سياسات التجويع والتلاعب بالوعي
سيرغي قره مورزا تلخيص وإعداد: د. أسامة دليقان سيرغي قره مورزا تلخيص وإعداد: د. أسامة دليقان

سياسات التجويع والتلاعب بالوعي

وعينا الوطني يحتفظ بذكرى الأوقات الصعبة، فنحن نعرف وجه المجاعة. عندما كنا في المدرسة قرأنا أنه «يوجد مَلِك في العالم، هذا المَلك لا يرحم، اسمه الجوع». هذه ليست عبارة فارغة بالنسبة لنا، إنها تلامس الأوتار الخفية لأرواحنا... صورة الجوع تثير الخوف، لكن الخوف دائماً ما يكون مستشاراً سيِّئاً. إذا تمعّنا النظر بالأمور، يتبين لنا أنّ المجاعة كظاهرة اجتماعية لا تنشأ إلا في المجتمع الطبقي... ثمّة سياسيون أيضاً يحبّون اللعب على أوتار الجوع، ولطالما استخدموا فكرة الجوع بشكل نشط وشنّوا هجوماً قوياً على نفسية الناخبين بهذه العبارات بدأ العالِم السوفييتي الشهير سيرغي قره مورزا إحدى فقرات كتابه «التلاعب بالوعي» المنشور بالروسية عام 2000، والذي لم تتم ترجمة سوى نصفه الأول فقط إلى العربية عام 2012 في كتاب يحمل العنوان نفسه. تقدّم المادة التالية قراءةً تلخيصية لأبرز ما جاء حول الموضوع ضمن النصف الثاني (غير المترجم إلى العربية سابقاً) من الكتاب، تحت العنوان الفرعي الثامن «الخوف من الجوع في التلاعب بالوعي» من الفصل 21 «الاستعارات والصور النمطية للبيرسترويكا»، الوارد ضمن القسم الرابع «التلاعب بالوعي أثناء تدمير المنظومة السوفييتية».

يقول قره مورزا إنّ هناك نوعَين من المجتمعات، النوع الأول بُنِيَ على «مَجاز الأسرة» ويقصد بها، كما يُفهم من السياق، «الأسرة» البيولوجية أو المجازية (أو كل تجمع اجتماعي متضامن ومتكافل). والنوع الثاني مجتمع آخر مبني على «مَجاز السوق» يصفه قره مورزا بالـ «غربي» بالمعنى الحديث للكلمة، حيث يتمتع الجميع بـ«الحرية»، بالمعنى السوقيّ للكلمة، ويعيشون «من خلال التبادل بناءً على تقديمِ مُتكافِئات»، في إشارة واضحة من الكاتب إلى التبادل البضاعي وخاصةً بشكله الرأسمالي. وينتقد قره مورزا «تحويل الأسرة والمجتمع إلى مجتمع السوق».
 ويقتبس الكاتب من تولستوي الذي وصفه بـ «مرآةٍ للثورة الروسية»، قولَه آنذاك بأنّ الشعب جائعٌ لأن آخرين شبعانون للغاية. حيث كانت تُقادُ روسيا قبل الثورة الاشتراكية بوساطة «أول جرعة كبيرة من الرأسمالية الغربية... نرى الشيء نفسه في الحضارات الأخرى. لم تكن الهند تعرف الجوع قبل البريطانيين. كان الأزتيك في القرن الخامس عشر يأكلون أفضل من متوسط ​​أكل المكسيكي اليوم. فالاقتصاد الذي يُدار من أجل الاستهلاك وليس من أجل الربح، من حيث المبدأ، لا يسمح بالجوع».

مجتمع «الأسرة» ضدّ مجتمع «السوق»

