العدالة الانتقالية: بين النظري والواقع، بين القانوني والسياسي-الاقتصادي
منذ إصدار المرسوم رقم 20، قبل أكثر من ستة أشهر، من قبل الرئيس السوري للمرحلة الانتقالية، والقاضي بإنشاء «الهيئة الوطنية للعدالة الانتقالية»، ولاحقاً إعلان تشكيلها في آب الماضي، بموجب المرسوم 149، لم يتوقف النقاش حول العدالة الانتقالية، ويمكن رصد ندوات ومحاضرات وجلسات وورشات عمل حول الموضوع يومياً، وعدد منها يشمل الهيئة نفسها. إلا أنه حتى الآن ما زال هناك الكثير من الأمور التي تحتاج إلى إجابات وتفاصيل، من الهيئة نفسها والسلطة التي شكلتها.
بغض النظر عن تفاصيل الحالة السورية، يمكن القول: إن هناك تحدٍ مشترك في جميع تجارب العدالة الانتقالية، وهو إدارة التوقعات مقارنة مع الواقع، حيث إن جميع الشعوب التي خاضت تجارب مرتبطة بنزاع، أو انتهاكات جسيمة، وعدد كبير من الضحايا والأضرار، تتوقع هذه الشعوب حلولاً لجميع الملفات، وفي الوقت ذاته، المجتمعات الخارجة من هذا النوع من النزاعات أو الأزمات، تكون منهكة اقتصادياً واجتماعياً، إضافة إلى حصول تغييرات سياسية كبيرة في معظم الحالات، ترافقها تغييرات دستورية / قانونية، ومؤسسية، أو يبدو كذلك.
نحاول في هذه المادة أن ننظر إلى الجوانب المتعددة للعدالة الانتقالية، بدءاً من الجانب النظري، وبعض التجارب التي خاضتها عدة دول، ووضع الملف في السياق السوري اليوم، وبعض الأفكار حول كيف يجب أن تكون المقاربة لملف العدالة الانتقالية، فيما يصب في المساهمة في إيجاد حل جذري للأزمة السورية.
تحديداً، تحاول هذه المادة تفكيك مفهوم العدالة الانتقالية وبنيته القانونية والسياسية والطبقية، ومقارنة الطابع الشكلي الذي يبرز في أدبيات العدالة الانتقالية مقابل التجارب التي خاضتها الشعوب. حيث إن التعريف القانوني السائد والمقاربة الحقوقية معزولة تماماً في معظم الأدبيات وحتى التجارب عن البنى الطبقية والتوزيع غير العادل للثروة، اللذان ينتجان العنف السياسي والاجتماعي الاقتصادي الذي يؤدي إلى الانتهاكات سواء في النزاعات و/أو خلال فترات الحكم السلطوي.
كما نحاول في هذه المادة أن نقدّم رؤية من خلالها نعرّف عملية العدالة الانتقالية اللازمة في سورية، بوصفها عملية سياسية اقتصادية وليست فقط قانونية، تعيد صياغة العقد الاجتماعي فيما يصب في تحقيق العدالة الاجتماعية الاقتصادية. في هذا السياق، تتطلب المقاربة اللازمة في الحالة السورية للعدالة الانتقالية، تحليلها من منظور سياسي واجتماعي اقتصادي، لا يمكن فصله عن الصراع الطبقي السابق والقائم، وتوزيع السلطة والثروة.
أولاً: مفهوم العدالة الانتقالية
العدالة الانتقالية كمفهوم وآلية للتعامل مع الماضي في المجتمعات والدول التي خاضت نزاعات وصراعات أدت إلى نشوء انشقاقات، وتدمير للثقة ضمن المجتمعات وبين الشعوب والدولة ومؤسسات الدولة، ليست بالمفهوم الجديد. لكن في شكلها الحالي الحقوقي والقانوني، وآلياتها بتفاصيلها، فإنها تعود إلى أواخر القرن العشرين، وبالأخص التجارب التي خاضتها بعض دول أمريكا اللاتينية، مثل: تشيلي والأرجنتين، والتي شهدت انهياراً للأنظمة العسكرية القائمة، ولاحقاً جنوب أفريقيا بعد انهيار نظام الفصل العنصري، وكذلك تجارب شهدت نزاعات بين مجموعات عرقية كما هو الحال في رواندا ويوغسلافيا السابقة.
