كيف ينتهي الاحتكار: التصدّع والتكيّف وإعادة التشكيل
عروة درويش عروة درويش

كيف ينتهي الاحتكار: التصدّع والتكيّف وإعادة التشكيل

إن أردنا الحديث عن الاحتكار ومدى استمراره اليوم، والمستفيد منه وطرق كسره وغيرها من النقاط المهمة المرتبطة بذلك، علينا البدء بوضع مفهوم له. ضمن سياق مقالنا، علينا ألّا نختزل مفهوم «الاحتكار» في تركّز الاحتكار على مستوى الشركة، أو حتّى سلسلة من الشركات، بل أن نتعامل معه بوصفه نظاماً تاريخياً متشكلاً للسيطرة على كامل شروط الإنتاج: أي وسائل الإنتاج، والبنى التحتية المؤسسية التي تنسّقها وتموّلها، والهياكل القانونية–التنظيمية التي تحمي تدفّق عوائدها. هذا المعنى المنهجي حاضر ضمنياً في التحليلات الماركسية الطويلة حول حتمية تحوّل رأس المال إلى احتكاري، وتصاعد الإمبريالية ونفوذها، وصولاً إلى المفاهيم الرئيسية الأكبر، مثل: التبادل اللامتكافئ. كما أنّ هذا المفهوم للاحتكار مركزي في الاقتصاد السياسي النقدي اللاحق، الذي يحلّل كيف تُعيد الفوارق التكنولوجية والمالية، وسلطة الدولة، تشكيل التراكم على المستوى العالمي.

بناءً على ذلك، يُعرّف هذا المقال الاحتكارَ الإنتاجيَّ للرأسماليات المتقدمة بوصفه تكويناً تاريخياً نوعياً تُمسك فيه الاقتصادات الرأسمالية المتقدمة «النواة الصناعية» بحصة غير متناسبة من:
أ- صناعات السلع والأدوات الصناعية عالية الدقة.
ب- التكنولوجيا الصناعية والمعرفة الضمنية «الهندسة، ضبط العمليات، التصميم».
ج- البنى التحتية اللوجستية وآليات «الترابط» التي تخفض زمن التداول.
د- التمويل والتراتبية النقدية، بما يشكّل القدرة على الاستثمار ونقل عبء الأزمات.
هـ- أنظمة المعايير وحقوق الملكية الفكرية التي تحوّل المعرفة إلى ريع.
تاريخياً، أقوى طريقة لتثبيت مفهوم الاحتكار المنهجي هي في المزاوجة بين: القيمة الزائدة الناجمة عن الصناعة، وتركيب التجارة «وخاصة الآلات/السلع الرأسمالية والصناعات كثيفة التكنولوجيا»، وإدامة وتوسيع الفجوة بين التقاط القيمة value capturing، والمؤشرات المؤسسية «تدفّقات الملكية الفكرية، قدرات البحث والتطوير، تركّز المنصّات، والهيمنة المالية».


بناء الاحتكار ومنطق التنمية اللامتكافئة

بعد 1945، امتلكت دول النواة الصناعية أفضلية ساحقة في القدرات الإنتاجية، وبناء الآلات، والبنية العلمية–الصناعية التي تولّد الأدوات المتقدمة وتنشرها. لم يكن الأمر يقتصر على حجم شركات، بل كان نظاماً جيوسياسياً–صناعياً مهيمناً: ترافقت إعادة الإعمار والتحديث في المركز «ونظام الحرب الباردة الأمني» مع مأسسة الحوكمة النقدية والتجارية الدولية. مكّنت تسويات ما بعد الحرب
في الدول الرأسمالية تراكماً سريعاً لرأس المال الثابت، تلاه زيادة في الإنتاجية العمالية، في دول المركز، ما عمّق الفجوة التكنولوجية التي تنظّم انتزاع فائض القيمة النسبي عبر إنتاجية أعلى وتحكم بطرائق الإنتاج المتقدمة.
يبرز تحليل روبرت برينر لدورات ما بعد الحرب «الازدهار الطويل» ثم «الركود الطويل» كيف شهدت الاقتصادات الرأسمالية المتقدمة تدهوراً كبيراً في الربحية بعد أوائل سبعينيات القرن العشرين، في ظل اشتداد المنافسة بين الرساميل وفرط الطاقة، ولا سيما مع عودة الصادرات الألمانية واليابانية. وتُظهر بيانات برينر أن معدل ربحية الصناعة التحويلية لاقتصادات مجموعة السبع مجتمعة بين 1970 و1990 كان أقل بنحو 40% مما كان عليه بين 1950 و1970، وبقي في 1990 دون الذُرى السابقة. من هنا نفهم لماذا سعت الرساميل إلى «تثبيتات» مكانية ومؤسسية جديدة، بما في ذلك نقل الأنشطة إلى الخارج والتوسع المالي. ويقرأ ديفيد هارفي مثل هذه اللحظات بوصفها أزمات فرط تراكم متكررة، تحفّز نزع الملكية والتدخل الجيوسياسي–الاقتصادي لإعادة ترميم شروط التراكم.

