أمريكا تخسر علماء الصين– هزائم جديدة «للتبادل اللا متكافئ»

أمريكا تخسر علماء الصين– هزائم جديدة «للتبادل اللا متكافئ»

تحافظ الولايات المتحدة الأمريكية على اتجاه هابط في مدى قدرتها على الاحتفاظ طويل الأجل بطلاب الدكتوراه الصينيين، كما تُثبت ذلك بيانات صدرت عن منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية OECD وتعززها دراسة أمريكية حديثة، وفشلت آخر إدارتين في واشنطن (ترامب وبايدن) بالاحتفاظ خصوصاً بالعلماء المختصّين من فئة «تكنولوجيا العلوم والهندسة والرياضيات» المعروفة اختصاراً بـ STEM. بالمقابل يدفع هذا النهج الأمريكي العدواني المتزايد وسياسة العقوبات إلى تقارب أكبر بين علماء الصين وروسيا وغيرهما، والعمل على بناء نموذج جديد لعلاقات التعاون العلمي يختلف عن تهجير العقول وسرقتها الذي ينتمي إلى النهج الإمبريالي في «التبادل اللا متكافئ».

هذا الاتجاه اعترفت به بيانات نشرتها في نيسان من العام الجاري منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية (OECD) التي تضم 38 دولة عضواً. حيث أظهرت أنّ الولايات المتحدة تخسر السباق على المواهب العلمية لصالح الصين ودول أخرى. وفي حين تعمل إستراتيجية الصين على مزيد من الاجتذاب لباحثين علمييّن للعمل في الجامعات التابعة لها، يبدو أن السلوك العدواني والعنصري المتزايد للولايات المتّحدة أخذ ينقلب ضدّها من حيث تراجع قدراتها على الاحتفاظ بالعقول.

فبحسب بيانات OECD، فقدت الولايات المتحدة 896 مؤلِّفاً علمياً في عام 2021 بينما اكتسبت الصين 3108 في الفترة نفسها. وبدأ هذا التحوّل يصبح ملحوظاً خصوصاً بعد العام 2017.

وعلّق معهد Cato الأمريكي في واشنطن على هذه النتائج (رغم أنه مؤسسة معادية أيضاً للصين والشيوعية) في مقال له في نيسان الماضي، جاء فيه: «تستمر الإدارة الأمريكية، وعلى النقيض من الأدلّة، بالإصرار على اتهام علماء الصين العاملين في الولايات المتحدة بالتجسس وأنهم يمثلون تهديداً كبيراً للبلاد. بينما تعتقد الجامعات والشركات الأمريكية أن التهديد الأكبر هو خسارة الباحثين الصينيين الموهوبين. إذا كانت الولايات المتحدة تريد توجيه ضربة للحزب الشيوعي الصيني، فعليها أن تبدأ بمحاولة إصلاح الضّرر الذي أحدثته في السنوات القليلة الماضية وتحرير الهجرة من الصين».

وذكّر المعهد بتأثير «المبادرة» المعادية للصين التي أطلقتها إدارة ترامب عبر وزارة العدل الأمريكية في تشرين الثاني 2018، بزعم مكافحة «التهديد المفرط لسرقة الملكية الفكرية والتجسس». وفي الواقع اشتملت المبادرة على ترهيب متكرّر للمؤسسات التي توظّف علماء من أصول صينية ومحاولة ملاحقات خبيثة للعلماء الذين عملوا مع مؤسسات في الصين. بحسب المعهد فإنّ أحد المحامين الأمريكيين أنفسهم الذين انخرطوا في قيادة المبادرة المعادية للصين، وهو أندرو إي ليلينغ، اعترف في نهاية المطاف بأنّ المبادرة «خلقت مناخاً من الخوف بين الباحثين» ويقول الآن إنه «إذا كان العلماء الصينيون خائفين من العمل في الولايات المتحدة، فهذا يعني أنّ الولايات المتحدة لن تستفيد من اكتشافاتهم بالمقدار أو السرعة نفسها التي تستفيد منها الصين». ولفت إلى أنّه رغم ادّعاء وزارة العدل الأمريكية في عهد بايدن أنها أغلقت «مبادرة الصين» التي وضعت في عهد ترامب، فإنّ هناك شكوكاً في أن العلماء الصينيين سوف يتحرّرون من التدقيق الجائر بحقّهم في المستقبل.

وفي الولايات المتحدة لا تزال المعاهد الوطنية للصحة «تتفاخر» بأنها تسبّبت في طرد أكثر من 100 عالم وأغلقت أبحاثاً قام بها أكثر من 150 عالماً أجنبياً- أكثر من 80% منهم آسيويون.

دراسة أمريكيّة: علومنا في خطر

هذا الاتجاه لاقى تأكيداً إضافياً مؤخراً عبر دراسة نشرت الشهر الماضي في مجلة «الأكاديمية الأمريكية الوطنية للعلوم» وجاء فيها: «تكشف دراستنا عن الخوف المنتشر بين العلماء من أصل صيني في الولايات المتحدة، الناشئ عن إجراء البحوث الروتينية والأنشطة الأكاديمية. إذا لم يتم تخفيف هذا الخوف، فهناك مخاطر كبيرة تتمثل في قلة استخدام المواهب العلمية وكذلك فقدان المواهب العلمية لصالح الصين ودول أخرى. إن معالجة مخاوف العلماء من أصل صيني في الولايات المتحدة وجعل البيئة الأكاديمية الأمريكية مرحِّبة وجذّابة للجميع سيساعد في الاحتفاظ بالموهبة العلمية واجتذابها وتعزيز الريادة العالمية للولايات المتحدة في العلوم والتكنولوجيا على المدى الطويل».

