أرض الربط الأوراسي.. ما هي خيارات آسيا الوسطى؟
إيغور مالكفا  إيغور مالكفا 

أرض الربط الأوراسي.. ما هي خيارات آسيا الوسطى؟

من المحتمل أن تؤثر «النتيجة المفاجئة» للانتخابات الرئاسية التي جرت مؤخراً في الولايات المتحدة على الطريقة التي تنظر بها بلدان آسيا الوسطى، إلى الولايات المتحدة الأمريكية، لتعود إلى السطح من جديد، التساؤلات لدى شعوب آسيا الوسطى وقادتها حول: ما هي الخيارات الاستراتيجية المتاحة  بافتراض  تنامي المواجهة بين موسكو وواشنطن.

 

أثار فوز المرشح الرئاسي الأمريكي عن «الجمهوري»، دونالد ترامب، في انتخابات الرئاسة الأمريكية جدلاً واسعاً في أوساط «النخبة» في مجتمعات آسيا الوسطى. وينبع هذا الاهتمام، في المقام الأول، من تصريحات ترامب المثيرة للجدل حول العلاقات مع دول المنطقة، ونواياه التي يراها كثيرون بأنها لا تزال مبهمة، وغير محسومة بالنسبة إلى آسيا الوسطى، التي تشكّل عقدة بالغة الأهمية بالنسبة إلى الشريكين الصاعدين عالمياً، روسيا والصين.

     إعداد: رنا مقداد

بعيداً عن التحليلات التي تطال وتركّز على الصفات الشخصية لترامب، اجتذب فوز الأخير قدراً كبيراً من الاهتمام في آسيا الوسطى، ذلك أنه سيكون لرئاسته تأثير دقيق ومهم على العلاقات بين الولايات المتحدة وروسيا. 

وعلى افتراض أنه ازدادت حالة المواجهة بين موسكو وواشنطن بقيادة ترامب، فإن بلدان آسيا الوسطى سوف تتحمل جزءاً من هذا العبء أيضاً. ومن يتابع وسائل الإعلام المحلية في دول آسيا الوسطى، يمكنه أن يلحظ أن المحللين المحليين باتوا يولون أهمية بالغة لهذه المخاطر ويأخذونها في الحسبان.

الواقع والشحن الإعلامي

لا بد من الوقوف قليلاً عند تحليل الانطباعات الشعبية والقيادية لدى دول آسيا الوسطى حول كلٍ من روسيا والولايات المتحدة الأمريكية. وفي الواقع، لا مناص من القول أن مشاعر العداء للدولتين موجودة موضوعياً لدى قطاعات واسعة من شعوب المنطقة، فمن جهة، خلق السلوك الأمريكي الاستعماري في المنطقة، ولا سيما غزو أفغانستان، مشاعر عداء واسعة النطاق ضد واشنطن، ومن جهةٍ أخرى، وإن كانت روسيا لا تتمتع بالسياسة الاستعمارية ذاتها، إلا أن حجم الضخ الدعائي الذي تمارسه وسائل إعلام تابعة لواشنطن، تلعب دوراً كبيراً في خلق المخاوف ومشاعر العداء ضد روسيا. حيث يرى الاستراتيجيون الأمريكيون، أنه لا بد من ضرب صورة روسيا والصين لدى سكان آسيا الوسطى، لما تمثله تلك الأخيرة من أهمية جيوسياسية كبيرة.

وعلاوة على ذلك، فإن المشككين بالسياسة الخارجية في كازاخستان، وهي واحدة من الدول الرئيسية في آسيا الوسطى، يستندون إلى الكم الهائل من التقارير الإعلامية التي تدب الرعب من سياسة روسيا في أوكرانيا، والتي تجهد وسائل الإعلام هذه بتصويرها على أنها «سياسة استعمارية».

مؤخراً، أولى القطب الروسي الصيني الصاعد أهمية كبيرة لتنامي المشاعر المعادية لروسيا والصين في آسيا الوسطى، وكان التعاطي مع هذه المسألة موضوعياً، ولم يستند إلى الإنكار الذي عادة ما تبديه الدول إزاء هذا النوع من المشاكل. ولأن حجم الاتجاهات العدائية إزاء روسيا والصين ليس كبيراً جداً بالنظر إلى الخلفية والروابط التاريخية في المنطقة. اعتمدت روسيا والصين على تعزيز عمليات التحديث في آسيا الوسطى، إلى حدٍ بات يكثر فيه النظر إلى روسيا باعتبارها شريكاً مهماً جداً في المنطقة، والأهم من ذلك، أن الخطر الإرهابي في المنطقة قد ساهم بشكل كبير في تعزيز هذه العلاقات، نظراً إلى الدور البناء لروسيا والصين في تعزيز استقرار أمن آسيا الوسطى.