في المقابل، واجهت الاقتصادات الطرفية والمتأخرة في التطور تناقضاً أساسياً: فالارتقاء الصناعي يتطلب سلعاً رأسمالية وتكنولوجيا وتمويلاً طويل الأجل، غير أن الاحتكار المنهجي جعل هذه المدخلات مكلفة، ومشروطة سياسياً. يجادل سمير أمين بأن الرأسمالية الطرفية تتشكّل بنيوياً عبر تراتبية الإنتاجية على مستوى العالم، وقانون القيمة على النطاق العالمي، ما يُنتج تباعداً دائماً حتى عندما يتوسع الإنتاج في الأطراف. وفي اقتصاد التنمية غير الماركسي، ولكن غير التقليدي، يظهر طرح موازٍ في نقد ها-جون تشانغ التاريخي: فوفقاً لهذا التحليل، استخدمت البلدان المتقدمة اليوم سياسات حمائية وصناعية وسيطرة الدولة في مراحل اللحاق، لكنها روّجت لاحقاً لانضباطات تحريرية، تقيّد استراتيجيات مماثلة للدول
المتأخرة، وسماها سياسة «ركل السُلَّم Kicking away the ladder». رغم الاختلاف في عمق التحليل، فالنتيجة هي ذاتها: قيام المركز بمنع الأطراف من حيازة أي قدرات تمنع احتكاره.
يُظهر دليلٌ تجريبي حاسم على الاحتكار المنهجي، التباعدَ بين حصص الصادرات التي تخرج من الدول المتقدمة، في مقابل حصص القيمة الزائدة التي تستحوذ عليها. إذ تُظهر مقارنة الأونكتاد بين صادرات الصناعات التحويلية العالمية والقيمة الزائدة الصناعية العالمية ما يلي:

تراجعت حصة البلدان المتقدمة من صادرات الصناعات التحويلية العالمية من 82.3% في عام 1980 إلى 67.7% في عام 2000.
في المقابل، ارتفعت حصتها من القيمة الزائدة الصناعية العالمية من 64.5% في عام 1980 إلى 72.4% في عام 2000.
ارتفعت حصة البلدان النامية من صادرات الصناعات التحويلية بقوة من 10.6 إلى 29.5% بين 1980–2000، بينما لم تزد حصتها من القيمة الزائدة الصناعية سوى من 16.6 إلى 24.5%.
يمكننا من خلال هذه الأرقام فهم استمرار استحواذ دول المركز على القيمة رغم تراجع التصنيع المكاني لديهم، فهم كانوا لا يزالون يمارسون احتكاراً وسيطرة صارمة على التكنولوجيا ووسائل وأدوات الإنتاج. يتسق هذا مع القراءة الماركسية للتبادل اللامتكافئ بوساطة التكنولوجيا: فارتفاع حصة الصادرات كثيفة العمل، أو التجميع في الأطراف، لا يترجم تلقائياً إلى سيطرة مكافئة على القيمة الزائدة.


الاقتصادات الصاعدة


إذا كان الاحتكار المنهجي هو التحكم بوسائل الإنتاج المتقدمة، فإن قطاع السلع الرأسمالية مركزي. فالسلع الرأسمالية «وهي السلع التي لا تُستهلك مباشرةً لإشباع حاجات نهائية، بل تُستخدم لإنتاج سلع وخدمات أخرى، أي هي أدوات الإنتاج في التعريف الماركسي» تُجسِّد الإنتاجية والتوحيد القياسي والقدرة الصناعية. يبيّن بحث ينقل عن صندوق النقد الدولي مدى تركّز هذا المجال تاريخياً، وبدايات تحوّله المتأخرة:
يشير الصندوق إلى أنه رغم بقاء صادرات السلع الرأسمالية مركّزة، فقد زادت حصة اقتصادات الأسواق الصاعدة والنامية من صادرات الآلات والمعدات العالمية إلى نحو الثلث في 2016، صعوداً من 5% في 1990، وارتفعت حصة الصين من 1–2% في التسعينيات إلى 18% في 2017.

