فرج الله الحلو.. جذوة متقدة

 لم تكن صدفة أن اتخذ المؤتمر الاستثنائي للحزب الشيوعي السوري، الذي انعقدت جلسته الأولى يوم 18/12/2003 قراراً  بتحديد يوم الشهيد الشيوعي بتاريخ استشهاد الرفيق فرج الله الحلو، الذي قضى تحت التعذيب الوحشي على أيدي أجهزة أمن عبد الحميد السرَّاج في دمشق في الخامس والعشرين من حزيران 1959..

  بعد أيام ستمر الذكرى الخامسة والأربعون لاستشهاد الرفيق فرج الله الحلو.. ففي الخامس والعشرين من شهر حزيران 1959، وبعد ستة أشهر من الحملة المباحثية المجنونة.. انقض عدد من زبانيتهم على الرفيق فرج الله الحلو في أحد بيوت دمشق.. وساقوه إلى قبو مظلم حيث عذبوه ليلة بأكملها تعذيباً وحشياً مستمراً حتى انطفأ لهيب الحياة في عينيه، وتوقف قلبه الكبير عن الخفقان إلى الأبد...

ومع شروق شمس السادس والعشرين من حزيران، بدأ المجرمون محاولاتهم لإخفاء معالم جريمتهم البشعة بعد أن ثار ضدهم الضمير الإنساني، وهبت في وجوههم أعاصير الاحتجاج من جميع أنحاء الدنيا... وبدأت جثة الشهيد تحاكم جلاديها، فجعلتهم يعيشون في أرقٍ مضنٍ، وفقدوا الأمن والسكينة... البعض منهم اقترح دفنها فدفنت.. والآخرون ذهبوا يفتشون عن مكان آخر أكثر أماناً، حتى خطر ببالهم تفجير الأرض بمنطقة صخرية نائية ليدفنوا فيها سر جريمتهم النكراء..

  إلاّ أن ذلك كله لم يبعد عنهم الخوف والرعب من الشهيد، حتى وهو جثة هامدة... فأخرجوا الجثمان وقطعوه بالمنشار إرباً... فصلوا الرأس عن الجسد، بتروا اليدين والساقين... وذوبوها بالأسيد...

سمات المناضلين

  لقد اختزل الشهيد سمات المناضلين الذين يرخصون حياتهم فداءً للقضية التي آمنوا بها.. ومع مرور خمسة وأربعين عاماً على استشهاد فرج الله الحلو، فإنه مازال ماثلاً في ذاكرة الثوار في زمن درجت به الخيانات ولعبة خلط الأوراق، وقلب الحقائق.. ومن أسف أنه لم يبق في ذاكرة الكثيرين من المناضلين عن الشهيد الكبير إلاّ اسمه!!.. بالرغم من الإرث الهام الذي تركه لنا نتيجة تمتعه بثقافة عالية ومعرفته لأسس الفكر الماركسي والتراث الثوري العالمي إضافة إلى اهتمامه بالتاريخ والفلسفة والأدب العربي والعالمي. وله في هذه المجالات العديد من الأبحاث والدراسات والمقالات التي تنتظر من محبيه أن يبعثوها إلى النور..   

  إن قضية الشهيد الشيوعي فرج الله الحلو، كانت المثـال الصارخ للديكتاتورية والقمع والاستبداد ومصادرة حرية التعبير والتنكيـل بسجناء الرأي وتعذيبهم حتى الموت.. 

  فرج الله الحلو.. طـالما سمعنـا الأحاديث المستفيضة عن أخلاقه العالية ووطنيته الصادقة ومحبته للناس ونضاله من أجل قضاياهم وكذلك عن ثقافته العميقة وموقعه الكبير في ميدان الأدب والسياسة في عدة بلدان عربية،.

