لينين عن الإضراب كمدرسةٍ للوحدة وضرورة للتغيير الثوري

لينين عن الإضراب كمدرسةٍ للوحدة وضرورة للتغيير الثوري

على مدى عقدين تقريباً من الكتابات الثورية، عاد لينين مراراً وتكراراً إلى فكرة بسيطة لكنها عميقة: العمال يتعلّمون الاتحاد ليس بقراءة المنشورات، بل بالإضراب معاً. من إضرابات النسيج الكبرى في سانت بطرسبرغ في تسعينيات القرن التاسع عشر إلى الإضرابات العامة السياسية المرتبطة بثورة 1905، وإلى الثورة والحرب الأهلية 1917 وما بعدها، جادل لينين بأن كل إضراب، حتى لو كان فاشلاً، فإنّه يترك وراءه شيئاً لا رجعة فيه: التجربة الحية للعمل الجماعي، والاعتراف بعدوٍّ طبقي مشترك، والروابط الأولى للتضامن الطبقي.

فلاديمير لينين
إعداد: د. أسامة دليقان


نقرأ معاً فيما يلي بعضاً من أبرز أقوال لينين حول الإضرابات كميدان تدريب على الوحدة البروليتارية، مستمدة من ثلاثة أعمال رئيسية كتبت بين عامي 1902 و1918.


الإضرابات تخلق الوعي


ينتقد لينين «الاقتصادويّين» داخل الديمقراطية الاشتراكية الروسية، الذين اعتقدوا أن العمال يجب أن يركزوا فقط على النضالات الاقتصادية ويتركوا السياسة للمثقفين. يصر لينين على أنه حتى الإضرابات الاقتصادية «العفوية» تحتوي على تعليم سياسي عميق.
في الفصل الثالث من «ما العمل؟» (1902)، حول «كيف تنمو عفوية الجماهير لتصبح وعياً طبقياً لدى الثوريين» كتب لينين:
«الطبقة العاملة تميل غريزياً وعفوياً نحو الديمقراطية الاشتراكية... إنّ الإضراب نفسه، حركة الإضراب العظيمة في تسعينيات القرن التاسع عشر، كان أكثر فعالية بما لا يقاس من أي (دعاية إضرابية) كان يمكن القيام بها. لقد مثل الإضراب خطوة عملاقة إلى الأمام في تطور الطبقة العاملة - خطوة من الإضرابات المعزولة والمتفرقة في الفترة السابقة... إلى النضال الطبقي لطبقة بأكملها».
فعندما خرج عمال مصانع الغزل في سانت بطرسبرغ في عام 1896، لم يبدؤوا ببرنامج ثوري. لقد بدؤوا بالجوع والغضب. ولكن في غضون أيام، نشأ تنسيقٌ بين 30 ألف عامل عبر مصانع لم يكن فيما بينهم تواصل من قبل. وفكرة لينين العميقة هنا هي أنّ التضامن ليس نظرية تتعلمها أولاً ثم تطبقها ثانياً. إنّها أشبه بعضلةٍ تُبنى وتتقوّى من خلال التمرين والعمل. علّمت موجة الإضراب عام 1896 العمالَ الروس أن قوتهم فرادى كانت صفراً، أما قوتهم الجماعية فكانت هائلة، وهو درس لم يستطع أي محرِّضٍ نقابيّ أن ينقله بهذه السرعة أو العمق.


كلُّ إضرابٍ يعلّمنا درساً حتى لو فشل


بعد هزيمة ثورة 1905 في روسيا، دافع لينين عن موجة الإضراب ضد منتقديها الذين وصفوها بالتهور، ويجادل بأنه حتى الإضرابات «غير الناجحة» هي انتصارات للوعي الطبقي.
وفي أكتوبر 1907، في مجلة البروليتاري العدد 18، كتب لينين مقاله «نضال المضربين وتكتيك الديمقراطيين الاشتراكيين». ومما جاء فيه:
«كل إضراب على حدة يعلم العمال كيف يتحدون، وكيف يقاومون رأس المال، وكيف يفكرون في مصالحهم كطبقة. إن حقيقة الإضراب ذاتها، حتى لو فشلت، هي أكثر إفادة بألف مرة من أشهر من الدعاية السلمية، لأنها تُظهر للعمال من هو صديقهم ومن هو عدوّهم».
وهكذا فإنه على عكس فكرة أنّ الإضراب الخاسر يُحبط العمال، يقول لينين إنّ الإضراب الخاسر، الذي خاضوه معاً، يعلّم العمال أكثر من ألف اجتماع سلمي. لماذا؟ لأنه في النضال، تسقط الأقنعة. فصاحب العمل الذي يبتسم أثناء المفاوضات يكشف عن وجهه عندما يستأجر عمالاً بُدَلاء. والبوليس الذي «يحافظ على النظام» في دولة منحازةٍ لأصحاب رأس المال يكشّر عن أنيابه خدمةً للرأسماليين. والعامل الذي ضحى بأجره من أجل الالتزام بالاعتصام والإضراب يصبح رفيقاً موثوقاً به. وفي حين أنّ الدعاية السلمية يمكنها أن تروي لك قصصاً عن هذه البطولات، فإنّ الإضراب يُريك إيّاها بأمّ العين، باللحم الحيّ.
ويقول لينين: «كلما أضرب العمال أكثر، كلما تعلموا بسرعة أكبر أنهم لا يستطيعون الفوز بجهود معزولة، وأن النصر يتطلب الوحدة المنظمة للطبقة العاملة بأكملها».


