امتحان التفوق في التكنولوجيات الحرجة: الصين 89% وأمريكا 11%

امتحان التفوق في التكنولوجيات الحرجة: الصين 89% وأمريكا 11%

نشر «متعقب التقنيات الحرجة» التابع للمعهد الأسترالي للسياسات الاستراتيجية (ASPI)، تقييماً حديثاً نسبياً أظهر أنّ «الصين تتصدر في 57 فئة فرعية حرجة في التكنولوجيا والعلوم بينما الولايات المتحدة تتفوق في 7 فئات منها فقط». علماً بأنّ المقارنة شملت 64 فئة تقنية حرجة عبر 8 مجالات. وإذا ترجمنا «امتحان التفوّق» هذا إلى لغة النجاح والرسوب نجد أنّ الصين ناجحة بعلامة 89% والولايات المتحدة راسبة بعلامة 11%.

المعهد الأسترالي للسياسات الاستراتيجية لم يكن الجهة الغربية الوحيدة التي أصدرت نتائج تؤكد التفوق التكنولوجي الصيني الذي لا يتوقّف عن التقدم بتسارع ملحوظ.
على سبيل المثال، أجرت مؤسسة أمريكية تدعى «مؤسسة تكنولوجيا المعلومات والابتكار» (آيتف ITIF) العام الماضي تحليلاً شاملاً لقدرات الصين الابتكارية توصّل إلى نتائج مماثلة، علماً بأنّ رئيس ومؤسِّس هذه المؤسسة (التي تعرّف عن نفسها بأنها مركز 
فكري غير حكومي رائد عالمياً في سياسات العلوم والتكنولوجيا) هو الدكتور روبرت د. أتكينسون، وهو باحث سياسي خدم في لجان استشارية حكومية تحت رئاسة كل من كلينتون وبوش وأوباما وترامب وبايدن.
مؤسسة «آيتف» المذكورة نشرت في 23 أيلول الماضي 2025 تقريراً على موقعها الرسمي بعنوان «كيف تتفوق الصين على الولايات المتحدة في التقنيات الحرجة» ورد فيه حرفيّاً: «لقد برزت الصين كقوة عالمية رائدة في ابتكار التقنيات الناشئة، متفوقة بشكل كبير على الولايات المتحدة في الغالبية العظمى من المجالات التكنولوجية الحرجة. ومن المؤشرات البارزة على ذلك أن الصين تتفوق على الولايات المتحدة في مجال المنشورات العلمية».
وبوصفها مؤسسة أمريكية كان لا بدّ أن تعبّر عن «القلق» حيث تابع التقرير: «هذا الأمر مثير للقلق لأنه يهدد بتقويض قيادة الولايات المتحدة عبر مشهد الابتكار. فقد أجرت مؤسسة ITIF العام الماضي تحليلاً شاملاً لقدرات الصين الابتكارية، وخلص ذلك البحث إلى أن التقدم العلمي الاستراتيجي المدعوم من الدولة الصينية عبر القطاعات المتقدمة - والذي تقوده سياسات صناعية جريئة، ودعم حكومي سخي، وتكامل منظومي - قد أدى إلى طفرة في براءات الاختراع العالمية، مما يشير إلى أن الصين قد انتقلت لتصبح رائدة عالمية في الابتكار. وتُظهر الصين تفوقاً في الروبوتات، وتتصدر في توريد البطاريات، وتبتكر في الصحة العامة عبر مضاعفة التجارب الحيوية السريرية، وتتقدم في الاتصالات الكوانتية من خلال ممرّ توزيع مفاتيح كمومية بطول 1200 ميل، وتحقق إنجازاً شبه مماثل في إنتاج الذكاء الاصطناعي، وتقلِّصُ الفجوات في أشباه الموصلات والمواد الكيميائية».