في هذا السياق، تطورت العدالة الانتقالية من مفهومها القديم الذي كان يقتصر على التقاضي أي المحاسبة من خلال المحاكمات، كما بعد الحرب العالمية الثانية، والتي تمثلت بمحاكمات نورنبيرغ، إلى مفهومها الحديث المعني بالتعامل مع الماضي، وفي الوقت ذاته التركيز على المستقبل أو عدم التكرار، وباتت العملية بعد وضعها ضمن أطر قانونية، تشمل آليات أخرى إضافة إلى المحاسبة والمساءلة الجنائية، أو التقاضي والمحاكمات، وهذه الآليات هي: كشف الحقيقة، جبر الضرر، والإصلاح المؤسسي. كما تحوّل الثقل الأساسي في العدالة الانتقالية من المحاسبة إلى المصالحة، للوصول إلى تعافٍ حقيقي للمجتمعات فيما بينها وفي علاقتها مع الدولة ومؤسساتها.
نظرياً، هذه الآليات والأطر القانونية، تتطرق إلى جميع جوانب المشاكل التي أدت إلى نشوء الحاجة إلى العدالة الانتقالية، ولكن عند النظر بشكل معمق فيها، فإنها فعلياً مبنية على تخصيص العنف ضمن إطار الجرائم الفردية، وعلى الرغم من نقل مركز الثقل من التقاضي إلى الآليات الأخرى، إلا أن المحاكمات الفردية ما زالت الشكل السائد للمحاسبة. وحتى ضمن الإصلاح المؤسسي، فإنها فعلياً معنية بالمؤسسات التي تشمل أولئك الأفراد، دون المساس بالبني الاجتماعية الاقتصادية التي أنتجت العنف و/أو البيئة المناسبة لتغذيته وتصاعده.
بكلام آخر، المقاربة السائدة للعدالة الانتقالية، هي مقاربة ليبرالية، تفترض وجود دولة قابلة للإصلاح، وانتقال سياسي تفاوضي، والقدرة على فصل العنف السياسي عن البنى الاقتصادية والاجتماعية التي أنتجت هذا العنف. في هذا السياق، فإن المقاربة الليبرالية: تركز على المسؤولية الفردية وليس البنيوية، وتنظر في الانتهاكات أو الجرائم الجسدية والسياسية، دون النظر في العنف الاقتصادي والاجتماعي، وتهدف للوصول الشكلي إلى المصالحة والاستقرار، وليس الحقيقي عبر إعادة توزيع السلطة والثروة.
وكما تُبيّن التجارب التي سيتم النظر فيها، تحوّلت العدالة الانتقالية في كثير منها إلى عملية تشمل اتفاقات سياسية، تضمن في العمق حماية الطبقات الحاكمة القديمة، أو بكلام آخر الطبقة الناهبة والتي ضمنها تتركز الثروة والفساد، ما يعني كذلك أن الإصلاحات المؤسسية تكون سطحية، دون المساس بعلاقات القوة والملكية التي ترسم ملامح الحياة الاجتماعية الاقتصادية وعلاقات الإنتاج. لذلك، عند الكلام حول التناقض بين الواقع والمتوقع، فإن الحديث فعلياً هو حول الشكل القانوني وتناقضه مع العمق السياسي الاقتصادي الاجتماعي.

ثانياً: تجارب الدول في العدالة الانتقالية
عند النظر إلى التجارب الدولية، وبالأخص تلك التي يتم الاستعانة بها كأمثلة عن تجارب ناجحة، نرى أن الجانب الشعبي والسياسي كان له التأثير الأكبر في تحديد ملامح العدالة الانتقالية، في محاولة طيّ صفحة الماضي، ويمكن أن يأتي الجانب القانوني لاحقاً لوضع بعض اللمسات الشكلية على العملية. ولكن في العمق، وفي معظم التجارب السابقة، فعلياً لم يتم المساس بعلاقات القوة القائمة، واقتصرت العملية على الشكليات.
