الطبقة السياسية الألمانية ضدّ شعبها وتسعى إلى دمار أوروبا
ماثيو د. روز ماثيو د. روز

الطبقة السياسية الألمانية ضدّ شعبها وتسعى إلى دمار أوروبا

في 22 آذار، كان هناك استطلاعان غير متوقعَين قدمتهما هيئة الإذاعة والتلفزيون الألمانية الحكومية ZDF. سألوا الألمان عما إذا كان «العمل العسكري (الإسرائيلي) في قطاع غزة مبرراً على الرغم من سقوط العديد من الضحايا المدنيين». 69% قالوا لا، 18% أجابوا نعم، و13% ليس لديهم موقف.

ترجمة: قاسيون

هذا أمرٌ مثير للدهشة، لأنّ الأحزاب والمؤسسات السياسية التقليدية في ألمانيا خلقت خطاباً متعصباً مؤيداً «لإسرائيل»، والذي تحوّل إلى أداة للاستبداد وكراهية الأجانب. هناك خوف واضح في مختلف أنحاء المجتمع الألماني من التلفظ علناً بأي شيء ينتقد «إسرائيل» ــ وهو الخوف الذي يبرره عدد الحالات التي فقد فيها الأشخاص وظائفهم أو تعاقداتهم بسبب ذلك. ويصدق القول ذاته على دعم ألمانيا لحرب الناتو بالوكالة في أوكرانيا. لذلك كانت نتيجة الاستطلاع الثاني الذي أجرته ZDF مفاجئة بالقدر ذاته: «هل ينبغي على ألمانيا تزويد أوكرانيا بصواريخ كروز توروس؟» 34% قالوا نعم، 59% لا. وفي استطلاع موازٍ أجرته قناة ألمانية خاصة جاءت النتائج: 28٪ نعم مقابل 66٪ لا.
أكدت القناتان أنّ ناخبي حزب الخضر فقط هم الذين أيدوا بأغلبية إرسال صواريخ توروس إلى أوكرانيا. لقد تحول حزب الخُضر، الذي انبثق عن حركات السلام والبيئة الألمانية، إلى حزب شهوة الدم الألمانية. يبدو أن هذه الاستطلاعات تؤكد أنّ الحرب في أوكرانيا والإبادة الجماعية التي ترتكبها «إسرائيل» في غزة تحركهما النخب السياسية في الدول الغربية والغوبلزيين «نسبة إلى غوبلز وزير الدعاية النازي» في وسائل الإعلام الرئيسية، وليس الشعب.
إن جبن المؤسسات الاجتماعية الألمانية هو الذي يذهلنا. لم يتم رفع أي صوت احتجاج كبير ضد هذه الحروب والإبادة الجماعية. بدلاً من ذلك، أصبح العديد منهم جهات مساعدة في إنفاذ السياسات الحكومية ومنفذيها. لم تعارضهم أية كنيسة مسيحية، لا البروتستانتية ولا الكاثوليكية الرومانية. ومثلهم المؤسسات الفكرية والسياسية: الجامعات، والنقابات، والمعاهد، والمنظمات غير الحكومية، ومؤسسات الفنون. بالنسبة للعديد من الأكاديميين والفنانين الأجانب، فإنّ عهد الإرهاب الفكري هذا الذي فرضه «الألمان الصالحون» كان بمثابة الصدمة، وربما أشبه باكتشاف أنّ كاهن الرعية المحبوب للغاية هو مغتصب للأطفال!
لا يحتاج المرء إلى أن يكون عالماً سياسياً لكي يتعرف على الأسباب التي تجعل الأحزاب السياسية الألمانية التقليدية على استعداد للدوس على الحقوق الديمقراطية الأساسية، ولمَاذا لا تنتفض المؤسسات المدنية في مواجهة هذه الأحداث. فنحن نشهد الدولة الليبرالية الاستبدادية وهي تستعرض عضلاتها إلى درجة لم نشهدها في ألمانيا منذ الرايخ الثالث.
وليس الائتلاف الحاكم الألماني الحالي وحده، الذي بالكاد يحظى بدعم ثلث الناخبين، بل كل الأحزاب السياسية التقليدية تدرك أنها تقف وظهورها إلى الحائط. وقد أصبح التدهور في دعمهم بين مواطنيهم واضحاً بعد الانتخابات العامة الأخيرة واستمر منذ ذلك الحين. ومع ذلك، ليس لديهم أي نية للتعامل مع حالة عدم الرضا التي تزعج معظم المجتمع الألماني بسبب تزايد عدم المساواة وانعدام الأمن الاقتصادي. وبدلاً من ذلك، يتم الترويج للحروب وكراهية الأجانب ضد روسيا والفلسطينيين كبديل للتغيير الاجتماعي. ويأملون أن يتم التغاضي عن الفوارق بين الأغنياء والفقراء ــ وهي الفجوة التي تتسع ــ إذا اجتمع الألمان في حملة كراهية ضد روسيا والآن ضد الفلسطينيين. أصبح من المعروف الأسبوع الماضي أن عدد الأطفال الذين يعيشون في فقر في ألمانيا قد وصل إلى مستوى قياسي. إنّ الطبقة السياسية في ألمانيا تحترم رفاهية شعبها بقدر ما تبديه من احترام لأطفال غزة.
