الفجوة أكبر من أن تسدّها السياسات الأمريكية «الجديدة»

الفجوة أكبر من أن تسدّها السياسات الأمريكية «الجديدة»

لا تزال تتالى المؤشرات التي تدلّ على التراجع الكبير في وزن الولايات المتحدة الأمريكية كقوة عالمية، ومنها: أنه خلال العام الماضي، تجاوزت الصين فعلياً الولايات المتحدة باعتبارها الشريك التجاري الأكبر للاتحاد الأوروبي. وهو الخبر الذي واجه «أذناً صمّاء» من جانب الإعلام السائد في الغرب.

واحدة من المقالات القليلة التي تجاوزت سياسة التعتيم على هذا الموضوع كانت قد نشرت في صحيفة «بوليتيكو» الأمريكية بعنوان «الصين تطيح بالولايات المتحدة كأكبر شريك تجاري للاتحاد الأوروبي خلال عام 2020»، وتشير إلى ما يلي: «في عام 2020، زادت صادرات سلع الاتحاد الأوروبي إلى الصين بنسبة 2,2% وارتفعت الواردات بنسبة 5,6%، في حين انخفضت تجارة الاتحاد الأوروبي مع بقية العالم بشكل كبير (انخفاض 9,4% على مستوى الصادرات، وانخفاض بنسبة 11,6% من حيث الواردات مقارنة بعام 2019)، وقد أصيبت بشدة التجارة «عبر الأطلسي» حيث انخفضت صادرات السلع الأوروبية إلى الولايات المتحدة بنسبة 8,2% على أساس سنوي، وانخفضت الواردات بنسبة 13,2%. ونتيجة لذلك، فإن الولايات المتحدة لم تعد الشريك التجاري الأول للاتحاد الأوروبي، وحلت محلها الصين. وفي العام ذاته، بلغت صادرات الاتحاد الأوروبي إلى الصين 202,5 مليار يورو، في حين بلغت الواردات 383,5 مليار يورو، ولم تتجاوز الصين الولايات المتحدة باعتبارها الشريك التجاري الأول للاتحاد الأوروبي فحسب، بل وكذلك أيضاً مع أوروبا كاملة».

ليس لدى واشنطن ما يكفي

في مقابل الصعود الصيني، تمثّل رد واشنطن ونخب وول ستريت بإستراتيجية متعددة الأوجه للتطويق والاحتواء، تنطوي على حرب تجارية مستمرة وعقوبات وحملات دعائية مستمرة، وكذلك المحاولات المتواصلة لإثارة الفوضى داخل الصين في أماكن مثل: تايوان، وهونج كونج، وشينجيانغ، والتبت، فضلاً عن أطراف الصين، وخاصة في الجنوب، حيث تعمل الولايات المتحدة بشكلٍ واضح على تثبيت حالة من الفوضى في كل من تايلاند وميانمار.
وبالفعل، استثمرت الولايات المتحدة بشكلٍ كبير في بناء قدراتها العسكرية في مواجهة الصين، وهي تحاول وضع هذه القدرات في أقرب مكان ممكن إلى حدود البلاد (الآلاف من القوات الأمريكية المتمركزة بالفعل في اليابان وكوريا الجنوبية، ووجود عسكري أمريكي متكرر في بحر الصين الجنوبي ومضيق تايوان)، وكل هذا يستند إلى ما تعترف به الحكومة الأمريكية نفسها من رغبة واشنطن في «الحفاظ على التفوق الأمريكي وتوسيعه في منطقة المحيطين الهندي والهادئ».

والمشكلة هنا، أن الولايات المتحدة تحاول أن تفرض ما لا تسمح به الظروف والتوازنات الجديدة، فالصين التي لديها اقتصاد أقوى وعدد أكبر من الناس وموارد أكثر، وبنية تحتية أكثر تطوراً، سيكون لديها بلا شك وزن أكبر، والسياسة الأمريكية الرامية إلى منع حدوث هذا تتطلب حكماً استخدام القوة، وكبت الاقتصاد الصيني، وضرورة المواجهة والعداء في كل مجال من مجالات التفاعل التي يمكن تصورها بين الصين والولايات المتحدة، ودول العالم، التي تسعى واشنطن إلى عزل الصين عنها. وجوهر الأزمة في هذا الصدد هو أنه ليس لدى واشنطن ما يكفي لمنع غيرها من الدول من التواصل والتفاعل مع الصين، فإنفاق تريليونات الدولارات على الحروب التي لا فائدة منها، وهو السلوك المعتاد أمريكياً، بات مسألة غير متاحة في متناول اليد دائماً، لا سيما وأن مستويات المعيشة في الولايات المتحدة تتراجع باستمرار، وهو ما شهدنا آخر تجسيداته في الخسائر الفادحة التي تكبدها المجتمع نتيجة انتشار فيروس كورونا، حيث تجاوزت خسائر الولايات المتحدة في كورونا مثيلتها من الخسائر الأمريكية في الحرب العالمية الثانية.

«بحر، وليست بركة»

لم تكن محاولات الضغط الأمريكي على الحلفاء والخصوم على حد سواء لإبعاد الشركات الصينية عن أسواقها فعالة، ولا سيما إذا ما أخذنا في الاعتبار أنه كما أسلفنا، فإن الاتحاد الأوروبي ذاته كان يتاجر مع الصين في عام 2020 أكثر من الولايات المتحدة.
وقد حاولت واشنطن فعلياً حرمان الشركات الصينية، مثل: هواوي العملاقة للاتصالات- وشركة «كوماك» لصناعة الطائرات التجارية- من الوصول إلى الأسواق الدولية. وفي الواقع، فإن التأثير قصير الأمد لهذه السياسات قد أرجع الشركات الصينية إلى الوراء قليلاً ولفترة قصيرة جداً، لكن هواوي وكوماك لا تستمران في التقدم فحسب، بل وتخلقان نماذج من التعاون «تفتح شهية» تلك الأطراف التي تريد تحييد نفسها عن تبعات التراجع الأمريكي، وفضلاً عن ذلك، فإن الأسواق المحلية في الصين وحدها، حسب تعبير الرئيس الصيني شي جين بينج، هي «بحر، وليست بركة... العواصف يمكنها أن تخرّب بركة صغيرة، لكنها لن تعكّر البحر أبداً» في إشارة إلى فشل المحاولات الأمريكية لكبح تطور الشركات الصينية، حيث بوسع شركات مثل: هواوي وكوماك أن تستمر في التطور والنمو داخل الصين على المدى القصير، وبسبب أسلوب الولايات المتحدة في الحرب الاقتصادية، فإن بكين تستطيع بسهولة أن تبرر منع الشركات الأمريكية من الوصول إلى هذه الأسواق المحلية.
في هذا الصدد، فإن شركة مثل كوماك، التي تبني طائرات تجارية لصناعة الطيران المحلية الضخمة في الصين وحدها، ستكون قادرة في حال اشتداد المواجهة على توسيع حجمها بسرعة غير متوقعة إلى حجم يمكّنها من التفوق على الثنائي الحالي في الغرب بوينغ وإيرباص، ولا ضرورة هنا للتذكير بفضائح البوينغ التي تتكاثر بشدة في الآونة الأخيرة، مما يهدد بفقدان «التفوق» الأمريكي في مجال جديد من مجالات الهيمنة التي اعتدنا سابقاً أن نرى الولايات المتحدة متقدمة فيها.

معلومات إضافية

العدد رقم:
1007
آخر تعديل على الجمعة, 12 آذار/مارس 2021 16:30