مِن الاقتصادي إلى السياسي


في العمل نفسه المقتبس منه أعلاه (1907) يميّز لينين بين الإضرابات «الاقتصادية» والإضرابات «السياسية». ولكن بشكل حاسم، يجادل بأن الإضرابات الاقتصادية هي المدرسة التي تجعل الإضرابات السياسية ممكنة.
«كل إضراب يولّد في العمّال فكرة النضال ضد النظام الرأسمالي بأكمله. النضال الاقتصادي، بمنطقه الخاص، يقود العمال إلى التساؤل: مَن الذي يعطي أصحاب العمل الحق في معاملتنا هكذا؟ وهذا السؤال يؤدي حتماً إلى السياسة، إلى الدولة، إلى سؤال السلطة».
إنّ إضراباً من أجل زيادة الأجرة يبدو اقتصادياً بحتاً. لكن في فعل الإضراب، يكتشف العمال انحياز القانون ومؤسسات السلطة الرأسمالية إلى جانب صاحب العمل. الإضراب يعلّم العمال أن صاحب العمل ليس بحد ذاته العدو الحقيقي، بل هو أحد الممثّلين المحلّيين لنظامٍ اقتصادي-اجتماعي وسياسي يظلمهم. وبالتالي لتحقيق النصر النهائي للعمال يجب تغيير النظام تغييراً جذرياً وشاملاً وعميقاً إلى نظام جديد يمثّل مصالحهم وتكون للعمّال وأغلبية الشعب الكادحة السلطةُ الأساسية فيه. هذه هي القفزة من الوعي الاقتصادي إلى الوعي السياسي. يصرّ لينين على أن هذه القفزة لا يعلّمها المثقفون، بل يكتشفها العمال في حمأة النضال:
«حركة الإضراب هي الشكل البدائي للنضال الطبقي، ولكنها أيضاً أكثر أشكاله انتشاراً ووضوحاً. دون إضرابات لا يوجد تدريب للبروليتاريا على النضال العظيم للإطاحة بالبرجوازية»


الإضراب كمدرسة ابتدائية للثورة


بعد ظفر البلاشفة بالسلطة في روسيا إبان ثورة أكتوبر الاشتراكية 1917، دافع لينين عن الإضراب العام الثوري كشرط مسبق ضروري للانتفاضة. وفي حين جادل كارل كاوتسكي بأن الإضرابات والثورة يجب أن يبقيا منفصلَين، أصرّ لينين في مؤلّفه «الثورة البروليتارية والمرتد كاوتسكي» (1918) على أنّ:
«الإضراب هو مدرسة الحرب للبروليتاريا. إنه يعلّم العمال التعرف على
مصالحهم المشتركة، والعمل معاً، وكسر الحواجز بين المهن وبين المصانع. الطبقة التي تتعلم الإضراب معاً هي بالفعل نصف متحدة من أجل الثورة».
بحلول عام 1918، كان لينين قد شهد ثورتين (1905 و1917). وهو يتحدث آنذاك بوصفه شاهداً على كيفية تحوّل الإضرابات إلى انتفاضات. وبحسب استعارته العسكرية، الإضرابات ليست مجرد أسلحة اقتصادية؛ إنها تدريبات عسكرية لحرب طبقية. في الإضراب، يتعلم العمال الخدمات اللوجستية (كيفية التواصل عبر المسافات)، والروح المعنوية (كيفية الاستمرار في العمل دون أجر وكيفية التضامن المادّي عبر صناديق الإضراب والتبرّعات وغيرها)، والاستراتيجية (متى يصعّدون ومتى يتراجعون)، والانضباط (كيف يتصرفون كجسد واحد). هذه هي بالضبط المهارات المطلوبة للانتفاضة الثورية. الطبقة العاملة التي لم تُضرِب معاً لا يمكنها الاستيلاء على السلطة معاً، ليس لأنها تفتقر إلى النظرية، ولكن لأنها تفتقر إلى «ذاكرة الممارسة» للعمل الجماعي إذا جاز التعبير.
وبحسب لينين: «من يريد إعداد البروليتاريا للثورة يجب أن يبدأ بالإضرابات. لا يوجد طريق آخر. الإضراب هو المدرسة الابتدائية للشيوعية».


من العفوية إلى التنظيم


عند أخذها معاً، ترسم تعاليم لينين قوساً واحداً؛ في عام 1902، يتعجب كيف تعلّم الإضرابات «العفوية» العمالَ الوعيَ الطبقي دون أن يخطِّط لها أحد. في عام 1907، يصر على أنه حتى الإضرابات الفاشلة هي أكثر إفادة بألف مرة من التنظير السلمي المجرَّد. في عام 1918، يسمي الإضراب «مدرسة حربية» تستحيل الثورة من دونها.
بالنسبة للينين، لم تكن الإضرابات مجرد مسألة أجور أو ساعات عمل. لقد كانت المختبر العملي للتضامن. العامل الذي سار في خط اعتصام مع «غرباء» من مصنع آخر لم يعد غريباً عنهم. العامل الذي واجه صاحب العمل وأدوات القمع والترهيب التي يستعين بها لم يعد يخاف. العامل الذي خسر إضراباً لكنه ناضل بكرامة تَعلَّمَ شيئاً لا يمكن لأيِّ منشورٍ أن يعلّمه إياه: الوحدة لا تُعطَى بل تُصنَع في غمرة النضال.
وهذا، كما يقول لينين، هو السبب في أن الطبقة الحاكمة تخاف الإضرابات أكثر من أي خطاب أو جريدة أو انتخاب. فالإضرابات هي المكان الذي تتعرف فيه الطبقة العاملة على نفسها كقوة واحدة. وبمجرد تعلم هذا الدرس، فإنّ ما بعده لن يكون كما قبله البتّة.

معلومات إضافية

العدد رقم:
1282