في هذا السياق، سيتم النظر بشكل مختصر في أربع تجارب، وهي: الأرجنتين، وتشيلي، وجنوب أفريقيا، ورواندا، وليس بهدف استنساخ أي نموذج أو تجربة، ولكن لاستخلاص بعض الدروس المرتبطة بالجانب الاقتصادي السياسي والاجتماعي وميزان القوى.
الأرجنتين:
شهدت الأرجنتين حكماً عسكرياً دموياً من 1976 وحتى 1983، شمل حالات من الاختفاء القسري والتعذيب والإعدامات الميدانية، ونتج عن المرحلة حوالي 30 ألف ضحية بحسب منظمات حقوقية، تم بعده الانتقال إلى حكم مدني في عام 1983. فعلياً، كانت الديكتاتورية العسكرية أداة لتعميق تبعية الأرجنتين للمركز الرأسمالي، من خلال سحق الحركة العمالية واليسار، وفرض النيوليبرالية والخصخصة وقمع النقابات، كما أن الاختفاء القسري استهدف القوى المنظمة للحركة العمالية واليسارية.
نجحت عملية العدالة الانتقالية في الأرجنتين في بعض الجوانب، حيث شهدت محاكمات لقادة المجلس العسكري، وأتت هذه الخطوة مبكراً في العملية، بعد سنتين من سقوط الحكم العسكري، ما ساهم في تقييد «عنف الدولة»، وبينما تم وضع قوانين عفو في البداية، تم إلغاؤها لاحقاً واستئناف المحاكمات في بدايات هذا القرن. كما كان للجنة الحقيقة دور بارز في كشف الكثير من التفاصيل في ملف الاختفاء القسري. كما يُحسب لهذه التجربة كسر ثقافة الخوف نتيجة ضغط الحركات الاجتماعية من الأسفل، وبمساهمة أساسية من أهالي الضحايا. وكان هناك الكثير من العمل على «الذاكرة»، حيث تم اعتماد سياسات لحفظ الذاكرة وإنشاء المتاحف وتعديل المناهج فيما يصبّ بجبر الضرر المعنوي، وتثبيت التاريخ النضالي للشعب.
إلا أنه وعلى الرغم من اعتبار الكثيرين هذه التجربة ناجحة، إلا أنها فصلت العنف السياسي عن الاقتصادي، حيث إنها اقتصرت على محاسبة القيادات العسكرية، ولم تحاسب النخب المالية والجهات الأخرى المتواطئة مع الديكتاتورية العسكرية، وهذه النخب والشركات والجهات استفادت من إعادة هيكلة الاقتصاد النيوليبرالي. بكلام آخر، تحققت العدالة من منظور قانوني شكلي، ولكنها لم تتحقق من منظور اجتماعي-اقتصادي، ويمكن هنا التنويه إلى أن التعويضات التي تم تقديمها كانت فردية، دون القيام بأي إصلاح بنيوي.
ويمكن القول: إن الدرس الأساسي من تجربة الأرجنتين هو أن محاسبة الأجهزة القمعية فقط – لا سيما العسكرية والأمنية– دون تفكيك منظومة النهب والفساد، تُنتج عدالة منقوصة وتحافظ على البنية التي استفادت منها الأجهزة القمعية.
تشيلي:
أتى بينوشيه إلى الحكم بانقلاب في عام 1973، وشهدت مرحلته والتي امتدت حتى عام 1990 ديكتاتورية تخللتها انتهاكات جسيمة. الانقلاب الذي كان مدعوماً أمريكياً لإسقاط حكومة ألليندي، جلب لتشيلي بينوشيه ومعه الاقتصاد النيوليبرالي. جاء الانتقال من حكم بينوشيه من خلال عملية تفاوضية وتسوية، والتي أبقت الدستور ومعه نفوذ المؤسسة العسكرية، وكذلك الاقتصاد كما هو، وجميع هذه الجوانب كان قد تم فرضها بالقوة نتيجة الانقلاب.
بعض الجوانب أثبتت نجاحها في عملية العدالة الانتقالية في تشيلي، ومنها لجان الحقيقة، والتي اعترفت رسمياً بالضحايا وعلى نطاق واسع، حيث إن اللجان وسّعت نطاق الاعتراف، وكان لذلك تداعيات إيجابية، بالأخص فيما يتعلق بتخليد هذه الذاكرة وتثبيتها في الفضاء العام. وفي الجانب القضائي، كان هناك تقييد للعفو عبر القضاء، وبالتدريج تمت محاسبة الجناة، وكان هناك توازن بين العفو والمحاسبة.