هذا دليل على اختراق جزئي- ولا سيما من الصين- ويؤكد في الوقت ذاته عقوداً طويلة من الاحتكار السابق. ويشدد البحث ذاته على أن تكاليف التجارة إلى مصدّري الآلات، والترابط اللوجستي، والأسعار التي تواجهها الاقتصادات منخفضة الدخل، هي الرابط بين التحكم بالسلع الرأسمالية، والتحكم باللوجستيات والبنى التحتية.
ثمة تناقضان تجريبيان ينبغي مواجهتهما صراحةً.
الأول: ارتفع النشاط الصناعي في البلدان النامية إجمالاً، لكن بشكل غير متكافئ. تشير أبحاث اليونيدو إلى أنه إذا قيسَت الحصة الإجمالية للتصنيع في البلدان النامية، فإنها لم تنخفض بالضرورة منذ 1990، بل تركز التصنيع في عدد صغير من البلدان النامية الكبيرة «وخاصة الصين»، بينما ركدت أو نُزِعت صناعات كثيرة أخرى.
الثاني: توثّق أطروحة داني رودريك حول
«نزع التصنيع المبكر» أن كثيراً من البلدان منخفضة ومتوسطة الدخل بلغت ذروة التصنيع عند مستويات دخل أدنى، ومراحل أبكر مما بلغته متأخرات تاريخية، مع حدوث نزع تصنيع «مبكر جداً»، باستثناء بعض الحالات الآسيوية.
في الواقع، هذه النتائج غير متعارضة بالضرورة. إنها تشير إلى أن «صعود الجنوب العالمي» في التصنيع مدفوع بقوة من مجموعة فرعية من المتأخرين «الصين وفيتنام نموذجاً» الذين طوّروا قدرة تدخل الدولة وحجم الصناعة الكلية لديهم، بينما واصلت آليات الاحتكار المنهجي «السلع الرأسمالية، الملكية الفكرية، التمويل، المعايير» عرقلة تصنيع واسع القاعدة عبر معظم اقتصادات أفريقيا وأمريكا اللاتينية، وأجزاء من جنوب آسيا.

________result

أهم تحوّل بنيوي في العقد الأخير، هو انتقال الوزن الصناعي العالمي نحو آسيا، ولا سيما الصين، وبدرجة أقل، ولكن متصاعدة الهند ورابطة آسيان. تفيد اليونيدو بأن حصص أكبر 10 بلدان من القيمة الزائدة الصناعية العالمية في 2024 «وفق الإحصاءات المنشورة في 2025» تشمل الصين «32.0%»، وأمريكا «15.0%»، واليابان «6.3%»، وألمانيا «4.6%»، والهند «3.3%»، مع بلوغ جمهورية كوريا 3.3% أيضاً.
وتؤكد اليونيدو مركزية آسيا وأوقيانوسيا بنيوياً: فمنذ 2015 أسهمت المنطقة بأكثر من نصف القيمة الزائدة الصناعية العالمية، لتصل إلى 57.2% في 2024، واستحوذت على 47.2% من صادرات السلع المصنّعة العالمية في العام نفسه. هذا اختراق كبير لأنماط الاحتكار السابقة: إذ باتت حصة متزايدة من القدرة التصنيعية العالمية خارج النواة الأطلسية التقليدية.
هناك نقطة ماركسية أساسية، كثيراً ما تُغفَل في التحليلات التجارية: يتطلّب الارتقاء الصناعي عادةً معدلات استثمار مرتفعة مستدامة، وتنظيماً اجتماعياً للتعلّم. لذا فإن الاقتصاديين غير التقليديين الذين يركزون على قدرة الدولة والاستثمار المُوَجَّه بالمهام، يتكاملون تحليلياً مع الاقتصاديين السياسيين الماركسيين في هذه النقطة: إذ يوضّحون كيف تستطيع الدول
مواجهة التراتبيات التكنولوجية المُحتكَرة منهجياً، أو الإفلات الجزئي منها.
تُجادل ماريانا مازوكاتو بأن الدول أدّت تاريخياً أدواراً ريادية في الابتكار، متحمّلة المخاطر ومشكِّلة للأسواق لا مجرد مصحّحة لفشلها. ويؤكد رودريك عودة السياسة الصناعية كأجندة، تعكس اقتصاداً سياسياً للإنتاج والوظائف والمرونة، معتمدةً على التصميم والانضباط المؤسسي.


