بيبي إسكوبار بيبي إسكوبار

الغـاز، ثم الغـاز، ثم الغـاز... إيران وأوبرا «بايبلاينستان»

حذار أن تخدعكم أسعار النفط والغاز الطبيعي الرخيصة نسبياً في الوقت الحاضر. فاللعبة الجديدة الكبرى في القرن الواحد والعشرين، تدور حول الطاقة دوماً، وهي جارية الآن على رقعة شطرنج ضخمة اسمها أوراسيا. تؤطر خاناتها شبكات أنابيب تعبر أراضي مصادر نفط الكوكب كله، ولنسمّها «بايبلاينستان» (أي أرض خطوط الأنابيب). يمكن متابعة اللعبة كسلسلة أفلام إثارة ورعب سياسي حقيقي.

ترجمة وإعداد: موفق إسماعيل

الفيلم الحالي المعروض في بلجيكا عنوانه «عندما يجتمع الناتو وبايبلاينستان». ورغم أنه لا يتصدر عناوين الأخبار، إلا أن كل اجتماع للناتو يشهد مناورات واشنطن من أجل توريط الأوروبيين المترددين في بيزنس حماية «بايبلاينستان» أكثر، مثلما حدث ويحدث حالياً في أفغانستان، حيث يفترض مرور خط «TAPI» الذي لم يُمدّ بعد من تركمانستان إلى باكستان والهند. ومثلما يوشك أن يحدث على حدود أوروبا أيضاً، كرمى لخطوط أنابيب  لم تُعمَّر بعد.
بشكل عام يصوغ الحصة الأوروبية من «بايبلاينستان» ويحددها خطان: خط أنابيب «نابوكو» الذي تدعمه الولايات المتحدة الأمريكية، في مواجهة خط أنابيب «ساوث ستريم» الذي تقف خلفه روسيا.

الالتفاف حول الخطوط

القضية من حيث الأساس، أن الغرب يحاول مجدداً الالتفاف على روسيا، في مجال الطاقة هذه المرة. ليكمن احتمال اندلاع «حرب سائلة» لا رادّ لها، خلف ودّية الاتفاقات المعقودة بين الاتحاد الأوروبي وروسيا. ولا عجب في أن مندوب الأمانة العامة لحلف شمال الأطلسي، روبرت سيمونز، قضى السنوات القليلة الماضية يقيس الأميال طائراً في سماء آسيا الوسطى جيئة وذهاباً، فضمان نجاح عملية الالتفاف يقتضي من أوروبا إدخال يدها في مصادر طاقة آسيا الوسطى، الأمر السهل من حيث التفكير به، ولكن العصي على التنفيذ، كما تبين.
لذا يعلق الاتحاد الأوروبي والولايات المتحدة آمالهم على خط أنابيب بطول 3300 كيلومتر، وكلفة 10.7 مليار دولار، يسمونه «نابوكو». بدأ التخطيط لإنشائه منذ عام 2004، وإذا سارت الأمور حسب المخطط (ومن الممكن ألا تسير) يتوقع المباشرة بإنشائه في عام 2010. فإذا كنت أطلسياً متفائلاً، فلتأمل بتدفق الغاز الطبيعي عبر «نابوكو» في عام 2015، من بحر قزوين وربما من إيران (دون الحصار الأمريكي المعهود)، إلى «ارزوروم» التركية، ومنها إلى النمسا عن طريق بلغاريا ورومانيا وهنغاريا.
لكن، هل على خط أنابيب أن ينقذ أوروبا فيردي؟ طبعاً، لا يُبنى مسرح أوبرا الغاز بتشبيك الأنابيب، بل بالسياسة والضرورات الاستراتيجية. لذلك، في أوروبا الشرقية مثلاً، لا يُنظر إلى «نابوكو» على أنه مشروع طاقيّ أو اقتصادي أوروبي، بل باعتبار أنه مخلوق أمريكي، مثل خط أنابيب باكو-تبليسي-سيهان (BTC) الممتد من أذربيجان إلى تركيا، والذي تابعه بيل كلينتون وطاقمه بنشاط في التسعينيات، وانتهى العمل به في عام 2005. وبالنسبة لأولئك الذين ما صدّقوا يوماً أن الحرب الباردة قد انتهت، بمن فيهم أوروبا الشرقية، ها هو «الغرب الطيب» برفقة كورال وفرة الطاقة المنضبط، مرة أخرى يقف في مواجهة الشيوعيين... عفواً، نقصد الروس.