من جانب آخر، النظام السياسي فعلياً لم يتغير، حيث إن الدستور بقي كما هو من حيث الجوهر، والذي كان نتاجاً وأداة للديكتاتورية، وحتى المحاسبة كان فيها ثغرات، أهمها أن بينوشيه حظي بحصانة لسنوات بعد استبعاده من الحكم، وبموجب الدستور ذاته. بشكل عام، كانت العدالة بطيئة مقارنة بتوقعات الضحايا وذويهم. والأهم من ذلك كله، النظام الاقتصادي والذي ساهم في إنتاج القمع وتغذية الديكتاتورية لم يتغير، بما فيه الخصخصة وهيمنة رأس المال، ما جعل التغييرات شكلية من المنظور الطبقي، وبالأخص لأن الانقلاب أطاح بالمشروع الاشتراكي، وأسس نظاماً اقتصادياً استمر بعد الانتقال.
جنوب أفريقيا:
تُعتبر هذه التجربة من التجارب الناجحة، من وجهة نظر الأدبيات السائدة في المجال، ولكن فعلياً ما حصل هو أنه تم تجنب المحاسبة الجنائية للطبقة الرأسمالية البيضاء مقابل انتقال سلمي للسلطة وإنهاء نظام الـ «أبارتايد»، وكان ذلك نتيجة تسوية بين المؤتمر الوطني الأفريقي والحكم الأبيض.
اتسمّت تجربة جنوب أفريقيا بكشف الحقيقة بطريقة مهدت الطريق للمصالحة، أو بالأحرى التصالح مع الماضي دون المساس بجذور المشكلة الحقيقية، حيث إن علاقات الملكية بقيت كما هي، وبقيت بنية الاقتصاد الرأسمالي الأبيض كما هي، على الرغم من تفكيك النظام القانوني العنصري.
بكلام آخر، تم كشف الحقيقة والاعتراف العلني ووضع آليات للمساواة بين البيض والسود في القانون، ولكن التراكم التاريخي لرأس المال مع الأبيض، والذي ساهم بشكل كبير في تعزيز وتعميق نظام الفصل العنصري، لم يتغير، حيث إن معظم الأموال والممتلكات، وبالأخص الأراضي، كانت في يد الأقلية البيضاء، وبقيت كذلك، أي أن علاقات الإنتاج والقوة لم تتغير، ولم يتم تحقيق العدالة البنيوية أو الاقتصادية الاجتماعية، ما يعني أنه في العمق، لم تتغير القوة السياسية إلا شكلياً، ولم يتم تفكيك البنية الاقتصادية العنصرية.
الدرس الأساسي في هذه التجربة، هو إن الاعتراف بالضحايا وكشف الحقيقة والاعتراف والاعتذار، على الرغم من أهميتها، إلا أنها لا تحقق تحولاً جذرياً وحقيقياً، دون إعادة هيكلة تصب في تحقيق العدالة الاجتماعية الاقتصادية.
رواندا:
حصلت إبادة جماعية في رواندا في عام 1994، حيث قُتل ما يقارب مليون شخص– معظمهم من الـ «توتسي» على يد الـ «هوتو» – خلال 100 يوم، ورافق ذلك انهيار كامل لمؤسسات الدولة. وأتت عملية العدالة الانتقالية ضمن عملية أعادت بناء الدولة وتنظيم المجتمع بالقوة.