ثغرة في الجدار: القفز فوق الاحتكارات الغربية


تجريبياً، تُظهر استراتيجية الهند الأخيرة محاولات ترقية تقودها الدولة ضمن قيود معاصرة. فبرنامج الحوافز المرتبط بالإنتاج يمثّل أداة سياسة صناعية واسعة النطاق، نمطية، لكن ذات تأثير كبير. وفق الاتصالات الحكومية، تلقّت مخططاته مخصّصات كبيرة متعددة القطاعات. تفيد رويترز، بأن الهند صرفت نحو 1.02 مليار دولار حوافز، واجتذب البرنامج أكثر من 13 مليار دولار استثماراً خاصاً حتى نيسان 2024، مع بلوغ صادرات الهواتف المحمولة رقماً قياسياً قدره 15 مليار دولار في السنة المالية المنتهية في 31 آذار.
يُعدّ اختراق الصين لقطاع
الصناعات التحويلية أكثر شموليةً، لأنه يجمع بين الحجم الكبير، وكثافة الاستثمار، وبنية الموردين المتكاملة، والتطوير المستمر عبر الصناعات المعقدة، بما في ذلك السلع الرأسمالية. وتكتسب أهميةً خاصة، أدلة صندوق النقد الدولي بشأن تجارة السلع الرأسمالية «صعود الصين إلى 18% من صادرات السلع الرأسمالية العالمية بحلول عام 2017 بحسب بيانات صندوق النقد الدولي الأخيرة في هذا الخصوص»، لأنها لا تشير فقط إلى نجاح التجميع، بل إلى حضورٍ متنامٍ في القطاعات كثيفة الأدوات والآلات، التي دعمت تاريخياً احتكار الغرب الأساسي.

الأمر الأهم، أنّ صعود الصين لم يكن ذروة مؤقتة أو لحظة انتقالية، بل مرحلة ترسيخ. رغم عدم وجود بيانات مباشرة كالمنشورة من قبل صندوق النقد الدولي في 2017، يمكننا أن نستنتج من جمع البيانات المتعددة المتاحة، أنّه مع نهاية عام 2023 و2024 بقيت حصة الصين من صادرات السلع الرأسمالية العالمية في حدود 16-18%، بينما تحوّل موقعها النوعي ضمن هذه الصادرات بشكلٍ حاسم نحو الآلات والمعدات الكهربائية وأنظمة مصانع المعالجة ذات التعقيد الأعلى.
ينعكس هذا في إجمالي قيم التجارة، وكذلك في تغيّر العلاقات بين الدول الأساسية: فقد تحولت ألمانيا، التي لطالما كانت المصدّر النموذجي للسلع الرأسمالية حول العالم، إلى عجز تجاري في السلع الرأسمالية مع الصين منذ عام 2023! ممّا يشير إلى أن المنتجين الصينيين لم يعودوا محصورين في قطاعات هامشية أو متدنية الجودة، بل أصبحوا أكثر قدرة على المنافسة ضمن القطاعات نفسها، التي كانت تُشكل ركيزة الميزة الهيكلية للصناعة في المركز الرأسمالي، والأهم، أنّها الركيزة التي قام عليها الاحتكار الغربي برمته. بهذا المعنى، تُظهر فترة ما بعد عام 2017 أن تقدم الصين تطوير مستدام يُقوّض بشكل مباشر الاحتكار التاريخي لوسائل الإنتاج المتقدمة.

تُعدّ القدرة الابتكارية محدِّداً حاسماً لتحوّل الاختراق من ظرفي إلى بنيوي. تُظهر تقارير منظمة التعاون والتنمية أن إنفاق الصين على البحث والتطوير نما بنسبة 8.7% في 2023، متجاوزاً نمو أمريكا «1.7%» والاتحاد الأوروبي «1.6%»، ما يدل على استمرار توسّع قاعدة إنتاج المعرفة في الصين. وتشير تقارير المؤسسة الوطنية الأمريكية للعلوم إلى أن الصين بلغت نحو 811.9 مليار دولار من الإنفاق على البحث والتطوير المحلي منذ 2022، محتلةً المرتبة الثانية عالمياً في ذلك الوقت. أرقام البحث والتطوير هامّة لأنّ التحكم في العلم والتكنولوجيا يعني السعي لاكتمال التحكّم في إنتاج فائض القيمة النسبي، ومنع المركز الرأسمالي من الاستمرار في انتزاع الريوع الاحتكارية عبر ملكية الشروط الفكرية والتقنية للإنتاج.


