مِن المغزل الآلي إلى الذكاء الاصطناعي: ستة أنماط تكنولوجيّة
تطوّرت التكنولوجيا في عدة موجات متعاقبة منذ فجر الصناعة الرأسمالية وحتى اليوم. ومن المهم إيجاد معايير لتحديد الفترات المختلفة نوعياً في تطوُّر المعدّات والتكنولوجيا، والتي تُحدِّد الاختلافات النوعية في الاحتياجات الاجتماعية ونطاقها وسبل إشباعها. ينبثق هذا التحديد، القائم على المعايير النوعية، من نظرية «الأنماط التكنولوجيّة» التي وضعها سيرغي غلازييف وديمتري س. لفوف، وأعاد بودرونوف إنتاجها وعرضها في كتابه «النوونومي».
سيرغي بودرونوف
تعريب وإعداد: د. أسامة دليقان
وفقاً لغلازييف ولفوف، يُعرَّف النمط التكنولوجي بأنه نظامٌ من عمليات الإنتاج المترابطة (بما في ذلك السلاسل التكنولوجية المترابطة) التي تشترك في المستوى التقني نفسه، وتُشكّل معاً نظاماً فرعياً لنظام اقتصادي أعمّ. والتقسيم إلى أنماطٍ تكنولوجيّة هو بديل عن أنماط أخرى من التقسيم إلى أنظمة فرعية، مثل التقسيم إلى قطّاعات صناعية.
أُجريت أبحاثٌ كثيرة حول «المجمَّعات التكنولوجية» وتطوُّرها عبر مراحل التطور التكنولوجي. في عصره، لاحظ جوزيف شومبيتر أنّ تطور الابتكارات كان متقطّعاً. [الاقتصادي النمساوي شومبيتر (1883-1950) كان وزير مالية أسبق لبلده، وحصل على جنسية الولايات المتحدة ونشط فيها أكاديمياً، واشتهر بترويجه للتطوّر الرأسمالي عبر الابتكار المستمرّ و«التدمير الخَلّاق» - المعرِّب]. ورأى شومبيتر أن الأنشطة الابتكارية لرواد الأعمال، التي تُؤدي إلى التجديد التكنولوجي للإنتاج، تُعدّ عوامل حاسمة في اكتساب الميزة التنافسية والمحرك الرئيسي للتنمية الاقتصادية. أشار شومبيتر إلى فترات الزيادة السريعة في معدل الابتكار باسم «العناقيد»، على الرغم من أن المصطلح الإنكليزي الذي أصبح أكثر شيوعاً هو «موجات الابتكار» waves of innovation.
في عام 1975، قدّم الباحث غيرهارد مينش
(من ألمانيا الغربية) مصطلحَ «النظام التقني» Techniksysteme. وفي الفترة 1970–1980، صاغ الإنكليزي كريستوفر فريمان (أحد أتباع نهج نَشر الابتكار) مفهومَ «النموذج التكنو-اقتصادي» technoeconomic paradigm، الذي طورته زميلته كارلوتا بيريز. إنّ مصطلح «النمط التكنولوجي»، المُستخدم في الاقتصاد الروسي، يُشبه مصطلحات «موجات الابتكار» و«النموذج التكنولوجي-الاقتصادي» و«الأنظمة التقنية». وطُرح مصطلح «النمط التكنولوجي» لأوّل مرة عام 1986 من قِبل د. س. لفوف وس. ي. غلازييف.
كما عرّفه غلازييف، فإنَّ «النمط التكنولوجي» هو بنيةٌ متكاملة مستقرّة ذات دورة إنتاج
مغلقة، تشمل أنشطة صناعية مُختلفة، من استخراج الموارد الأولية إلى تصنيع المنتجات النهائية، تتناسَب مع الاستهلاك الاجتماعي. أمّا نواة «النمط التكنولوجي» فهي مجموعة من التقنيات الأساسية المُستخدمة على مدى فترة زمنية طويلة، أو تلك التي تُميِّز مجالات وقطاعات مُحدَّدة من الاقتصاد. وتُعرف الابتكارات التكنولوجية التي تُشكل هذه النواة بـ «العوامل الرئيسية/المفتاحية». وتُسمَّى القطاعات التي تستخدم هذه العوامل الرئيسية بكثافة وتلعب دوراً رائداً في تعزيز النمط التكنولوجي الجديد بـ«القطّاعات الرائدة/القائدة».