ما أبرز مجالات «التكنولوجيا الحرجة»؟


تقرير مركز «آيتف» الأمريكي استشهد أيضاً بتقرير المعهد الأسترالي قائلاً: «وفقاً لأحدث نتائج (متعقب التقنيات الحرجة) التابع للمعهد الأسترالي للسياسات الاستراتيجية (ASPI) والذي يقيّم 64 فئة تقنية حرجة عبر 8 مجالات (مثل الذكاء الاصطناعي والروبوتات)، فإن الصين تتصدر في 57 فئة، بينما الولايات المتحدة تتفوق فقط في 7 فئات فرعية. وهذا أمر مقلق لأن هذه التقنيات الحرجة هي المدخل الأساسي للقطاعات المتقدمة التي تتفوق فيها الصين بسرعة».
وعند تقييم أفضل 10% من المنشورات العلمية العالية الجودة، وجد المعهد الأسترالي أن الصين تتجاوز الولايات المتحدة في جميع المجالات الثمانية للتقنيات الحرجة. وتَظهر الفجوة بشكل أوضح في مجال الطاقة والبيئة، حيث تمثل الصين 46% من المنشورات المرموقة مقارنة بـ 10% فقط للولايات المتحدة. وعلى الرغم من ريادة الولايات المتحدة في الذكاء الاصطناعي، تنتج الصين المزيد من المنشورات المتميزة، إذ تسهم بنسبة 30% مقابل 18% للولايات المتحدة.
تفوّق الصين يصبح أكثر وضوحاً على مستوى المجالات الفرعية. فعبر 64 فئة فرعية، هناك عدة مجالات تتقدم فيها الصين على الولايات المتحدة بأكثر من 50 نقطة مئوية في حصتها من أفضل 10% من المنشورات العلمية. على سبيل المثال، تتفوق الصين بـ 60 نقطة مئوية في تقنيات الكشف والتتبع فرط الصوتي. كما تمتلك تقدماً بـ 56 نقطة مئوية في عمليات التصنيع عالية المواصفات، والتي تُعد عنصراً أساسياً في التصنيع المتقدم.
وقال التقرير إنّه «لحسن الحظ» -من وجهة النظر الأمريكية- أنّ «هناك بعض المجالات التي لا تزال الولايات المتحدة تحتفظ فيها بتفوق على الصين. ففي 7 من أصل 64 فئة تقنية حرجة، ينتج الباحثون الأمريكيون نسبة أعلى من أفضل 10% من المنشورات العلمية عالية الجودة. وتشمل المزايا البارزة اللقاحات والتدابير الطبية الوقائية، والحوسبة الكوانتية، والساعات الذرية - وجميعها مجالات تتفوق فيها الولايات المتحدة بما لا يقل عن 10%. بالإضافة إلى ذلك، هناك تفوق أمريكي أصغر في مجالات مثل معالجة اللغة الطبيعية، والهندسة الوراثية، والطب النووي والعلاج الإشعاعي، والأقمار الصناعية الصغيرة».
بالإضافة إلى ذلك، يحدد المعهد الأسترالي للسياسات الاستراتيجية (ASPI) وجود 24 تقنية معرضة لخطر عالٍ بأن تحتكرها الصين، و19 تقنية أخرى في خطر متوسط. ويستند هذا التقييم إلى حصة الصين من أفضل 10 مؤسسات بحثية في العالم وتفوقها في عدد المنشورات مقارنة بأقرب منافس لها. والعديد من التقنيات التي صنّفت ضمن «الخطر العالي» لاحتمال احتكارها من الصين «لها تطبيقات دفاعية واضحة، مثل الرادار، والمحركات النفاثة المتقدمة، والطائرات دون طيار، والروبوتات التعاونية، والملاحة عبر الأقمار الصناعية».


