محمد أبو حجر محمد أبو حجر

في الاصطفافات المؤقتة وطنياً..

توطئة لا بد منها:

إن ما أحاول التوصل إليه عبر هذا الكلمات يأتي على النقيض تماماً من السياق الذي يحاول البعض جر البلاد إليه بالتخيير بين الحرية والكرامة من جهة، وبين الأمن الاجتماعي والوطني ممثلاً بمقاومة المشروع الأميركو- صهيوني من جهة ثانية، بل وعلى العكس تماماً، فإنه يأتي في سياق العلاقة الجدلية التي تربط مفردات الحياة العامة ببعضها، والتي كانت دائماً جوهر رؤية اللجنة الوطنية لوحدة الشيوعيين السوريين عبر ربط الوطني بالديمقراطي بالاقتصادي- الاجتماعي، ومن هنا فإن الوطني مرتبط ارتباطاً جدلياً بالديمقراطي، والارتباط الجدلي بين طرفين يعني أنه لا مجال للمفاضلة بينهما في أي حال من الأحوال، فأي تطور في مسار لا بد أن يرافقه تطور على المسارات المرافقة، وعلى هذا فإن ملاقاة الضرورات الوطنية تحتم ملاقاة مطالب الشعب المشروعة في الحرية والكرامة وضرب الفساد.

 

ما بعد التوطئة:

كتب الرفيق جهاد أسعد محمد عن الاحتراب في ساحات ضد أو مع، كما كتب ووصف الاصطفافات المؤقتة الناشئة حالياً بشكل دقيق جداً وبتسمية جاءت في مكانها تماماً، إنها مؤقتة فلا بد للشعب في نهاية المطاف من أن يحدد الشكل المناسب للاصطفافات المطلوبة والكفيلة بتحقيق مطالبه  كاملة دون الركوب عليها على طريقة رجل الأمن المندس،  ودون  أن يخوض الاحتجاجات بعقلية «العشائر»..
ما وصفه الأستاذ محمد سعيد حمادة في لقاء قاسيون معه من رفض المتظاهرين السلميين للعناصر المسلحة - ممن أقاموا أجهزة مخابرات تسمح لنفسها بالتعذيب والضرب لأسباب سياسية بالطريقة نفسها التي يدعون الثورة ضدها!- وحمايتهم -أقصد المتظاهرين السلميين-  للمباني العامة ومنها المتحف الوطني في المعرة من هؤلاء المسلحين الغرباء، وما  كتبه زهير مشعان عن المنشورات الوطنية التي يوزعها متظاهرو دير الزور... يؤكد أن الإصطفافات المؤقتة والثنائيات الوهمية في طريقها نحو التحلل ووجود حركة وطنية بين المتظاهرين سيساهم بشكل فعال جداً في توحيد الصف الوطني.
من هنا فإن مهمة جديدة تتولد أمام الشخصيات والقوى الوطنية في وطننا الحبيب، ألا وهي تعرية كل من ساعده الاحتقان الداخلي المتراكم والاندفاع المشروع نحو الحرية والكرامة، على تلميع صورته والظهور بمظهر الديمقراطي المعتق والمطالب بالحرية مخفياً في العمق فساداً وتعفناً وما هو أعظم.
أقول تعرية هذه الحالات هي من الضرورة بمكان، بحيث كونها خطوة أساسية لتحليل هذه الإصطفافات وتفنيدها، كمقدمة لتشكيل اصطفافات جذرية وحقيقية على الأرض، قد تأخذ الشكل التالي: قريب من الشعب ومن مطالبه بالديمقراطية والإصلاح الاقتصادي وتحرير الجولان، بعيداً عن الأمريكان ومشاريعهم، في مواجهة قريب من الأمريكان والمشروع الاستعماري الجديد، وعلى هذا بعيد كل البعد عن الشعب ومطالبه حتى وإن ادعى غير ذلك.
قدمت المرحلة الماضية فرصة ذهبية لمن قدموا أنفسهم على أنهم معارضة سورية في الخارج، لتلميع صورتهم أمام الشعب السوري، حيث أنه في ظل التعاطي الأمني المطلق مع الاحتجاجات، والتعاطي الموبوء من الإعلام الرسمي مع الأحداث، فإن من يظهر على الشاشات مدغدغاً المشاعر بكلمات تستثير العواطف أكثر من العقول، سيكون قادراً على كسب تأييد يأتي ضمن سياق الاصطفافات المؤقتة.
وضمن هذا الإطار يأتي الظهور المتكرر لرضوان زيادة على سبيل المثال على القنوات الفضائية ليبتدئ حديثه بالبكاء على أرواح الشهداء – وكلنا نفعل- ليتطور حتى يصل إلى أن يشرح لنا ما يقوم به في سبيل استصدار قرار دولي ضد سورية في مجلس الأمن بهدف استحضار التجربة الليبية في سورية، تلك التجربة التي رفضها متظاهرو الشعب السوري  قبل غيرهم.  وبغض النظر عن أن هذا التدخل في ليبيا، كان محاولة أميركية للالتفاف على الثورات العربية، عبر إعادة إنتاج شكل للتخلص من الديكتاتورية مرتبط بالضرورة بالسلاح الخارجي، فإن الشعب السوري بمعظم فئاته، وخصوصاً المتظاهرين في الداخل، رفضوا تماماً أي تدخل خارجي، ليبقى لمعارضات الخارج الظواهر الصوتية فقط.
أخص رضوان زيادة بالذكر حيث أنهي للتو قراءة كتاب بعنوان «السلام المجزأ في الشرق الأوسط»، وهو كتاب جاء كنتيجة ورشة عمل حول التطبيع مع الكيان الصهيوني بوصفه «سلاماً»، واللافت للنظر أن اسم «زيادة» يظهر إلى جانب «باحثين» اثنين من الكيان الصهيوني، في شبهة تطبيع فاضح، يذهب «زيادة» بعيداً عن الوعي الشعبي الوطني في سورية في الكتاب حيث يعلن أن «على سورية الاستجابة لمطالب «إسرائيل» في مواضيع الأمن والمياه والتطبيع»!
ما يذكره ليس جديراً جداً بالبحث، فالوعي الشعبي السوري يصدح اليوم أكثر من ذي قبل: «لا سلفية ولا إخوان بدنا تحرير الجولان».. وعندما يتحدث الشعب عن تحرير فهو بالضرورة يحدد مواقفه من التطبيع الذي يطرحه «زيادة».
ولكن ما يناقش هنا هو أن يطرح هؤلاء أنفسهم لوهلة وكأنهم متحدثون رسميون باسم الشعب السوري المحتج، هم نفسهم من ينتقدون المفاضلة بين الممانعة من جهة والحرية والكرامة من جهة أخرى، هم نفسهم من يقولون إن شعباً بلا حرية لا يمكن له أن يقاوم، وكان الأحرى بهم أن يسألوا أنفسهم: شعب لا يقاوم، هل يمكن أن يكون حراً؟
الشعب السوري اليوم أمام مفترق طرق تماماً، تلك الأصوات المعزولة تاريخياً عن وعيه وطريقة حياته، تحاول اليوم التدخل وركوب الموجة، بغية حرف المطالب المشروعة بالحرية والكرامة عن مسارها، وتحويلها إما إلى ثورة ملونة تعزل المطلب الديمقراطي عن الاقتصادي المتمثل بضرب الفساد ومحاسبة رموزه، أو عن الوطني المتمثل بالاندماج كلياً في نهج المقاومة وتحرير الجولان، أو تحويلها إلى مقدمة لتقسيم سورية إلى دويلات.
يعي الشعب السوري تماماً أن من يمكن له أن يعبر تطلعاته المشروعة هو من كان في الجولان حين نادى، هو من يربط المهام الديمقراطية بالديمقراطية بالاقتصادية وليس من يعزلها عن بعضها، أو من يطلق الاتهامات لمن لبى نداء الجولان بأنه يعمل وفق أجندة النظام كي يخلق حدثاً يغطي على أحداث الاحتجاجات، مشككين في وطنية الشعب وفي رغبته بتحرير أرضه..