تُعتبر عملية العدالة الانتقالية في رواندا في كثير من جوانبها من التجارب الناجحة من المنظور السائد، حيث إنها أعادت إنتاج السلطة والدولة والأمن نسبياً بسرعة، فيما منعت عودة النزاع أو تصاعده. وضمن هذه الجهود تم اعتماد خطاب رسمي كرّس الوحدة الوطنية وجرّم التحريض الإثني. وكان عدد المتورطين في الانتهاكات هائلاً، ولم يكن للمنظومة القضائية السعة والقدرة على معالجتها جميعها، لذلك كان العدد الأكبر من المحاكمات عن طريق محاكم «غاتشاكا» الشعبية والتي حققت محاسبة واسعة، من حيث العدد، وكرّست ثقافة عدم الإفلات من العقاب، وفي الوقت ذاته نتج عنها حالات من العفو من قبل الضحايا ضمن هذه المحاكمات أو تخفيف العقوبات مقابل الاعتراف والاعتذار، الأمر الذي كانت له نتائج إيجابية ضمن بعض المجتمعات.
إلا أنه من المهم التنويه، أن معظم الذين تمت محاسبتهم كانوا من طرف واحد، وحصلت حالة أقرب إلى «عدالة المنتصر»، ما أدى أيضاً إلى تسييسٍ في تخليد الذكرى وتقييد للنقاش العام حول الأحداث. والمصالحة، بما أنها أتت نتيجة سياسات فرضتها السلطة والدولة، فهي كانت مفروضة من الأعلى، ما جعلها أكثر هشاشة على المستوى المجتمعي. كما أن تحكّم الدولة بالخطاب والعلاقات المجتمعية، أدى إلى تقليص وحتى منع التنظيم السياسي خارج نطاق الدولة، ما أدى إلى تكريس منظومة سياسية غير متنوعة وغير تعددية، وتقييد للنقاش السياسي وضمناً تكريس عنف الدولة.
هنا يمكن تلمس الخطر المتمثل في استخدام العدالة كذريعة لإغلاق الفضاء السياسي تحت مسمّى السلم الأهلي والوحدة الوطنية.
ثالثاً: سورية – خلفية
عودة إلى الوضع السوري، حيث إن التركيز في الحديث عن العدالة الانتقالية يقتصر على العنف الذي مارسته السلطة السابقة وأدواتها الأمنية، مع تركيز على أفراد بمواصفات معينة. إلا أن العنف في سورية لم يكن منفصلاً عن وظيفة الدولة، بل كان أبرز أدواتها ضمن بنيتها التي أنتجت السلطة وكرستها عبر القمع والنهب ومنظومة الفساد وتفكيك المجتمع، ولم يكن العنف مجرد أزمة في الحكم، أو الفئة الحاكمة في السلطة، بل كان تعبيراً مكثفاً لوصول الصراع الطبقي والأزمة البنيوية إلى ذروة أدت إلى الانفجار الذي حصل في 2011 وأتى العنف كوسيلة لإدارته، بهدف ضمان استمرار البنى والعلاقات القائمة.
بهذا المعنى، لم يكن العنف السياسي خللاً أو حالة استثنائية، بل وسيلة لجأت إليها السلطة في اللحظة التي تعرضت فيها البنية الطبقية التي تحميها لتهديد وجودي. لذا، عند التحدث عن العدالة الانتقالية اليوم في سورية، يجب ألا يتم النظر إليها فقط كعملية تعالج حالة العنف التي حصلت كجرائم، ولكن كجزء من عملية إعادة تشكيل الدولة وبنائها، وفرصة لمعالجة الأزمة البنيوية في الدولة، وليس محاولة لإعادة شرعنتها في شكلها القائم. في السياق ذاته، الضحية في الوضع السوري لا يمكن اختزالها– كما يتم العمل– بالأفراد، ولكن من منظور أوسع، فإن الضحية هي طبقات اقتصادية من الشعب، ومناطق جرى تدميرها بشكل ممنهج اجتماعياً واقتصادياً، ولذلك فإن اختزال الضحية في إطار الأفراد يُفرغ عملية العدالة الانتقالية من بعدها الطبقي والاجتماعي الاقتصادي وحتى الوطني.

