من «المعركة العميقة» إلى الحرب الهجينة والهيمنة الغرامشية

من «المعركة العميقة» إلى الحرب الهجينة والهيمنة الغرامشية

كان مفهوم المعركة العميقة (أو العمليات العميقة) نظرية ثورية طورها الجيش الأحمر السوفييتي في عشرينيات وثلاثينيات القرن العشرين، وأعادت التفكير بشكل جذري في الحرب الحديثة. واستخدمها قادة مثل جوكوف ببراعة لسحق النازيين. فيما يلي تعريف بمبادئها الأساسية، وكيف تطورت الحرب الهجينة، وما صلة ذلك بالصراع الأوسع من العسكري من أجل الهيمنة.

الفن العملياتي (الجسر)


قدم المنظرون السوفييت المستوى العملياتي كجسر يربط بين التكتيكات الفردية (كسب معركة واحدة) والاستراتيجية الكبرى (كسب الحرب). هذا هو فن تصميم وترتيب سلسلة من المعارك - أي الحملة بأكملها - لتحقيق الأهداف الاستراتيجية.


الأسلحة المشتركة (التزامن)


أكدت النظرية على الاستخدام المنسق لجميع الأسلحة - المشاة، والدبابات، والمدفعية، والطيران - لضرب العدو في الوقت نفسه عبر عمق ساحة المعركة بالكامل، وليس فقط على خط الجبهة الأمامية.
مراحل الهجوم (الاختراق إلى الاستغلال)
كانت العملية تتألف من مرحلتين متميزتين: المعركة العميقة التكتيكية (اختراق الخطوط الأمامية) و استغلال النجاح (الدفع بالاحتياطيات المتنقلة الجديدة إلى عمق مؤخرة العدو لإحداث انهيار كامل).


الدفاع بالعمق


لم يكن المفهوم هجومياً فحسب، بل أملى أيضاً دفاعاً متعدد الطبقات، يتكون من مناطق محصنة متعاقبة مصممة لإنهاك قوات العدو قبل دفع الاحتياطيات العملياتية لشن هجوم مضاد ساحق.


المقارنة مع «الحرب الخاطفة»


على عكس «الحرب الخاطفة» الألمانية، التي كانت تراهن على توجيه ضربة قاضية واحدة وحاسمة، صُممت «المعركة العميقة» كنظام مستدام يستخدم مستويات (أمواج) متعددة للحفاظ على الزخم الهجومي لفترة طويلة وعبر مسافات شاسعة.


أدوات الصراع المعاصرة


في سياق التكنولوجيا الحديثة والانتقال لعصر الحرب الهجينة والعمليات السيبرانية والذكاء الاصطناعي، اندمجت هذه المبادئ الكلاسيكية مع أدوات الصراع المعاصرة. وشهد الفكر الاستراتيجي تحولاً جوهرياً بعد سقوط الاتحاد السوفييتي، تمثل في الانتقال من عقيدة تركز على العمل المسلح المباشر إلى عقيدة «تجنب العمل المسلح» أو استخدامه المحدود، أو ما يُعرف بالحرب الهجينة. هذا التحول يمكن اعتباره امتداداً وتطوراً لمفهوم «المعركة العميقة» الكلاسيكي، حيث لم يعد «العمق» مجرد مسافة جغرافية خلف خطوط العدو، بل أصبح يشمل العمق السياسي والاقتصادي والاجتماعي والإعلامي للدولة المستهدفة. وتم تطوير استراتيجيات تهدف إلى إخضاع الخصم باستخدام مجموعة من التدابير المنسقة:
- أدوات غير عسكرية: وتشمل الضغط السياسي والدبلوماسي، والحرب الإعلامية والدعائية، والحرب النفسية، والعقوبات الاقتصادية، والحرب الرقمية والسيبرانية.
- قوات غير نظامية: يتم توظيف قوات العمليات الخاصة والميليشيات المسلحة والجماعات شبه العسكرية التي تعمل بالوكالة، بهدف زعزعة الاستقرار من الداخل دون الحاجة إلى إعلان حرب تقليدية شاملة.
- الردع الاستباقي: يتضمن هذا الأسلوب التهديد بالغزو وحشد القوات على الحدود كوسيلة للضغط، وهي مرحلة تسبق اللجوء إلى العمل المسلح.