وبناءً عليه، لم يبقَ أمام وسائل الإعلام الممولة أمريكياً، سوى اللعب على حبل نبش وتشويه واجتزاء الماضي، وتكثيف إنتاج الأفلام الوثائقية المحبوكة والمفبركة حول «السياسة الاستعمارية للإمبراطورية الروسية في القرن التاسع عشر»، و«الدور الروسي في قمع احتجاجات عدة في المنطقة»، أما أكثر الانتاجات رداءة فهي تلك التي تتحدث عن «القمع والتطهير الستاليني»، مع محاولات محمومة للعب على مشاعر السكان القرغيز، والأوزبك، والطاجيك. وليس أمام تلك المحاولات إلا الفشل، والمزيد من الفشل.

ما وراء معاداة الولايات المتحدة؟

في حين تعتبر المشاعر المعادية لروسيا، هي: حصاد للدعاية وتزوير التاريخ، فإن العداء للولايات المتحدة في آسيا الوسطى ذو صلة في المقام الأول بسياسات الولايات المتحدة، بعد انهيار الاتحاد السوفيتي، وبسياساتها الحالية. 

ومع ذلك، فإن الجذور الأولى من العداء للولايات المتحدة في المنطقة، يمكن ملاحظتها منذ عام 1991، وفقاً لفيتشيسلاف كاتاميدزي، وهو خبير روسي مخضرم في الدراسات الشرقية. في عام 1991، أطلقت الولايات المتحدة عملية «عاصفة الصحراء» في العراق، وفي حينه تبيّن جلياً مستوى الكذب الأمريكي، والاتجاه نحو الهيمنة على الصعيد الدولي، واستعباد الشعوب الأخرى.

ومن جهة أخرى، ساهمت الحملة العسكرية التي قامت بها الولايات المتحدة الأمريكية في العراق عام 2003، في ازدياد العداء للولايات المتحدة في آسيا الوسطى: فبينما رحبت السلطات الأوزبكية بهذه العملية، أبدى الشعب الأوزبكي وغيره من شعوب آسيا الوسطى قدراً كبيراً من السخط، ورأوا التدخل باعتباره عملاً من أعمال العدوان الأمريكي.

الظروف تتبدّل..

في الوقت الراهن، يمكننا القول أن معاداة الولايات المتحدة الأمريكية تأخذ بعداً كبيراً، وتنتشر على امتداد دول آسيا الوسطى، أما مشاعر العداء لروسيا فإنها تخبو شيئاً فشيئاً، ذلك أن القرب الجغرافي والجذور التاريخية والمصلحة الاقتصادية المشتركة واتضاح زيف الدعاية الأمريكية، قد صارت عواملاً بيّنة بالنسبة لقطاعات متعددة من شعوب المنطقة، هذا عدا عن أنه ليس لدى واشنطن فعلياً ما تقدمه لقادة وشعوب المنطقة، حيث باتت حساباتها اليوم مقتصرة على إمكانية الخروج من المآزق بأقل تكلفة ممكنة.

ومع ذلك، تحاول اليوم الولايات المتحدة، إقامة حوار مع دول آسيا الوسطى في إطار ما يسمى بمجموعة «الخمسة زائد واحد»، والتي تضم كازاخستان وتركمانستان وطاجيكستان وأوزبكستان وقيرغيزستان، إلا أنه من الواضح أن تعامل هذه الدول مع الولايات المتحدة، لا يعدو كونه استطلاعاً اعتيادياً لما يمكن أن تحمله الولايات المتحدة من جديد.

ما يمكن قوله في نهاية المطاف، هو أن الاتجاه نحو تخفيف المشاعر العدائية لروسيا، وتعميق العلاقات الثنائية مع كل من روسيا والصين، هو اتجاه موضوعي ناتج عن التغير في موازين القوى أصلاً، كما أن المصلحة العميقة للمنطقة في إطار المشروع الأوراسي ومشروع طريق الحرير الصيني الجديد هي ليست شيئاً قابلاً للنكران. ومن الآن، وحتى اكتمال المشهد، علينا مشاهدة سقوط المحللين المحليين اللاهثين خلف واشنطن، الواحد تلو الآخر.

 

معلومات إضافية

العدد رقم:
787
آخر تعديل على السبت, 03 كانون1/ديسمبر 2016 15:46