جائزة نوبل وتاريخها غير النبيل

جائزة نوبل وتاريخها غير النبيل

تفخر العديد من البلدان والجامعات بحصول مواطن أو خريج لديها على جائزة نوبل، وغالباً ما تقيس قوة جاليتها البحثية بحصيلتها من الجوائز. ومع ذلك، لا ينبغي أن يعمينا هذا عن حقيقة أنّ جائزة نوبل معيار إشكالي ومبالغ به في تقييم «جودة البحث العلمي»، فكثير من العلماء اللامعين قدّموا إنجازات عظيمة لا تقلّ شأناً عن الذين مُنِحوا الجائزة، وربما أعلى. ومنهم المخترع والفيزيائي الكبير نيكولا تسلا، الذي لم يُمنَح هذه الجائزة مطلقاً، وقال عام 1915: «لألف سنة سيحصل كثيرون على جائزة نوبل، أما أنا فلديَّ ما لا يقلّ عن أربعين اختراعاً باسمي في الأدبيات التقنيّة. وهي تكريماتٌ حقيقية ودائمة، لم تَمُنَّ عليَّ بها قِلَّةٌ ميَّالةٌ للخطأ، بل اعترف بها العالَم أجمَع».

انحياز ضد الملوَّنِين والنساء

من الانتقادات الدائمة للجائزة غياب العدل وفق الأحقية العلمية المتجردة عن الانتماء لبلد معيّن، والانحياز الغربي و«الأورومركزي» للجائزة، وأنّ عدداً قليلاً من الأشخاص حصلوا عليها من «أجزاء العالم الأخرى». تم منح الجوائز لرجال بيض أكثر من الملونين أو النساء، ومن أوروبا والولايات المتحدة غالباً، ولا سيّما في الطب والفيزياء والكيمياء. مما يعطي نظرة غير متوازنة عن كيفية توزع البحث العلمي في العالم.
كما تجاهلت جوائز نوبل مساهمات العالمات النساء. فمنذ انطلاقها عام 1901 وحتى 2020 فازت 4 نساء فقط بجائزة الفيزياء (من 215)، أي: 1,8%. و7 نساء فقط بجائزة الكيمياء (من 185)، أيْ: 3,8%. وفي جوائز نوبل للطب (حتى 2019) مُنحت 12 امرأة فقط الجائزة (من 219) أيْ: نحو 5,5%. وفي الآداب 16 امرأة (من 117) أيْ: 13,7%.
ومن الإغفالات الشهيرة المعروفة والمدانة من كثير من النقاد في المجتمع العلمي، عدم منح الجائزة للعالِمات: روزاليند فرانكلين Rosalind Franklin وجوسلين بيل بورنيل Jocelyn Bell Burnell (بريطانيتان)، وفيرا روبين Vera Rubin (أمريكية). ناهيك عن باقي العالمات من غير الأنكلو- ساكسون!
روزاليند فرانكلين، أثبتت البنية الحلزونية للحمض النووي بعملها على صور حيود الأشعة السينية، وبفضلها حصل فرانسيس كريك وجيمس واتسون وموريس ويلكنز على جائزة نوبل في الطب عام 1962. أمّا فرانكلين نفسها، فلم يتم حتى ترشيحها للجائزة، وتوفيت في سن 37 بسرطان المبيض.
جوسلين بيل بورنيل، رصدت النجوم الراديوية النابضة، وشاركت ملاحظاتها مع البروفسور المشرف على أطروحتها للدكتوراه أنتوني هيويش، فاستأثر هذا الأخير لوحده بجائزة نوبل لهذا الاكتشاف عام 1974، بينما لم تحصل جوسلين على شيء! وكان ظلماً سافراً لدرجة أنّ كثيراً من الفلكيين في العالم أدانوه، وأطلقوا على جائزة نوبل للفيزياء لذلك العام اسماً ساخراً هو: «No-Bell»، أي: «لا بيل» كناية عن حرمان «جوسلين بيل» منها.

نوبل ومحاكم التفتيش الحديثة

لأخذ فكرة عن الظلم والانتقائية وفق العقلية التشابهية like-minded المحافِظة وشبه المغلقة لمؤسسة نوبل (مما نعرفه على الأقل في فروع معينة من العلوم)، أو ما يسمّى التيار السائد main stream نذكر باختصار قصة حرمان عالمة الفلك الأمريكية فيرا روبين من جائزة نوبل في الفيزياء. (والمعلومات من كتاب المفكر العراقي الراحل د. علي الشوك «تأملات في الفيزياء الحديثة»، الفارابي 2012، ص 180–183): اكتشفت فيرا روبن (1928–2016) في السبعينات من القرن العشرين أدلة رصدية حول حركة المجرات لا تتفق مع «تمدُّدها» وفق ميكانيزم هَبُل Hubble. ومع أنها كانت في البداية من أنصار «الانفجار الكبير»، إلا أنّ الشك أخذ يساورها: هل تتحرك المجرات بصورة أخرى غير المتعارف عليها، أي: غير ابتعادها عنّا؟ كانت فيرا روبن شابة أصغر من أن يتاح لها العمل في التلسكوبات الكبيرة، فضلاً عن حساسية الدوائر العلمية من كونها أنثى، حتى في أمريكا. وسبق أن قدمت رسالتها العلمية عام 1954 بعنوان «دوران الكون» إلى الجمعية الفلكية الأمريكية، التي اعتبر جميع أعضائها تقريباً هذا العنوان متواقحاً بالنسبة لخريجة لا يتجاوز عمرها الثانية والعشرين، ولا سيّما أنّ كورت غودل Kurt Godel الرياضي العالمي الشهير في معهد الدراسات العليا في برنستون وزميل وصديق أينشتاين، كان يعالج الموضوع نفسه «دوران الكون»، فكيف تجرؤ هذه «المرأة» على مشروع كهذا؟ وهكذا رُفِضَت رسالتها العلمية حتى بعد أن غيَّرت عنوانها. كان ذلك في أوائل الخمسينات. في الستينات أصبحت أول امرأة سُمح لها باستعمال التلسكوب في مرصد بالومار الشهير قرب سان دييغو. وفي السبعينات قاست فيرا روبن مع كينت فورد الحركات الغريبة لهذه المجرات المتجولة. وذات يوم اكتشفا شيئاً مثيراً؛ لم تكن للمجرات القريبة وحدها حركة إضافية على نحو ملحوظ، بل إن مجرة درب التبانة نفسها تتحرك بسرعة لا علاقة لها بـ«التمدد الكوني»! لكن سرعان ما تعرّضت روبن وزميلها للانتقاد، ونصحهما الفلكيون المتنفّذون بالتراجع عن متابعة بحثهما، ويبدو أنها اضطرت لإيقاف بحثها أيضاً كي لا تخسر لقمة عيشها.