الفضاء السيبراني: ساحة جديدة للمعركة العميقة


يمثل الفضاء السيبراني التجسيد الأحدث لمفهوم «العمق الاستراتيجي». فالحروب السيبرانية تتيح شن «معارك غير مرئية» ضد العدو، مستهدفة البنية التحتية الحيوية وشبكات المعلومات، وهو ما يحقق ضرب العدو في عمقه دون عبور حدوده الجغرافية.
وتعود جذور هذه الاستراتيجية إلى حقبة الحرب الباردة، حيث تمكنت وكالة المخابرات المركزية الأمريكية (CIA) من اختراق خط أنابيب الغاز السوفييتي في سيبيريا عام 1982 عبر زرع أخطاء برمجية في مخططات مسروقة، مما أدى إلى انفجار هائل، واعتبر ذلك الحادث مثالاً مبكراً على المزاوجة بين «العمق» (كهدف استراتيجي) و«التكنولوجيا» (كوسيلة).
واليوم، تطورت هذه القدرات بشكل كبير، لتشمل شلل المنظومات الدفاعية، حيث يمكن للقوات السيبرانية التشويش على أقمار العدو الاصطناعية، وتعطيل أنظمة الملاحة (GPS)، واختراق شبكات القيادة والتحوط العسكرية.
وعبر استهداف البنية التحتية لم يعد الهدف مقتصراً على المنشآت العسكرية، بل يشمل شبكات الكهرباء ومحطات المياه والاتصالات، بهدف شل الحياة العامة وخلق الفوضى.
ويخلق الاعتماد المتزايد على التقنيات السحابية والأنظمة الشبكية فرصاً جديدة للهجوم، حيث يمكن لاختراق نقطة دخول واحدة أن يعرض للخطر كميات هائلة من البيانات ويعطل عمليات قتالية متكاملة.


الذكاء الاصطناعي يعيد تشكيل سرعة ودقة العمليات


يمثل الذكاء الاصطناعي نقلة نوعية في تطبيق مبادئ «المعركة العميقة»، حيث يعيد تشكيل ملامح الحروب الحديثة من خلال قدرته على تحليل كميات هائلة من البيانات واتخاذ القرارات بسرعة فائقة، وهذا ما يفسر مثلاً إصرار وزارة الحرب الأمريكية على إخضاع واستثمار شركات ذكاء اصطناعي والحصول على وصول كامل لقدراتها، كما لاحظنا مؤخراً بخصوص شركة «أوبن إيه آي» المطورة لـChatGPT.
وفي الصراعات الأخيرة، كشفت تقارير عن استخدام جيوش لأنظمة ذكاء اصطناعي متقدمة لتحليل المعلومات الاستخباراتية وتحديد الأهداف بشكل أسرع بكثير من البشر. هذا يسمح بتنفيذ هجمات بوتيرة أعلى وتغطية «عمق» أكبر للعدو.
مع ذلك وعلى الرغم من الوعود بالدقة، فإن الاعتماد الحصري على الذكاء الاصطناعي يحمل مخاطر جسيمة. فقد تؤدي التحيزات في الخوارزميات أو سوء تفسير البيانات إلى استهداف خاطئ لمواقع غير مقصودة، ويعقد المشهد السياسي للصراع. هذا يمثل تحدياً جديداً لفكرة «العمق»، حيث قد تنتج الهزيمة الاستراتيجية عن أخطاء تكتيكية ناتجة عن تقنية «موثوقة».


الصلة بغرامشي وحرب الهيمنة


في مؤلف لإيغان دانيال من جامعة بوسطن، بعنوان «ديالكتيك الموقع والمناورة: فهم الاستعارة العسكرية عند غرامشي» يستخدم هذا التاريخ العسكري لإظهار أن مفاهيم غرامشي ليست استعارات مجردة.
فبالنسبة لإيغان، فإن «حرب المواقع» عند غرامشي في المجتمع المدني هي المعادل السياسي للفن العملياتي. فكما يخطط الجنرال لحملة عبر معارك متعددة، يجب على الطبقة الثورية أن تخطط لحملة طويلة الأمد لكسب الصراعات الثقافية والسياسية.
والمعركة العميقة تفهم هنا كصراع هيمني: فهدف «المعركة العميقة» هو تحطيم نظام العدو بالكامل، وليس فقط خطه الأمامي - يشبه الهدف من الصراع للتغلب على الهيمنة البرجوازية. يتطلب القتال على جبهات متعددة (الثقافة، الاقتصاد، السياسة) في وقت واحد.
والأهم من ذلك، كما يجادل إيغان بأنه كما تتطلب «المعركة العميقة» كلاً من الاختراق الأولي والاستغلال العميق، فإن الصراع السياسي يتطلب كلاً من «حرب المواقع» (العمل الثقافي البطيء) و«حرب المناورة» (المواجهة المباشرة). وهما ثنائي ديالكتيكي، وليسا خيارين منفصلين.
في الجوهر، باستحضار «المعركة العميقة»، يوضح إيغان أن «حرب المواقع» عند غرامشي هي حملة متطورة متعددة الأبعاد من أجل «العمق الاستراتيجي» للمجتمع، وتتطلب نوعاً مشابهاً من التخطيط المنسق الطويل الأمد الذي تتطلبه العملية العسكرية الحديثة.

معلومات إضافية

العدد رقم:
1267