الاستثمار طويل الأمد ودعم الدولة الصينية


يذكر تقرير «آيتف» الأمريكي بأنّ «تقدم الصين هو نتيجة لاستثمارات امتدت لعقود طويلة في التعليم والبحث العلمي بهدف بناء قدرات تكنولوجية. هذه الاستثمارات بدأت الآن تؤتي ثماراً كبيرة، مع انعكاسات على القيادة العسكرية والاقتصادية والعلمية».
ومن المفهوم تماماً لماذا يصف التقرير الأمريكي نجاح برامج الصين في استقطاب المواهب العلمية بأنها «برامج عدوانية». ويذكر كمثال برنامج «ألف موهبة» الذي يجذب خبراء العلوم والتكنولوجيا المتعلمين في الخارج للمساعدة في تسريع التقدم في صناعات محددة، وخاصة تصنيع أشباه الموصلات. كما أنّ تركيز الصين الكبير على التعليم في مجالات العلوم والتكنولوجيا والهندسة والرياضيات (المعروفة اختصاراً بـ STEM) جعلها تمنح عدداً من الشهادات في هذه المجالات أكثر من أي دولة أخرى في العالم، بما يزيد أربع مرات عن العدد الممنوح في الولايات المتحدة.
يلاحظ مركز الأبحاث الأمريكي نفسه أيضاً: «من المهم أن الحكومة الصينية قد أنشأت روابط قوية بين الأوساط الأكاديمية والصناعة والجيش كجزء من استراتيجية الاندماج العسكري-المدني. ومن خلال إزالة الحواجز المؤسسية بين القطاعات المدنية والعسكرية، حفزت الصين التطور السريع للتقنيات الناشئة في خدمة الدفاع الوطني وطموحاتها الاستراتيجية.

هل تستطيع الرأسمالية تقليد الاشتراكية؟


على عكس البروباغاندا الشائعة الزاعمة بأنّ التقدّم الصناعي والعلمي-التكنولوجي الصيني يعود الفضل فيه بالدرجة الأولى إلى تبنّي «آليات رأسمالية»، نجد في توصيات تقرير مركز «آيتف» الأمريكي دعوةً صريحة لصنّاع القرار الأمريكيين إلى «تبنّي عناصر من دليل الابتكار الصيني»، فيما يمكننا قراءته بأنّه دليل على أنّ المُرشد الأهمّ للابتكار الصيني ليس رأسمالياً، حتى لو خشي المدافعون عن الرأسمالية التعبير عن ذلك صراحةً. فلو كان الأساس في تفوق الصين رأسمالياً، فلماذا إذاً يبحث قلب الرأسمالية الإمبريالي (الولايات المتحدة) عن حلول لمشكلاته في حقيبة الوصفات الصينية، التي هي اشتراكية في جوهرها؟ وقد رأينا كيف ذكر التقرير الأمريكي نفسه كيف أنّ «التقدم العلمي الاستراتيجي مدعوم من الدولة الصينية عبر القطاعات المتقدمة وتقوده سياسات صناعية جريئة، ودعم حكومي سخي، وتكامل منظومي».
ولكن النظام الرأسمالي محكوم بقوانين أزماته وتناقضاته القاتلة، ومن أبرزها التناقض بين السعي إلى الربح الأعلى من جهة وميل معدّل الربح إلى الانخفاض مع تعقّد التركيب العضوي لرأسمال من جهة أخرى، ولذلك لا يمكنه ببساطة أن يتحوّل إلى اشتراكي عبر «إصلاحات»، ومن دون ثورة اجتماعية-اقتصادية وسياسية شاملة تطيح بسلطة رأس المال. وفي الحقيقة، رغم توصية معهد «آيتف» الأمريكي بمحاولة تبنّي «عناصر من دليل الابتكار الصيني» لكنْ لم تخلُ توصياته أيضاً من أحلام طوباوية على غرار «ألا ليت الشباب يعود يوماً» حيث اعتبر أنه: «للرد بشكل مناسب على التقدم الأخير للصين، يحتاج صانعو السياسات في الولايات المتحدة إلى إعادة بناء علاقات مثمرة بين الحكومة والأوساط الأكاديمية والقطاع الخاص، كما كان الحال في منتصف القرن العشرين».

معلومات إضافية

العدد رقم:
1256