رابعاً: سورية – الإشكاليات الأساسية
قبل الحديث عن شكل العدالة الانتقالية التي يتم العمل عليها في سورية اليوم، ومقارنة ذلك مع العدالة الانتقالية اللازمة، يجب تحديد بعض الإشكاليات التي تعقّد الأمر بشكل أكبر:
الإشكالية الأولى في الوضع السوري، هي أنه لم يتم الوصول إلى انتقال فعلي، والذي كان يمكن أن يساهم في تخفيف حالة «الغالب والمغلوب»، حيث إن الوصول إلى اتفاق سياسي بموجبه يتم تحديد ملامح الانتقال، كان يمكن أن يساهم في تشكيل، أو وضع الأسس لسردية وطنية مشتركة، الأمر الذي يمكن البناء عليه في عملية العدالة الانتقالية. أما اليوم، في الوضع الراهن، والذي تسوده حالة «غالب ومغلوب»، هناك صراع في السرديات، والذي تفاقم بشكل أكبر خلال العام المنصرم. أي أن هناك عبئاً إضافياً في عملية العدالة الانتقالية لتقريب السرديات، التي ليست مختلفة فحسب، بل في معظمها متناقضة كليّاً. بالتالي، وفي ظل ميزان قوى داخلية مختل، يمكن أن تتحول عملية العدالة الانتقالية إلى أداة صراع جديد توّلد حلقة أو حلقات جديدة من العنف.
الإشكالية الأساسية الثانية، هي الدمار واسع النطاق، للدولة والمجتمع، والذي يشمل البنى التحتية وكذلك الجانب البنيوي للمؤسسات وعلاقاتها البينية، وعلاقة المجتمع معها والعلاقات البينية في المجتمع. بهذا المعنى، على عملية العدالة الانتقالية– بالأخص في ظل عدم وجود انتقال حقيقي يمكن البناء عليه– أن تتحمل مسؤولية إعادة بناء وإعمار يجب أن تكون خارج نطاق الحلول التقليدية، التي عادة تعيد إنتاج المؤسسات، في الحالة السورية إلى ما كانت عليه قبل 2011، بما في ذلك علاقات القوة والملكية والإنتاج، ومعها منظومة الفساد والنهب، بأشكال جديدة، ولكن المضمون ذاته، ما يعني إعادة إنتاج العنف.
هنا يجب طرح سؤال إضافي، وهو فعلياً مطروح اليوم بين السوريين، وهو حول الإطار الزمني لعملية العدالة الانتقالية، متى تبدأ ومتى تنتهي؟ توجه أغلب السوريين هو أن تكون 2011 نقطة البداية، على أساس أنها نقطة بدء الانتهاكات واسعة النطاق والمتعلقة بالنزاع المسلح والذي نتج عنه الدمار الملموس، ولكن البعض يشير إلى عدد من التواريخ التي تسبق ذلك التاريخ على أساس أحداث معينة، وكذلك على أساس أن بنية الاستبداد التي أنتجت العنف واسع النطاق الذي شهدته البلد منذ 2011 ترجع إلى عدة عقود خلت. من التواريخ الأكثر ذكراً يوجد: 1980 أو ما يُعرف بـ «أحداث الإخوان» أو «أحداث حماة»، و1970 عندما تسلم حافظ الأسد السلطة بعد انقلابه العسكري. عدد أقل يتحدث حول 1963 عند استلام حزب البعث للسلطة وآخرون ينظرون إلى 1958 تاريخ الوحدة بين سورية ومصر والتي بدأت فيها مرحلة القمع السياسي وتوسع تأثير الأجهزة الأمنية على مفاصل الحياة.
هناك كذلك اختلاف حول نقطة النهاية، حيث إن الحديث السائد والذي يعكس توجه السلطة الحالية هو أن تنظر عملية العدالة الانتقالية فيما حصل حتى تاريخ 8 كانون الأول 2024، يوم هروب بشار الأسد، والذي يعتبره البعض يوم سقوط النظام. إلا أن هناك العديد ممن يرون أن العملية يجب أن تشمل ما حصل بعد ذلك التاريخ، وبالأخص في الساحل في آذار الماضي وفي السويداء في تموز الماضي، ولكن الأهم، هو أن المنظومة السابقة ما زالت قائمة من منظور اقتصادي اجتماعي وكذلك لحدٍّ كبير من منظور سياسي.
