لا يمكننا المتابعة في نموذج فاشل

في النهاية، لا يكمن الفارق الرئيسي في المقاربات الاستراتيجية لمعالجة الجوع، بين الاستراتيجيات الأناركية الفوضوية، وبين البرامج السيادية الأخرى. الانقسام في المبدأ هو بين فصيل الليبراليين الذي يتشبّث بالفكرة الخاطئة القائلة بأنّه يمكن إصلاح النظام الغذائي ليخدم الاحتياجات البشرية، وبين الجذريين الذين يصرون على عدم قابلية ذلك للتحقيق.

 

 

لا يحاول معظم صانعي السياسات أن يعالجوا المشكلة حول ما إن كان ينبغي على الغذاء أن يكون سلعةً أم حقّاً. تبنت الأمم المتحدة و«الفاو» استراتيجيات تتجاهل بشكل كلي ضرورات واقع الرأسمالية. إنّهم يشددون على التكنولوجيا والأسواق والسياسة بوصفها دعامات لإعادة توجيه النظام الغذائي ليكون «أكثر عدلاً واستدامةً بيئيةً». يقترحون أن تدعم الشعوب «المزارع أو الأسواق المحلية، وخيارات الغذاء المستدام»، إلى جانب «استعمال سلطتك كمستهلك وكناخب»، وكلّ تلك الأفعال الفردية التي تصل إلى القول المبتذل: «صوّت بشوكتك»، أو خذ «هدف المشروع» رقم ثلاثة من مبادرتهم المسماة «أنقذوا الطعام»: «زيادة اعتماد الممارسات الجيدة لتقليل خسارة الغذاء في سلاسل القيمة المحددة. ستقوم بذلك عن طريق توفير منصّة لأجل مركزة ومشاركة المعلومات وتطوير التحليل وإنشاء آلياåت التنسيق اللازمة ودعم بناء قدرات تخفيض هدر الغذاء ورميه».

منظمات غذاء اشتراكية؟

ليس هنالك اعتراف بأنّ بنية نظام الغذاء نفسها هي من تنتج المشكلة ذاتها التي يدّعي حلّها. وبأخذ منافاة نظام الغذاء الحالي للعقل في الاعتبار، فهذا أمر خاطئ. أظهرت الحركات مثل «الفريغانية» و«الغذاء لا القنابل» هذه اللاعقلانية، ليس داخل النظام الغذائي فحسب، بل أيضاً كيف قادت قرارات سياسة «الحرب أم الطعام» إلى تجويع الناس. فنحن بحاجة للمضي أبعد من ذلك: أن نبدأ ببناء منظمات غذاء اشتراكية قادرة على إنتاج وتوزيع غذاء غير مسلّع.

تصدّرت حركة السيادة الغذائية وصف وتطبيق ما سيكون عليه الأمر. تتضمن الرؤية إعادة دمج النظام الغذائي في حياة المجتمعات المحلية كبديلٍ عن سلاسل التسليع العالمية المستقلة التي نعتمد عليها، والمنعزلين عنها.

نموذجٌ من كوبا

في حين عدم وجود نموذجٍ مثالي بأية حالٍ من الأحوال، فإنّ تنفيذ برنامج السيادة الغذائية في كوبا أثناء «الفترة الخاصّة» أظهر الإمكانات. فقد بات لدى المصانع والمدارس والمشافي والمؤسسات المهمّة الأخرى المنتشرة بكثرة، بساتينها العاملة الخاصّة بها، والقادرة على تأمين منتجات الكافتيريات الخاصّة بها، حيث تملك مجتمعات كبيرة مثل «ألمار» مزارعها الحضرية الخاصّة، بينما تحافظ الشقق الصغيرة على أحواض محاصيل عضوية صغيرة.

تمّ تشكيل التعاونيات في الأراضي ذات حقّ الانتفاع، وفُتحت المساحات لملكية الأراضي الصغيرة. وتمّ التنسيق في كلّ هذا مع حشد من العلماء من مختلف التخصصات العاملة، عبر نظام تشاركي يربط المعارف العلمية العصرية بالمعارف الثقافية البيئية التقليدية. كان الهدف هو الغذاء للاستعمال، كقيمة حيوية تشغّل الجسد، وليس تحقيق الربح. انطلقت كوبا من خلال هذا البرنامج من خفض 30% من الإنتاج اليومي للسعرات الحرارية والبروتين في بداية الأزمة مطلع التسعينيات، إلى ذروة معدلات الإنتاج في 1997، وذلك وفقاً للباحث بيتر روزيت.

تُظهر هذه الأمثلة، بالإضافة إلى العديد من الكفاحات لبناء أنظمة غذاء بديلة، قدرة الابتعاد عن اللاعقلانية الحالية. يمكننا إدخال ضرورات الإنتاج والابتكارات التقنية وفقاً لمنطق إطعام الناس بدلاً من التربّح. يمكننا من خلال ذلك أن نصحح سبب هدر الغذاء الرئيسي. حيث الجوع ليس مصيراً حتمياً، بل يمكننا أن نختار إنهاءه.

 

معلومات إضافية

العدد رقم:
806
(0 أصوات)