تنشأ الظروف المادية لظهور كل نمط تكنولوجي جديد من النموذج السابق. يتطور الاقتصاد من خلال تغيير تدريجي ودائم في الأنماط التكنولوجية؛ ففي المرحلة المبكرة، يستخدم كل نمط تكنولوجي جديد مواردَ الطاقة القديمة، والبنية التحتية للنقل (وفقاً لـ س. ي. غلازييف)، والبنية التحتية لتكنولوجيا المعلومات والاتصالات (وفقاً لمعظم المنظرين في مجال التطوير المبتكر للاقتصاد). ولا تصبح هذه الموارد كافية للنمط التكنولوجي الجديد إلا عندما يهيمن على القطاعات الاقتصادية الرئيسية مع استبدال النمط التكنولوجي السابق تدريجياً. وتشمل الخصائص المميزة للنمط التكنولوجي الذي ذكره س. ي. غلازييف، بالإضافة إلى نواته، آليةَ تنظيمه التنظيمي والاقتصادي.
يُوسِّعُ كلُّ نمط تكنولوجي جديد قدراتِ المجتمع التصنيعيّة بشكلٍ كبير. وفي الوقت نفسه، تَحدث تغييراتٌ كبيرة في إدارة الإنتاج، ممّا يزيد من كفاءة عاملَيه الرئيسيَّين (العَمل ورأس المال). منذ منتصف القرن العشرين فصاعداً، أصبح التقدم التكنولوجي عاملاً مهمّاً آخر. تنظر الدول الرائدة في العالم إلى تطوير الابتكارات التكنولوجية وإدخالِها كعاملٍ رئيسي في التنمية الاجتماعية والاقتصادية وضمانة للأمن الاقتصادي. في الولايات المتحدة، مثلاً، يساهم هذا العامل بما يصل إلى 90% من نمو الدخل القومي للفرد...
يشبه هذا النهج، في بعض جوانبه، الدراسات التي أجراها في الغرب علماءُ اجتماع ومتخيِّلون للمستَقبَل، حول كيفيّة التأثير المتبادَل بين التطور التكنولوجي والتغيرات في النظام الاقتصادي. يعكس ظهور مفاهيمَ مثل «مجتمع ما بعد الصناعة» و«مجتمع المعلومات» و«الموجة الثالثة» الاهتمامَ المتزايد بدراسة التحولات الاجتماعية والاقتصادية الناجمة عن التغيُّرات التكنولوجية. ومع ذلك، كانت هذه الأعمال َوصفيّة في الغالب ولم تُسفر عن أيّ نظريات جديدة تفسّر طبيعة التفاعلات التي استكشفتها وقوانينها الحاكمة. علاوة على ذلك، بالغوا كثيراً في تقدير أهمية اتجاهات «ما بعد الصناعة»، ولم يُولوا اهتماماً كافياً للطريقة التي أدت بها الأموَلة وإزالة التصنيع إلى تقويض الإمكانات الإنتاجية للدول الرائدة في العالم. لذلك، فإنّ وصف بيل وزملائه الروس للاقتصاد المستقبلي بأنه «مجتمع الخدمات»، ووصفه بأنه اقتصاد المعرفة، وما إلى ذلك، لا يبدو مقنعاً تماماً. ومع ذلك، إذا دُرست هذه الأبحاث دراسة نقدية، فإنها تحتوي على معلومات حول التغيُّرات في النظم الاقتصادية الناتجة عن التقدم التقني. أظهرت الأبحاث، بشكل مُقنعٍ إلى حدٍّ ما، أنّ التغيرات في التقنيات، وخاصةً في عوامل الإنتاج والصناعات الرائدة، تؤدّي إلى تغيُّرات في الاقتصاد، ومعها تغيُّرات في مجالات أخرى من المجتمع، مثل المؤسسات، والهياكل الاجتماعية السائدة (من المستوى العالَمي إلى مستوى الأُسرة)، والأيديولوجيات، وأساليب العمل السياسي، إلخ. [تأثير البنية التحتية في البنيان الفوقيّ - المُعرِّب].