إنّ الطبقة السياسية الحالية في ألمانيا تدير الوضع الراهن، ولا تحكم الأمة. وأحزاب الائتلاف الحاكم ليسوا أكثر من مجموعات مصالح، معنية ليس بتطوير السياسات، بل بالحصول على تنازلات للمصالح الخاصة التي يمثلونها، وهو الأمر الذي لم يمر دون تقدير من قبل مؤيديهم؛ النخبة الحضرية.
لكن ماذا عن هذه الأغلبية التي تعارض المغامرات العسكرية؟ قبل عشرين عاماً، أثناء ائتلاف الديمقراطيين الاشتراكيين والخضر، تخلّت هذه الطبقة السياسية نفسها عن الطبقة العاملة وحرمتها من حقوقها مفترضة بأنّهم سييأسون ببساطة من النظام السياسي ويتوقفون عن التصويت، وهو ما كان عليه الحال لفترة طويلة. مع مرور الوقت، ازداد نقل الثروة إلى الأغنياء. وكذلك زحف الحرمان الاقتصادي إلى الطبقات الاقتصادية الأعلى. كانت المحاولة المشؤومة الأخيرة لفرض ضرائب على المزارعين للمساعدة في تغطية العجز المالي للحكومة هي أحدث مثال على ذلك.
سوف يتساءل كثيرون، ماذا حدث لكل هؤلاء «الألمان الطيبين» الذين روّجوا لديمقراطية ليبرالية عادلة اجتماعياً؟ لقد أدى سلوك الإبادة الجماعية الذي ارتكبته «إسرائيل» في غزة إلى إنهاء هذه المفاهيم. وكما كان الحال في الماضي، فإن «صلاحهم» مرادف لعدم الفعالية. كان نجمهم المُعلن هو «لن يتكرر هذا أبداً». إنّهم يتجاهلون مرة أخرى هذا الواقع وهو الإبادة الجماعية التي ارتكبتها «إسرائيل» وتسهّلها ألمانيا في فلسطين. عندما ينهار بيتهم الأيديولوجي، فسوف يزعمون، كما فعلوا قبل ما يقرب من ثمانين عاماً، أنّهم لم يعرفوا ما كان يحدث حقاً، ويعتبرون أنفسهم ضحايا.
بدأت الطبقة السياسية الألمانية تدرك ببطء أنها تقف مرة أخرى في الجانب الخطأ من التاريخ. إن الحملة الصليبية المناهضة لروسيا تتحول إلى كارثة شبيهة «بمعركة الجليد» منذ ما يقرب من ألف عام. وبعد انسحاب الولايات المتحدة من الحرب، تُركت ألمانيا باعتبارها الدعامة الأساسية لدولة مفلسة وفاسدة ومعادية للديمقراطية، ناهيك عن كونها دولة محبطة عسكرياً ذات تيار فاشي قوي.
في 8 و9 من نيسان، ستستمع محكمة العدل الدولية إلى قضية نيكاراغوا ضد ألمانيا فيما يتعلق بانتهاك التزاماتها بموجب اتفاقية الإبادة الجماعية لعام 1948 وغيرها من «مبادئ القانون الإنساني الدولي غير القابلة للانتهاك»، بما في ذلك اتفاقية جنيف الرابعة. من المرجح أن تضع محكمة العدل الدولية، التي يبدو أنها مهتمة باحتواء الضرر الذي قد يلحق بمصداقيتها وبسمعة الغرب، الخط الفاصل هنا. وإذا اتخذوا قراراً ضدّ ألمانيا، فسيتم فتح الباب على مصراعيه فيما يتعلق بقضايا أخرى مماثلة ضد دول غربية أخرى. وهذه ليست الطريقة التي يرغب الألمان «الصالحون» في أن يُنظر إليهم بها. وكان قرارهم باعتبارها الدولة الوحيدة في العالم التي تتدخل نيابة عن «إسرائيل» في محكمة العدل الدولية مجرد مثال آخر على غطرستهم الحالية.
تتمتع ألمانيا بتقليد طويل من جرائم الحرب والإبادة الجماعية، ولكن لسوء الحظ لا يوجد شيء في الدبلوماسية. وعلى الرغم من شهرتها بالبراعة العسكرية، فإنها لم تنتصر في أي حرب منذ عام 1871، إذا لم نحسب عمليات الإبادة الجماعية الاستعمارية التي ارتكبتها في ناميبيا وتنزانيا. ومع تصاعد الحرب في أوكرانيا والإبادة الجماعية «الإسرائيلية» في فلسطين نحو الكارثة، فإنّ الألمان لا يعودون إلى العقل أو يفكرون في استخدام الدبلوماسية، وبدلاً من ذلك يزيدون من القمع في الداخل ضد المعارضة السياسية.
والسؤال هو: هل ستدفع ألمانيا بقية أوروبا إلى حالة من الدمار والفوضى؟ من يدعم الإبادة الجماعية فقد بوصلته الأخلاقية. وفي ظل التهديد الذي نواجهه بخسارة السلطة، لا يسعنا إلا أن ننظر بقلق إلى أين تقودنا الديمقراطية الليبرالية الاستبدادية الأوروبية، بقيادة ألمانيا المهيمنة.

معلومات إضافية

العدد رقم:
1169
آخر تعديل على الإثنين, 08 نيسان/أبريل 2024 12:40