  ويتذكر نجيب سرور في قصيدته (حبات البذار)على لسـان فرج الله الحلو، المنـاضل َ والأديب التشيكي يوليوس فوتشيك، صـاحب الرواية الشهيرة (تحت أعـواد المشـانق)، الذي مـات تحت التعذيب الوحشي بأيدي الشرطة النـازية (الغستابو) رافضـا ً الاعتراف أمـامهـم بـأسمـاء رفاقـه أعضـاء خـلايا المقاومة الوطنية وأرنيست تيلمـان المنـاضل الألمـاني الذي استشهد أيضـا ً في سجـون هتلر عـام 1941 يذكـر إلى جـانبهمـا المناضل والكاتب الشيوعي المصري شهدي عطية الشافعي الذي مـات تحت التعذيب في أقبية المخـابرات عـام 1960 عن 48 عـامـا ً .. إنهـا لمقـارنة سليمـة وصحيحة تسمي الجـلادين الذين عذبوا شهدي وفرج الله بـأنهم الغستـابو نفسه الذي ارتكب أفظع الجرائم بحق المنـاضلين والشعوب الأوروبية وبحق الإنسانية جمعـاء ..

لم تمت الجريمة..

  قصة جريمة اغتيـال فرج الله المختطف، التي لم تتأكد إلا بعد قرابة السنة من استشهاده تحت التعذيب الهمجي، كـانت على كـل لسان في سورية ولبنان ومصر وغيرهـا .. سمعها الأطفال  من أهـاليهم.. وأثارتهم مثلمـا أثارت السياسيين .. ولم تمت تلك الجريمة البشعة مع مرور السنين.. فعم السخط والاستنكـار الأوساط الشعبية وحركات التحرر والسلم في العالم وتشكلت لجـان دولية ضمَّت ْ شخصيات لامعة ً من بلدان أوروبية وآسيوية ومن بلدان عربية وأخرى في أمريكا اللاتينية مـارست ضغوطـاً سياسية على القيادة المصرية.. وقد سجل التاريخ فشل هذا التضامن الدولي بسبب تملص أجهزة الأمن في سورية والقيادة المصرية من مسؤوليتها تجاه جريمة نكـراء اهتـزت لهـا مشاعر أحرار العالم..

أحبته دمشق.. وعرفته حمص

  عرف فرج الله الحلو دمشق بحاراتها وشخصياتها وأحبها.. وقبلها عرف حمص التي درَّس في إحدى مدارسها وتعرف إلى أهاليها.. وسافر كثيرا ً إلى بلدات وقرى معظم المحافظات السورية فالتقى كوادر الحزب فيها وعائلاتهم فأحبوه كثيرا ً لما كانت تحمله شخصيته من صفات الإنسان الوديع الودود المتواضع الهاديء المحب للآخرين والناكر للذات أمام إيمانه المطلق بالعمل الجماعي معيارا ً للرقي والتطور..

   لقد كان فرج في مرحلة العمل السري منذ قيام الوحدة نموذجا ً للقائد الشيوعي والرفيق المحب لوطنه وشعبه والغيور على الحزب. 

الخيانة المميتة..

  كنـا قد سمعنـا من أشخاص أكبر سنـَّا ً أن أحد أعضاء القيادة ممن ائـْتـُمنوا على الكثير من أسرارهـا، كـان على علم بموعد قدوم فرج الله الحلو من بيروت إلى دمشق في مهمة حزبية خاصـة.. وقد تبين بأن هذا الشخص، ويدعى رفيق رضـا (رأفت)، هو الخائن والمتخاذل الذي أعطى المعلومات التي أوصلت رجال المخابرات بقيادة عبد الحميد السـرَّاج (مفرزة سامي جمعة وعبد الوهاب الخطيب) إلى فرج الله فاعتقلوه فور وصوله إلى البيت السري في دمشق واقتادوه إلى أحد أقبيتهم القذرة المعروفة في (حي الطلياني). 

الشهيد في سطور..

● ولد الشهيد فرج الله الحلو عام 1906 في قرية «حصرايل» قضاء جبيل في لبنان، وهو من عائلة قروية فقيرة..