خامساً: سورية – شكل العدالة الانتقالية المطلوب
قبل النظر في شكل العملية المنشودة في سورية، يجب العودة إلى بعض الأمثلة من تجارب الدول والتي تم التطرق إليها أعلاه، ويمكن استنتاج أن العدالة الانتقالية بشكلها السائد الذي تحكمه تنظيرات الأمم المتحدة ومنظمات المجتمع المدني الدولية، هي جزء من المنظومة الليبرالية، وتقريباً في جميع التجارب تعيد شرعنة الدولة، وبالأخص الجانب الاقتصادي والاجتماعي، دون تفكيك الأساس الطبقي للعنف، أي أنها قد تنهي أو تحدّ من العنف السياسي بشكله المباشر، ولكنها لا تنهي العنف البنيوي، بل وتخلق الأساس لإعادة تفجيره.
كذلك، في جميع التجارب وفي الجانب النظري من العدالة الانتقالية، يتم تعريف الضحايا كأفراد وليس كمجموعات، وبالأخص طبقات تتعرض للعنف نتيجة السياسات التي في العمق هي سياسات ليبرالية متوحشة، تنتج وتغذي عنف الدولة أو السلطة الحاكمة. وبما أنه نظرياً أحد أهداف العدالة الانتقالية هو القطيعة مع الماضي، فإن عدم التغيير في البنى والسياسات القائمة من منظور اجتماعي اقتصادي، لا يمكن أن يحقق هذه القطيعة.
لذلك، فيما يتعلق بعملية العدالة الانتقالية في سورية– أو أي تجربة أخرى– المقاربات القانونية، والمقاربات النظرية للأمم المتحدة، وحدها عاجزة عن معالجة جذور العنف، ويجب النظر إلى العدالة الانتقالية على أنها مشروع سياسي-اقتصادي، تتم من خلالها إعادة بناء الدولة والمجتمع، على أسس وعلاقات جديدة مرتبطة بالسلطة ومؤسسات الدولة والثروة.
بكلام آخر، العدالة الانتقالية يجب أن تصب في إعادة رسم شكل الدولة والاقتصاد والعلاقات بين قوى الإنتاج وإعادة توزيع الثروة، وليس فقط محاسبة بعض الأفراد الذين يتم تعريفهم كجناة وتعويض بعض الأفراد الذين يتم تعريفهم كضحايا، بمعزل عن البنى والطبقات التي ينتمون إليها.
في الحالة السورية، كانت الدولة نفسها فاعلاً أساسياً في ممارسة العنف وتنظيمه، وليس فقط من منظور العنف الجسدي الذي قتل وهجّر وعذّب، ولكن أيضاً من حيث العلاقة بين مؤسسات الدولة والسلطة والقوى الناهبة والفاسدة وتحكّمها ونهبها للشعب، أي السياسات الاقتصادية التي أنتجت وغذّت هذا العنف، وأدت إلى تصعيده بهدف استمرار منظومة الفساد والنهب. واليوم، الدولة بهذا الشكل لم تتغير بعد، وفي حال لم تتطرق عملية العدالة الانتقالية إلى ربط المساءلة الجنائية بمحاسبة اقتصادية، وتغيير جذري للملكية وقوى الإنتاج وتوزيع الثروة غير العادل، فإنها لن تحقق أي تغيير، وسيقتصر الأمر على إعادة شرعنة للدولة وأدواتها التي أنتجت الكارثة، وإعادة إنتاج العنف.
من هذا المنطلق، فإن العدالة الانتقالية لا يمكن أن تبدأ الآن، طالما ما زالت سورية في حالة «غالب ومغلوب»، لأن العملية آنذاك ستصبح جزءاً من الصراع وليس وسيلة لإنهائه، يمكن التمييز بين المرحلة المطلوب البدء بها الآن، وهي مرحلة التحضير للعدالة الانتقالية، من خلال خطوات تصب في تحقيق الانتقال السياسي، بما في ذلك خطوات أساسية، مثل: المؤتمر الوطني العام، والذي سيهيئ البيئة المناسبة، ويصحح موازين القوى على أسس اجتماعية اقتصادية صحيحة، للبدء الفعلي لاحقاً بالعملية من المنظور الحقوقي-القانوني.
ويمكننا تقييم ما إذا كانت العملية صحيحة، عندما تكون الإجابة صحيحة عن السؤال: «من يمتلك السلطة والثروة، ولمصلحة من يُعاد بناء الدولة؟» ...
معلومات إضافية
- العدد رقم:
- 1256
ريم عيسى