هل اليابان مستعدة لقطع رقبتها تضحية للولايات المتحدة؟
سينثيا تشونغ سينثيا تشونغ

هل اليابان مستعدة لقطع رقبتها تضحية للولايات المتحدة؟

لا يتطلب الاقتصاد الياباني نبياً أو كرة بلورية لإخبارك بما ينتظره في المستقبل القريب جداً، لقد أصبح الاقتصاد الياباني القنبلة الموقوتة للاقتصاد العالمي. والغريب أنّ كلّ الرعد الإعلامي لتنبؤات «الخبراء المزعومين» بشأن سقوط الاقتصاد الصيني الذي استمرّ منذ ما يقرب عقداً من الزمن، قد فاتهم الحديث عن التحليل الحقيقي وليس الأماني، التحليل المرتبط بالقنبلة الموقوتة: اليابان.

ترجمة: قاسيون

في التقرير الصادر في تشرين أول العام الماضي جاء: «تخطى ضعف الين مقابل الدولار أدنى مرحلة له منذ 32 عام مع اتساع الهوة بين بنك اليابان المركزي والاحتياطي الفدرالي الأمريكي... رفع الفدرالي سعر الفائدة عدّة مرات لمجابهة التضخم، بينما أبقى بنك اليابان على سياسته النقدية شديدة المرونة لدعم الاقتصاد».
دفعت سياسات الاحتياطي الفدرالي النقدية المفترسة، إلى جانب بقاء التوقعات بالتضخم، عائد سندات الخزانة الأمريكية القياسي إلى 4٪. في هذه الأثناء يواصل بنك اليابان المركزي الإبقاء على عائد السندات الحكومية اليابانية لتكون قريبة من الصفر. هذه الفجوة في العائد تدفع المستثمرين للاستثمار بالدولار بدلاً من الين، ما يمارس ضغطاً هبوطياً قوياً على قيمة العملة اليابانية.
قرر بنك اليابان الحفاظ على سياسته شديدة المرونة، وحذر حاكمه من مخاطر الهبوط على الاقتصاد وأشار إلى استعداده لقبول ضعف الين. بحلول منتصف تشرين الثاني أفادت التقارير بأنّ الاقتصاد الياباني انكمش للمرة الأولى خلال أربعة أرباع، والتضخم وضعف الين ضرب البلاد. أشار الحاكم إلى أنّ اليابان قد عانت من قوة الين المفرطة، وأشار إلى أنّ تأثيرات الضعف المفرط للعملة يمكن تحملها أكثر من عملة قوية.
وضعت هذه السياسات ضغطاً على بنك اليابان، حيث ازدادت أسعار الغذاء بنسبة 3,6٪، فأعاد حاكم البنك المركزي التأكيد بأنّ البنك سيستمر بالتسهيل النقدي بهدف دعم الاقتصاد الياباني وبالتالي تحقيق هدف الاستقرار إعادة التضخم إلى 2٪، مصحوباً بزيادة في الأجور. لكن كما علّق المحلل أليكس كرينر: «إن استحضرت كميات غير محدودة من العملة لاستثمار الدين الحكومي الجامح، وحافظت على أسعار الفائدة منخفضة دون مستويات السوق، فمن المؤكد أنك ستفجّر العملة».
لكنّ كلّ هذا وما يتبعه من تهاوٍ للاقتصاد الياباني مرتبط باجتماع «اللجنة الثلاثية» في طوكيو في تشرين الثاني الماضي. واللجنة الثلاثية هي هيئة غير حكومية تمّ تشكيلها في 1973 من قبل دافيد روكفيلر وبرجنسكي ومجموعة من المصرفيين الأمريكيين والأوروبيين واليابانيين وعدد من المسؤولين العامين. مهمة اللجنة تعزيز التعاون الوثيق بين الدول التي شكلت هيكل الإمبراطورية الغربية القائم على ثلاثة أعمدة.
كان الهدف هو ببساطة العمل على «تفكيك الاقتصادات المنافسة» كإيديولوجيا رئيسية للمجموعة، ولكن كما هو واضح اليوم فإنّ على المشاركين فيها أن يتوقفوا عن كونهم ساذجين ويعلموا بأنّ اللجنة اليوم هدفها تفكيك اقتصاداتهم هم لصالح إدامة سيادة سيد الإمبراطورية. كان اجتماع الثلاثية نهاية العام الماضي هو الأول الذي يسمح بحضور الإعلام، ليبدأ الاجتماع بكلمة السفير الأمريكي لليابان: «الديمقراطية ضدّ الاستبداد... ستشهدون بأنّ هذا العام هو نقطة انعطاف في نجاح الديمقراطية»، ومن المثير للاهتمام أن المبعوثين الآسيويين لم يكونوا سعداء.
نقلت مؤسسة نيكاي التي حضرت الاجتماع بصفتها الإعلامية: «لقد تمت دعوة الإعلام ليشهدوا بداية التصدع الذي قد ينشأ بين آسيا والأجزاء الأخرى من المنظمة. قال ماساهيسا إيكيدا، عضو في اللجنة التنفيذية للجنة الثلاثة: نشعر أنّ السياسة الأمريكية تجاه آسيا، خاصة تجاه الصين، كانت ضيقة الأفق وغير مثمرة. نريد من الشعب في الولايات المتحدة أن يدرك وجهات النظر المختلفة في آسيا».