يستنتج قره مورزا في إشارة لمجتمعات التكافل والمبادئ المشاعية «في المجتمعات القائمة على مبدأ الأسرة، لكلّ فرد الحقُّ في الغذاء... ينعكس ذلك في أنقى صوره في المجتمعات البدائية. في عام 1966، نُشِرَ في الولايات المتحدة عملٌ رائعٌ في الأنثروبولوجيا بعنوان (الصيادون) حول دراسة القبائل البدائية والشعوب التي تعيش في مجتمعات ما زالت موجودة. ويحتل موضوع الطعام والجوع مكانة خاصة في ذلك الكتاب. ذات مرة تلقّى أحد العلماء قطعة لحم من إسكيمو وشكره. انزعج الصياد، وشرح رجل الإسكيمو العجوز للعالِم: (لا يمكنك تقديم الشكر على اللحم؛ لكل فرد الحق في الحصول على قطعة). ويقول الكتاب إنه في تلك المجتمعات من المستحيل وحتى من غير اللائق تقديم الشكر مقابل الطعام، فمن خلال القيام بذلك يبدو أنك تعترف بإمكانية عدم مشاركة القطعة، وهو أمر سخيف ومثير للاشمئزاز. يؤكد علماء الإثنوغرافيا أن الحقّ في الغذاء في المجتمع كان حقاً مطلقاً طبيعياً. لذلك، فإنّ المجاعة فيه كانت ممكنة فقط نتيجة كارثة طبيعية أو سياسية».
ويتابع قره مورزا: «تم استبعاد الجوع كظاهرة اجتماعية ليس فقط في المجتمعات البدائية، بل وكذلك في المجتمعات التي لم تتبع مسار السوق. من السخف الاعتقاد بأن المساواة هي نتاجُ آخر 75 سنة أو حتى من نتاج الإمبراطورية الروسية. على العكس من ذلك، تجمعت هذه الإمبراطورية في أوراسيا لأنّ الشعوب التي تتشارك بالنظرة المماثلة تجاه العالَم قد تشكلت هنا. لنتذكر التاجر الإيطالي ماركو بولو، الذي عاش وسافر طوال حياته تقريباً في الإمبراطورية التي نشأت في عهد جنكيز خان، بما في ذلك روسيا. ما الذي صدم هذا التاجر الأوروبي؟.
ثم ينقل قره مورزا عن ماركو بولو شهادته التي كتبها في منتصف القرن الثالث عشر: «عندما يعلم الملك العظيم أن هناك الكثير من الخبز وأنه رخيص، يأمر بشراء الكثير منه، ويملأ مخزن حبوب كبير... لمدة ثلاث أو أربع سنوات، ويأمر بحفظه جيداً. يجمع كل أنواع الحبوب، حنطة وشعير ودُخن وأرز ودخن أسود وكل أنواع الخبز الأخرى... وعندما يكون هناك نقص في الحبوب ويرتفع السعر، عندها يأمر الملك العظيم بإنتاج الكثير من الخبز بحيث يكون هناك ما يكفي للجميع، ويتم إعطاؤه للجميع ولدى الجميع الكثير منه. هذه هي الطريقة التي يتأكد بها الملك العظيم من أن شعبه لا يدفع ثمناً باهظاً للخبز».
ويعلّق قره مورزا على هذه القصة تعليقاً في غاية الأهمية: «عندما قرأنا ماركو بولو في الطفولة، لم ننتبه لمثل هذه الفصول، لقد بدى مسارُ عمل الدولة هذا طبيعياً بالنسبة لنا». ثم يطلب من قرّائه أن يفكّروا ويتخيّلوا ماذا كان سيحلّ بالمجتمع السوفييتي لو أنّ ستالين خلال سنوات الحرب لم يحرص على أن يضمنَ المواطنون حصصَهم الغذائية وقام بدلاً من ذلك بتحرير الأسعار!
ويتابع مقارناً: «ماذا حدث عندما ظهر مجتمع السوق (الغرب)، الشيء الأكثر أهمية هو أن الشخص لم يعد عضواً في المجتمع، بل أصبح (فرداً). وبالوقت نفسه أصبح سلعةً في السوق ولها سعر، حسب العرض والطلب. وهذا يعني أن الفرد بحد ذاته ليس له الحق في الحياة، فهذا الحق تَمنحه له أو تَمنعه عنه السوق. سيكون من الصعب التلاعب بعقولنا إذا قرأ الجميع رواية كنوت هامسون بعنوان (الجوع)، حيث كان الكاتب الشاب في أوسلو المزدهرة في بداية القرن العشرين، قد مات من الجوع- شَعره تساقط بالفعل. ليس فقط لم يفكر أحد في مساعدته، بل ولم يستطع هو نفسه حتى أنْ يسرق كعكة أو فطيرة، على الرغم من أن ذلك لم يكن صعباً». وهنا يعلّق قره مورزا على كيف أدى التلاعب بالوعي الذي تمارسه الثقافة البرجوازية السائدة بشلّ تفكير ذلك الكاتب وقتله جوعاً: «إنّ حُرمة الملكية الخاصة وغياب الحق في الحياة قد أصابت عقله الباطن مثل قدسية حقوقه الشخصية كمواطن».
ويتابع: «البطانة الفلسفية المرتبطة بإنكار المساواة وإنكار الحق في الخبز، تقدمها الداروينية الاجتماعية- وهي عقيدة تنقل المبدأ البيولوجي للصراع من أجل البقاء إلى المجتمع البشري».

التجويع كوسيلة للهيمنة السياسية

يحدّد قره مورزا «إنشاء اقتصاد السوق لأول مرة في التاريخ» بوصفه «أدى إلى ظهور دولةٍ جعلت المجاعةَ عمداً وسيلةً للسيطرة السياسية». ويقتبس من الفيلسوف والسياسي البرجوازي لورد تاونسند إبّان إعداد «قوانين الفقراء» الجديدة في إنكلترا: «المجاعة ستروّض الوحش الأكثر شراسة وتعلم أكثر الناس شراسةً الأخلاقَ الحميدة والطاعة. بشكل عام، الجوع وحده هو الذي يلدغ الفقراء بطريقة تجبرهم على العمل. نصَّت القوانين على أنه يجب إجبارهم على العمل. لكن القانون الذي تم وضعه بالقوة يسبب الفوضى والعنف. في حين أنّ القوة تولّد الإرادة الشريرة ولا تؤدي أبداً إلى خدمة جيّدة أو مقبولة، فإنّ الجوعَ ليس فقط وسيلةً للضغط السلمي الصامت والمستمر، ولكنه أيضاً الحافز الطبيعي للعمل والاجتهاد. يجب إجبار العبد على العمل».
ويختم قره مورزا الفقرة بالقول: «اليوم، وبعد قرنين من مالتوس، لم يتغير شيء؛ النظام العالمي الجديد مبنيٌّ على المبادئ نفسها... تم نشر دراسة علمية أعدّها خبراء الأمم المتحدة بعنوان (الاقتصاد السياسي للجوع(، حيث تتم فيها وبلغة باردة صياغةُ القوانين التي يفضِّل نصيرُ السوق المتحمِّس عدم تذكرها. لكن دعه على الأقل يستمع إلى من يشعر بمسؤوليته عن إطعام أطفاله: الدخل وحده يمنح الاقتصاد الحق في الحصول على الغذاء... تصدير الغذاء من المناطق المنكوبة بالمجاعة هو خاصية (طبيعية) للسوق، السوق التي تعترف بـ (الحقوق الاقتصادية) وليس بالاحتياجات».

معلومات إضافية

العدد رقم:
1056