رفَضَ «التيار السائد» الأدلة التجريبية التي قدمتها روبين وغيرها من العلماء ذوي الفكر العلمي النقدي، مثل: الفلكي الأمريكي هالتون آرب Halton Arp مكتشف «الانزياح الأحمر الداخلي المنشأ» الذي يتناقض أيضاً مع قانون هابل وعقيدة البيغ بانغ، فطُرِدَ من عمله بتحريض من الفلكي الأمريكي النافذ تشاندراسخار (ذي الأصل الهندي والحائز على نوبل في الفيزياء 1983).
وهكذا كان أمثال هؤلاء «هراطقة» بأعين «كَهَنَة معبد» المؤسسة الرسمية، لأنّ أدلتهم التجريبية هدّدت بزعزعة عقيدة «التوسع الكوني» و«الانفجار العظيم» والتي تزايدت سيطرتها تدريجياً على مجال الفيزياء الفلكية والكونيات، بحيث لم تفلت من كل جوائز نوبل سوى جائزة واحدة مُنحَت عام 1970 لمعارض راديكالي لهذه النظرة، وهو عالم فيزياء البلازما ومهندس الكهرباء السويدي هانس آلفين Hannes Alfven لكن ليس عن عمل متصل مباشرةً بمخالفة التيار السائد، بل عن نظريته في الهيدروديناميك المغناطيسي MHD.
في المقابل، تزايدت الجوائز الممنوحة لأفكار تصبّ في الإيمان بـ«الانفجار الكبير» و«الثقوب السوداء» حتى وصلت ذروة غير مسبوقة في السنوات الأخيرة، وكأنه لم يعد في الفيزياء سوى «الكونيات»! ففي 2017 منحت الجائزة عن موضوع إشكالي وغير محسوم «أمواج الجاذبية»، وعام 2019 منحت لأحد الآباء التاريخيين لعقيدة «الانفجار الكبير» وهو جيمس بيبيل، ليأتي الموسم الحالي 2020 فيكون أحد شركاء جائزة نوبل، هو روجر بنروز، الباحث البريطاني في الرياضيات والفيزياء النظرية من أوكسفورد، وشريك الراحل ستيفن هوكينغ، وذلك «لاكتشاف أنّ تشكُّل الثقب الأسود هو أحد التنبؤات القوية للنظرية النسبية العامة»، رغم أنّ كلّاً من أينشتاين نفسه، وكذلك شفارتزشيلد سبق أن نشرا أوراقاً تستنتج استحالة الوجود الفيزيائي الواقعي لهذه «المتفردات الرياضية» على أساس النسبية العامة. وفي ورقة «الخلفية العلمية» ذات الصلة بجائزة 2020 والتي نشرتها مؤسسة نوبل على موقعها، لم تجد أية مشكلة أو حرج في تكرار الكلام القديم عن المفهوم الأسطوري «الكثافة اللانهائية» infinite density المناقض للعلم، والمناقض لتعريف الكثافة الفيزيائية نفسها! (سبق أن فصّلنا بهذه النقاط في مقال سابق: انظر «الثقوب السوداء وتشويه تاريخ الزمن2»، قاسيون، 23/4/2019).

جوائز «سلام» لمجرمي حرب!

تظل المفارقات في جائزة نوبل للسلام من أهم وصمات العار التي تظهر الطابع المسيَّس للجائزة ونفوذ الصهيونية العالمية في المؤسسة، فرغم أنّ مناضلين حقيقيين من أجل العدالة والسلام وضد العنصرية، حصلوا عليها مثل: مارتن لوثر كينغ (1946)، ونيلسون مانديلا (1993)، لكنها منحت أيضاً لعدد من المجرمين والسفّاحين، مثل: هنري كيسينجر (جائزة 1973)، وراعي البيريسترويكا ميخائيل غورباتشوف (جائزة 1990)، والصهيوني ميناحيم بيغن، مناصفة مع أنور السادات (جائزة 1978). كما تم منحها عام 1994 للإسرائيليَّين شمعون بيريتز وإسحق رابين (وتقاسم الجائزة معهما ياسر عرفات).

معلومات إضافية

العدد رقم:
987