إعادة إنتاج الاحتكار


الاختراقات في جدار الاحتكار الغربي مُثبتة إذاً. لكن هل خسر الغرب الهيمنة، أم أنّه انتقل بها إلى مرحلة أكثر تعقيداً عبر إعادة إنتاج السيطرة على التكنولوجيا الفائقة؟ في الواقع، وفي مجالات عديدة، انتقل المركز الصناعي من الهيمنة عبر الحصة التصنيعية الصِرفة إلى الهيمنة عبر الريعية والمعايير والتحكم بالاختناقات المفتاحية والقدرة المالية، مع بقاء قوة معتبرة في مقاطع صناعية متقدمة.
العامل المساعد الأكبر للاحتكار، ورغم تكرار الأمر، هو الدولار وهيمنته كعملة تساعد على الاستحواذ على جزء من أي عملية خلق قيمة زائدة حول العالم. ما تزال الهيمنة النقدية الأمريكية كبيرة. إذ تفيد إحصاءات صندوق النقد الدولي الصادرة في تشرين الأول 2025 بأن الدولار لا يزال، رغم التراجع، يشكّل قرابة 56.32% من الاحتياطيات الرسمية العالمية في الربع الثاني من عام 2025، متقدماً بفارق كبير رغم تراجعه عن ذُرى أوائل الألفية. وفي أسواق الصرف الأجنبي- المحورية للسيولة العالمية وتسعير المخاطر-يفيد بنك التسويات الدولية بأن الدولار كان طرفاً في 89.2% من جميع صفقات الصرف في نيسان 2025.
هذه التراتبية النقدية ليست تفصيلاً يمكن القفز عنه عند الحديث عن الاحتكارات، فهي تنظّم تكاليف التمويل العالمية، ونقل الأزمات، وقوة التفاوض للدول والشركات، ما يضع عائقاً أمام وصول المتأخرين إلى رأس المال، ويحولها إلى عملية طويل الأجل للترقية الصناعية، ويعمّق الاعتماد على التمويل الخارجي في فترات الانكماش.

لا تقتصر شروط إعادة إنتاج الاحتكار على هيمنة الدولار بالتأكيد، يبيّن التحليل أن الاحتكار في الرأسمالية المتقدمة لم يختفِ مع عولمة الإنتاج، بل تتم إعادة إنتاجه عبر أنظمة الملكية الفكرية، والمنصّات الرقمية، والاختناقات التكنولوجية الجديدة. فحقوق الملكية الفكرية كمثال، حوّلت المعرفة من منفعة اجتماعية قابلة للتشارك إلى مصدر ريع قانوني، ما يسمح لدول المركز وشركاتها باستخراج القيمة عبر الإتاوات والمعايير حتى مع انتقال التصنيع مادياً إلى الخارج.
في الاقتصاد الرقمي، مكّنت المنصّات الكبرى واحتكاراتها الرقمية إلى تركيز هائل في الاستحواذ على القيمة، حيث تُعاد صياغة الأسواق كبنى تحتية للاستخراج الريعي عبر السيطرة على البيانات والشبكات والبرمجيات. أما في القطاعات التكنولوجية المتقدمة، مثل: أشباه الموصلات، والذكاء الاصطناعي، فقد انتقل الاحتكار إلى «نقاط اختناق» حاسمة: أدوات التصميم، الملكية الفكرية الأساسية، معدات الطباعة المتقدمة، والمعايير التي تتيح التحكم بإيقاع التراكم ونشر الإنتاجية.
على الرغم من أن صعود الصين، وبقيّة الاقتصادات الصاعدة، قد فتح ثغرةً حقيقية وكبيرة في الاحتكار الصناعي التاريخي الذي مارسته النواة الغربية، بحيث لم تعد دول المركز قادرة على الادعاء بالسيطرة التامة على وسائل الإنتاج المتقدمة، أو مسارات التصنيع العالمي، فإن هذا الاختراق لم يُنهِ منطق الهيمنة بل دفعه إلى التحوّل. فقد أعاد المركز الإمبريالي تشكيل احتكاره عبر الأمولة، والتراتب النقدي، والريوع التكنولوجية، والتحكم بالمعايير، والاختناقات المفصلية في التكنولوجيا والمعرفة. وعليه، فإن العالم لا يشهد خروجاً من الاحتكار، بل انتقالاً من احتكار غربي موحّد إلى احتكارات متنازَع عليها، موزّعة بين كتل وقمم تكنولوجية متنافسة. هذه اللحظة التاريخية تدل على أن معركة كسر الاحتكار قد بدأت فعلاً، وأن قدرة دول المركز على فرض سيطرة شاملة قد تراجعت بوضوح، لكنها في الوقت ذاته تذكّر بأن الصراع لم يُحسم بعد، وأن المركز ما يزال يمتلك أدوات متعددة لإعادة إنتاج الاحتكار وتركيزه بصيغ جديدة، تجعل مسألة التحرر من الهيمنة مساراً مفتوحاً، لا نتيجة مُنجزة.

معلومات إضافية

العدد رقم:
1263