افتتاحية قاسيون| الأزمتان الأمريكية والسورية و2254

افتتاحية قاسيون| الأزمتان الأمريكية والسورية و2254

بينما تتعمق الأزمة الأمريكية الشاملة بأبعادها المختلفة، الاقتصادية والاجتماعية والسياسية، بل وحتى الثقافية والأيديولوجية، تظهر بشكل متواتر انعكاساتها على السياسات الخارجية لواشنطن.

ففي الملفات الثلاثة الأكثر سخونة ضمن الملفات الخارجية الأمريكية، ألقى ترامب بثلاث قنابل خلال الأيام القليلة الماضية. أولاً، تصريحاته حول تغيير موقفه من اتفاقيات التجارة مع الصين. ثانياً، تصريحاته حول الاستعداد لتمديد معاهدة ستارت 3 مع روسيا. ثالثاً، تصريحاته حول السعي للوصول إلى اتفاق مع إيران. وذلك على النقيض من كل مواقفه السابقة، والتي كان الناظم الأساسي فيها هو الخروج من شتى أنواع الاتفاقيات ومع مختلف الأطراف. وإذا كان الحال كذلك في الملفات الأضخم، فليس من الصعب الاستنتاج أنّ الآثار ستشمل حكماً الملفات الأقل ضخامة، وبينها الملف السوري.

إنّ سبر أعماق الأزمة الأمريكية الراهنة لا يزال موضوع جدل كبير حول العالم، ولكن ما لا يمكن إغفاله فيها هو الأمور التالية: 1- الأزمة شديدة التركيب وشاملة لمختلف الجوانب؛ فليست مالية أو اقتصادية أو عسكرية أو اجتماعية ... إلخ، بل هي كلها وأكثر في وقت واحد. 2- عودة الجماهير إلى الشارع في الولايات المتحدة لا تختلف في جوهرها عن عودة الجماهير إلى الشارع في العالم بأسره؛ عودة فرضها تعفن النظام الدولي القائم والتعفن المضاعف لمركزه الأساسي: واشنطن. 3- انهيار الدور العالمي للدولار وما سيرافق ذلك من انهيار منظومة العلاقات الدولية التي رست بعد الحرب الباردة، بات أمراً لا مفر منه. 4- هذا الانهيار سيكون الأساس لتكوين منظومة علاقات دولية جديدة مختلفة في إحداثياتها عن كل ما شهدته البشرية خلال عدة قرون مضت.

الشاغل الأساسي للقسم الأكبر من السوريين اليوم هو معاناتهم المعيشية المتفاقمة التي أوصلت نسبة الفقر بينهم إلى ما يزيد عن 90%، بل وأوصلت مئات الآلاف وربما الملايين إلى الفقر المطلق وإلى الجوع. ولكن ذلك لا ينتقص من أهمية الحدث الأمريكي، بل ونزعم أنه يعطيه معاني خاصة وعميقة بما يتعلق بسورية نفسها، وبالذات بوضع السوريين الاقتصادي والمعيشي.

إنّ الجذور العميقة للأزمة السورية، والكامنة في طبيعة النظام السياسي الاقتصادي الاجتماعي السائد منذ عقود طويلة، لا تنفصل نهائياً عن الوضع الدولي وتطوراته؛ فاتجاهات تطور هذا النظام قد تعززت تاريخياً في إطار السطوة والسيادة الغربية. وبالملموس فإنّ عملية إعادة هيكلة الاقتصاد السوري والوضع السوري ككل، والتي استغرقت عدة عقود، ولكن تسارعت بشكل خاص منذ 2005 مع السياسات الليبرالية، إنما كانت جزءاً من موجة عالمية غربية المنشأ والغايات، هدفها نقل أزمات المراكز الغربية باتجاه الأطراف عبر تكريس تبعيتها وخضوعها، وتالياً نهبها وفسادها وتسلطها على شعوبها... ووصولاً إلى إشعالها بالفوضى والحروب بحيث تشكل عائقاً أمام الخصوم الصاعدين و«مستنقعات» يغرقون فيها.

وفي الإطار نفسه، فإنّ الولايات المتحدة عملت طوال السنوات الماضية على منع حل الأزمة السورية، بل وعلى تعميقها، واستخدمت في ذلك شتى الوسائل وعلى رأسها منع تطبيق 2254 لمنع التغيير الجذري الشامل الذي من شأنه طرد الأمريكيين وفوضاهم وعملائهم المباشرين وغير المباشرين من سورية.

معلومات إضافية

العدد رقم:
969