● حصل على شهادة البكالوريا السورية ـ القسم الأول ـ في المدرسة الإنجيلية في حمص حيث كان يتابع عن كثب نهوض حركة التحرر والاستقلال في سورية، وأخذت أفكار الثورة على الظلم والعبودية تجد طريقها سهلاً إلى نفسه...

● في مطلع الثلاثينات من القرن المنصرم تعرف إلى أوساط الوطنيين والزعماء الثوريين في دمشق وحمص، وأسهم معهم في بناء وإنشاء حزب العمال والفلاحين في سورية ولبنان..

● في عام 1936 عندما كانت موجة النضال الوطني للشعب السوري ضد الاستعمار الفرنسي في أوجها، كان في قلب المعركة في دمشق خلال إضرابها التاريخي الذي استمر قرابة الستين يوماً.. وأثناء تلك المعارك ألقت السلطات الاستعمارية الفرنسية القبض عليه وأبعدته إلى بيروت ومنعته من دخول سورية..

● مابين أعوام 1936 ـ 1939 لعب الشهيد فرج الله الحلو دوراً هاماً في مناهضة الفاشية، حيث خيم خطرها على العالم، وكتب العديد من المقالات في جريدة «صوت الشعب» وغيرها من الصحف الديمقراطية..

● في عام 1937  تمّ انتخاب الرفيق خالد بكداش أميناً عاما للجنة المركزية، وعمل إلى جانبه فرج الله حلو وأرتين مادويان ونقولا شاوي، حيث شكلوا معاً نواة عملت بصورة مشتركة مدة ربع قرن، ثم انضم إليهم فيما بعد، بعض اللبنانيين والسوريين وشكلوا القيادة المشتركة للحزب. 

● بتاريخ 31 كانون الأول عام 1943، و1-2 كانون الثاني عام 1944 انعقد في بيروت المؤتمر الوطني للحزب الشيوعي السوري، جرى فيه انتخاب لجنة مركزية جديدة للحزب الشيوعي السوري اللبناني وأمين عام له هو الرفيق خالد بكداش، وأقر فيه الميثاق الوطني والنظام الداخلي الجديد، كما تشكلت لجنتان مركزيتان منفصلتان إحداهما لقيادة الحزب في سورية برئاسة الرفيق خالد بكداش وأخرى في لبنان برئاسة الرفيق فرج الله الحلو.

● إبان سيطرة الحكم الفيشي، قُدِّم للمحكمة العسكرية حيث حكمت عليه بالسجن خمس سنوات قضى 22 شهراً منها في سجون القلعة والرمل وبعبدا وبيت الدين. وأخلي سبيله بعد زوال حكم فيشي.

● كان الشهيد فرج الله الحلو من الأركان المؤسسين للمؤتمر الوطني اللبناني عام 1943 الذي جمع مختلف القوى الوطنية والسياسية في لبنان التي تكافح للخلاص من الاستعمار. وفي هذه الفترة انتخب سكرتيراً للحزب الشيوعي اللبناني.

● من عام 1954 ـ 1958 عمل مسؤول التحرير في جريدة «النور» الدمشقية.

ساهم في ترجمة كثير من المؤلفات العلمية التقدمية والفلسفية والاقتصادية، وكتب مجموعة كبيرة من المقالات والأبحاث الاجتماعية والسياسية، وكان له دور فعّال في نشر الأفكار الاشتراكية العلمية.  

محطات حزينة

لقد اغتالت الأيدي القـذرة في محطات حزينة سوداء من التاريخ فـرج الله الحلو وعبد الخالق محجوب وسلمان يوسف سلمان «فهد»  وتشي غيفارا وغسان كنفاني وناجي العلي.. وغيرهم الكثير من الشرفاء... ولكنها لم تستطع ولن تستطيع أن تطفىء الجذوة المتقدة التي أزكتها تضحيات الشعوب في سبيل حريتها وكرامتها واستقلالها..

ستبقى ذكرى فرج الله الحلو في ذاكرة المناضلين الشرفاء وفي قلوبهم بعيداً عن النسيان.. برغم أنف كل ألوان الطغاة..

■  كمال مراد

 

عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.