحادياً، بل يجب أن يكون شاملًا يربط بين الإصلاح السياسي والاقتصادي والاجتماعي، ويعيد بناء الدولة والمجتمع على أسس جديدة ومن خلال هذا الطرح، يُبرز الكتاب أن الأزمة السورية ليست قدراً محتوماً، بل فرصة لإعادة صياغة المشروع الوطني على أسس العدالة والديمقراطية.

المصدر: أوسكار نيوز

معلومات إضافية

العدد رقم:
1257