لم يعجب الحديث الأمريكي الجميع، فكما علّق أحد المسؤولين اليابانيين السابقين الذي كان حاضراً: «ما الذي يقوله السفير.. علينا أن ننخرط مع الصين. إن أجبرنا الدول على اتخاذ جانب، فدول جنوب شرقي آسيا ستختار الصين. المفتاح الرئيسي في عدم إجبارهم على الاختيار». مسؤول مالي ياباني آخر كان حاضراً وقال: «أشعر بالإحراج والإحباط لأرى عدم إشراك الصين»، ليعزز مسؤول فيلبيني كلامه بالقول: «ما النفع من الحديث عن آسيا دون مشاركة أكبر دولة إقليمية فيها؟».
التضحية في اليابان
على مذبح «التجارة الحرة»
بحلول الثمانينيات من القرن الماضي، كانت اليابان ثاني أكبر اقتصاد في العالم بعد الولايات المتحدة، وكانت رائدة تصنيع منتجات تكنولوجيا الاستهلاك لصالح الغرب، بمن فيهم الولايات المتحدة. كانت اليابان قادرة بسبب استثمارها في أدوات الأتمتة على الإنتاج أسرع وأرخص من الولايات المتحدة التي كانت متفوقة في النوعية.
وبعد أحداث طويلة خسرت فيها الشركات الأمريكية، وعلى رأسها انتل، المنافسة مع اليابانيين، فرضت الإدارة الأمريكية في 1987 رسوماً جمركية بقيمة 100٪ على بضائع يابانية بقيمة 300 مليون دولار، إضافة إلى اتفاقية بلازا 1985 التي أعادت تقييم الين الياباني، واتفاقية أشباه الموصلات التي منحت أسواق الذواكر الأمريكية دفعة إضافية كانت بحاجة إليها. كانت الاتفاقية، والتي شملت إضافة إلى الولايات المتحدة واليابان ألمانيا وفرنسا وبريطانيا، وأدّت إلى تخفيض قيمة الدولار الأمريكي ضدّ الين الياباني والفرانك الألماني لتعزيز قدرات التنافس والصادرات الأمريكية. كانت اليابان مجبرة على الدخول في اتفاقية بلازا كي تتجنب فرض رسوم جمركية عليها والاستمرار بالسماح لها بالدخول إلى السوق الأمريكية.
أدّى رفع قيمة الين إلى إدخال الصناعة اليابانية في الركود، وكاستجابة قام بنك اليابان المركزي بتسهيل سياسات الإقراض لديه وتخفيض سعر الفائدة. وكما هو المتوقع، كان يجب توجيه هذه الأموال الرخيصة إلى الاستثمارات المنتجة، ولكن بدلاً من ذلك ذهبت إلى المضاربة على الأسهم والعقارات والأصول. أدّى هذا إلى أنّ اليابان التي يشكل حجمها 1/26 من حجم الولايات المتحدة، قيمة الأراضي فيها أكبر بأربعة أضعاف. إنّ قيمة حيّ 23 في طوكيو يفوق قيمة كامل أحياء كندا.
توالت المشكلات الاقتصادية في اليابان، ومعها التغييرات لملائمة السوق الأمريكية، وصولاً إلى 2001 حين تمّت عمليات تغيير هيكلي برعاية البنك المركزي الياباني الذي تحوّل لمؤسسة مستقلة في 1998.
كانت السياسة اليابانية في وقته: افعل أيّ شيء ولو كان خلق أزمة من أجل التغيير الهيكلي. تمّ بثّ رسالة أن لا نمو اقتصادياً دون إصلاح هيكلي بجميع الوسائل من أجل التمهيد لنقل الاقتصاد الياباني ليصبح مماثلاً ومناسباً كلياً للاقتصاد الأمريكي. نقلت المراكز الاقتصادية من البنوك إلى أسواق الأسهم. لإغراء المودعين بسحب أموالهم من البنوك إلى سوق الأوراق المالية المحفوفة بالمخاطر، قام الإصلاحيون بسحب الضمان عن جميع الودائع المصرفية، مع خلق حوافز ضريبية لاستثمارات الأسهم.
اليوم بات الاقتصاد الياباني بين مطرقة الواقع الاقتصادي الذي قد يجعله ينهار، وسندان التبعية للسوق الأمريكية وللسياسات المالية الأمريكية. وكما قال ريتشارد فيرنر عن الأمريكيين: «لقد نجحوا في جميع الأشياء. إن نظرت إلى قائمة أهدافهم، فقد قاموا بتدمير وزارة المالية، ثم قاموا بتفكيكها، ودفعوا نحو استقلال البنك المركزي عبر تغيير قانون البنك الوطني، وهندسوا تغييرات هيكلية عميقة في الاقتصاد من خلال التحول من التصنيع إلى الخدمات، والانفتاح، وإلغاء الضوابط الرقابية، والتحرير، والخصخصة... حققوا كلّ شيء». إنّ استمرار السيد الأمريكي بتحقيق كلّ شيء يعني دون شك انفجار قنبلة اليابان الموقوتة.

بتصرّف عن:
Is Japan Willing to Cut Its Own Throat in Sacrifice to the U.S. Pivot to Asia?

معلومات إضافية

العدد رقم:
1112
آخر تعديل على الإثنين, 06 آذار/مارس 2023 10:09