الأنماط التكنولوجية الستّة للتاريخ الحديث
يُعتَقَد عموماً أنّ ستة أنماط تكنولوجية متتالية قد حدَّدت التاريخ الحديث، وهي مرتبطة بـ«الموجات الطويلة» التي حددها ن. د. كوندراتييف [الاقتصادي السوفييتي الذي وضع في عشرينيّات القرن الماضي نظرية تناوب الصعود والهبوط في الاقتصاد الرأسمالي وفق موجات مدة كلّ منها قرابة 50 سنة - المعرِّب]. تجدر الإشارة إلى أنه إذا تزامن انتشار نمط تكنولوجيّ جديد مع المرحلة الصَّاعدة من دَورة كوندراتييف، فإنّ هذا النمط التكنولوجي يستمرُّ حتى بعد انحسار الموجة التي أحدثتْهُ واستبدالها بأخرى. الأنماط التكنولوجية الستة هي:
1- النمط التكنولوجي الأول (1770–1830) نشأ نتيجة لظهور الآلات في صناعة النسيج. وشكّلت المنسوجات الصناعةَ الرئيسيّة في هذا النمط.
2- النمط التكنولوجي الثاني (1830–1880) نشأ نتيجة اختراع المحرك البخاري وتطوير النقل بالسكك الحديدية والشَّحن البحري عبر القارات. وتمت مَيكنة العديد من مجالات الإنتاج. ومن أهم صناعات هذا النمط معدات السكك الحديدية والمحركات البخارية والصُّلب (الفولاذ).
3- النمط التكنولوجي الثالث (1880–1930) اتّسم بتطور قطّاع الطاقة، وإدخال محركات الاحتراق الداخلي، وتطوير بناء الآلات الثقيلة، والتكنولوجيا الكهربائية، وصناعة الطيران والسيارات، واستخدام الراديو والهاتف والتلغراف في الاتصالات.
4- النمط التكنولوجي الرابع (1930–1980) استند إلى الاستخدام الواسع لمحرّكات الاحتراق الداخلي العاملة على النفط والمنتجات البترولية والغاز، وتطوير تقنيات البتروكيماويات، وظهور وانتشار المواد الاصطناعية. وظهرت أجهزة وبرامج الحاسوب، وبدأ استكشاف الفضاء.
5- النمط التكنولوجي الخامس (من أوائل الثمانينيّات إلى الوقت الحاضر) واتّسم بالانتشار الواسع لتقنيات المعلومات والاتصالات، استناداً إلى التطوُّرات في مجال الإلكترونيات الدقيقة وتكنولوجيا المعلومات. وتشمل التقنيات الناشئة الجديدة التقانة الحيوية (بما في ذلك الهندسة الوراثية)، والروبوتات، والألياف البصرية، والاتصالات الفضائية.
6- النمط التكنولوجي السادس (بدأ في العقد الأول من القرن الحادي والعشرين)، وسيشهد توسعاً في التقانة الحيوية، وغيرها من التقنيات الهَجينة وغير الآلية، بالإضافة إلى تكنولوجيات النانو. [ويُدرج بودرونوف الذكاءَ الاصطناعي تحت هذا النمط التكنولوجي السادس أيضاً، كما يفصّل ذلك في موضع لاحق من كتابه؛ ص125].
تشير مصادر مختلفة إلى تقنيات وقطاعات رئيسية مختلفة اختلافاً طفيفاً، تُشكل نواة أنماط مختلفة وفتراتها الزمنية. لكن المهم هو أنّ هذه الأنماط تُمثل نظاماً تكنولوجياً متماسكاً، حيث تَربطُ نواةُ النمط عناصرَ سلاسله التكنولوجية. وتعتمد فعالية النمط التكنولوجي على درجة الترابط التكنولوجي والاقتصادي لعناصر السلسلة، وكذلك سرعة نقل التقنيات الجديدة بين القطاعات وعلى الصعيد الإقليمي.
كلُّ نمط تكنولوجي يُصبح أساساً للمرحلة التالية من تطور المجتمع، باعتباره العامل الرئيسي وراء التغييرات.
معلومات إضافية
- العدد رقم:
- 1254