واعترفت خلاصة الدراسة بأنّ «القيادة الأمريكية العالمية استفادت في مجال العلوم والتكنولوجيا بشكل كبير من المهاجرين من البلدان الأخرى، وعلى الأخصّ من الصين في العقود الأخيرة. ومع ذلك، فإنّهم يشعرون بضغوط التحقيقات الفيدرالية المحتملة منذ إطلاق مبادرة الصين عام 2018، حيث يواجه العلماء من أصل صيني في الولايات المتحدة الآن دوافع أعلى لمغادرة الولايات المتحدة وحوافز أقلّ للتقدم بطلب للحصول على منح فيدرالية أمريكية. عند تحليل البيانات المتعلقة بالانتماءات المؤسسية لأكثر من 200 مليون ورقة علمية، وجدنا زيادة مطّردة في هجرة عودة العلماء من أصل صيني من الولايات المتحدة إلى الصين. أجرينا أيضاً مسحاً للعلماء من أصل صيني وظّفتهم جامعات أمريكية في مناصب ثابتة، وكشفت النتائج عن مشاعر الخوف والقلق العامة التي تدفعهم إلى التفكير في مغادرة الولايات المتحدة و/أو التوقف عن التقدم للحصول على المنح الفيدرالية. إذا لم يتم تصحيح الوضع، فإنّ العِلم الأمريكي سيعاني على الأرجح من فقدان المواهب العلمية إلى الصين ودول أخرى».

وبحسب المسح فإنّ 70% ممن شملهم، قال المجيبون فيه إنهم لم يشعروا بالأمان لأنّهم باحثون أكاديميون من أصل صيني في الولايات المتحدة. وقال 61% منهم إنهم فكروا في مغادرة الولايات المتحدة. علاوة على ذلك، ارتفع معدل رفض التأشيرة للطلاب الأجانب في الولايات المتحدة من 15% في عام 2014 إلى نسبة قياسية هي 35% في 2022 للطلاب.

التعاون العلمي الصيني- الروسي

على مبدأ «ربّ ضارّةٍ نافعة»، يساهم مناخ القمع الأمريكي المتزايد للعلماء الصينين إضافة إلى العقوبات الأمريكية، في تعزيز التعاون بين العلماء الصينيين والروس. أحد الأمثلة على ذلك هو علم الكمّ (الكوانتوم). كانت روسيا معتادةً أن تحصل على معدّاتها المتعلقة بشأن هذا العلم من الغرب بشكل أساسي، ولكن في السنوات الأخيرة تحوّل الروس بشكل متزايد إلى الصين.

اقترحت روسيا أيضاً جهداً مشتركاً لتطوير تقنيات الكوانتوم وغيرها من التقنيات الجديدة من خلال دول البريكس BRICS، وستكون قمة بريكس في جنوب إفريقيا في شهر آب الحالي مهمّة جداً لبلدان بريكس ومنها الصين للتقدّم على طريق إنجاز السيادة التكنولوجية والصحّية.

على سبيل المثال طوّر معهد شينجين Shenzhen للتكنولوجيا المتقدّمة في الصين، آلة تصوير بالرنين المغناطيسي MRI محلّية بالكامل، وبدأ إنتاجها بالفعل على نطاق واسع، ويمكن للآلة تقديم جودة صور مساوية لجودة نظيراتها الأكثر تقدّماً في العالم وبتكلفة أقلّ.

بالإضافة إلى تقليل التكلفة على السكان، سيسمح هذا التقدّم بتخصيص مزيد من الموارد لأغراض أخرى. فقبل تطوير هذا البديل الوطني كانت المستشفيات الصينية تضطرّ إلى إنفاق الكثير من الأموال على استيرادها من الخارج، وهذا الإنجاز هو مثال على التكامل بين شركات الباحثين وتمويل الدولة في الصين، على سبيل المثال يعمل العلماء والشركات في المبنى نفسه؛ مثل المعهد في شينجين الذي طوّر الآلة المذكورة وهو يتلقى تمويلاً عامّاً حكوميّاً.

خلاصة

يبدو أنّ واشنطن ماضيةٌ في نهجٍ محدَّد ناجم عن الطبيعة العدوانية لنخبة رأس المال المالي التي تقودها بغضّ النظر عن الشخص الذي تقوم هذه النخبة بتعيينه في منصب الرئيس، بدليل أنّ الانتهاء الرسمي لـ«المبادرة» المعادية للصين التي وضعت في عهد ترامب لم يمنع التحقيق اللاحق مع 150 من العلماء الصينيين وتوجيه اتهامات إليهم. ويؤكّد العلماء الصينيون أنّ مناخ اضطهادهم في الولايات المتحدة لا يزال مستمرّاً حتى اليوم. بالمقابل تتّجه تلك الدول المقاومة للإمبريالية إلى تعزيز تعاونها الاقتصادي والسياسي والعِلمي على أساس علاقات أكثر تكافؤاً وتطوِّرُ بديلاً عن نهج «التبادل اللا متكافئ» الإمبريالي والذي أحد أشكاله تهجير وسرقة العقول.

معلومات إضافية

العدد رقم:
1135