بازار «غاز بلا حدود»

أما ردّ روسيا على «نابوكو» فهو مدّ خط أنابيب «ساوث ستريم» المقرر إنهاؤه في عام 2015 أيضاً، بطول 1200 كيلومتر، وكلفة 15 مليار دولار؛ لنقل غاز سيبيريا الطبيعي من روسيا إلى بلغاريا، عابراً أعماق البحر الأسود. ومن بلغاريا يتفرع الخط إلى فرعين، يتجه الأول جنوباً، عبر اليونان حتى جنوب إيطاليا، بينما يتجه الثاني شمالاً عبر صربيا وهنغاريا وصولاً إلى شمال إيطاليا.
ويضاف إلى الرقعة خط أنابيب «نورد ستريم»، بكلفة 9.1 مليار دولار، الذي سيتلوى قريباً من غرب روسيا، عبر قاع بحر البلطيق، إلى ألمانيا التي تستورد من روسيا 41.5% من حاجتها من الغاز. مع العلم أن شركة «غازبروم» الروسية العملاقة تملك 51% من أسهم الخط؛ وتملك بقية الأسهم شركات ألمانية وهولندية، يرأس مجلس إدارتها المستشار الألماني الأسبق، ما غيره «غيرهارد شرودر».
كل هذا مجتمعاً، وروسيا بأنابيبها المطمورة في أوروبا، المتفرعة في كل الاتجاهات، يكركب مستقبل «نابوكو» ويحبط خطط واشنطن لاحتواء القوة الجبارة للطاقة الروسية، في اللعبة الكبرى الجديدة، دون أن نأتي على ذكر «أوختا» التي لم يسمع بها إلا المعنيون بشؤون الطاقة. وهي باختصار قرية منعزلة في جمهورية كومي الروسية ذات الحكم الذاتي، على بعد 350 كم من مدار القطب الشمالي، كانت فيما مضى جزءاً من أرخبيل ألكسندر سولجنتسين. ربما يتداول الناس اسمها في عام 2030، بعد أن تغدو واحدة من نقاط ارتكاز «نورد ستريم»، ويغرق خط الأنابيب المنطلق منها أوروبا بالغاز الطبيعي.
وبينما يبدو «نابوكو» و«ساوث ستريم» خطين عاديين، يظهر «نورد ستريم» كخط كاسح، شاقاً طريقه نحو الوجود الفعلي، إذ سيمتد تحت بحر البلطيق باتجاه ألمانيا في عام 2010. وفي العام التالي سيتم تشغيله، بينما، في الوقت ذاته، يتم العمل على إسناده بأنبوب ثانٍ، لزيادة قدراته بحلول عام 2014. و«لسوف يصبح أكثر الخطوط أماناً وحداثة في العالم» حسب تعبير ألكسي ميلر، المدير التنفيذي لمجلس شركة «غازبروم».

المنافسة الصعبة

من أين لعشاق فيردي القدرة على المنافسة، إذا كانت «غازبروم» الروسية، في عزّ فترة ركود الاقتصاد العالمي، تنفق 20 مليار دولار على الأقل لتخضع أوروبا بخطّي أنابيب، متبعة استراتيجية مهلكة: ضخ الغاز مباشرة إلى أوروبا تحت البحر، متجنبة بذلك مطبات النقل عبر بلدان مضطربة مثل أوكرانيا؟. لا غرابة في توقع ارتفاع حصة «غازبروم» في سوق الغاز الأوروبية من 26% إلى 33% في عام 2020. وبمعنى آخر، يبدو أن حرب الطاقة بين «نابوكو» و«ساوث ستريم» قد بدأت، بأشكال متعددة. وفي أحسن أحواله يظهر «نابوكو» كخط أنابيب ثانوي، غير كافٍ لتخليص أوروبا من اعتمادها على روسيا في مجال الطاقة، كما كانت تأمل واشنطن ذات مرة. تاركاً بروكسل تتخبط كعادتها في سياسة ثنائيتها اللغوية، والمفوضية الأوروبية، بتضخم بيروقراطيتها وترهل إدارتها، تنوح سلفاً على نتائج «حرب الأنابيب».
وبالنظر إلى القضية من الناحية العملية، نجد أنه من الصعب منافسة «ساوث ستريم» في مجال البيع والتسويق. فعلى العكس من «نابوكو» كل الغاز الروسي الطبيعي غير المار بمناطق حروب محتملة سيكون رخيصاً. وفي حين أن «نابوكو» سيزود السوق بكميات محدودة من غاز قزوين، يمتلك «ساوث ستريم» القدرة على زيادة كمياته بغزارة، نظراً لحجم الموارد الروسية. وبالمقابل ليس لدى «نابوكو» حتى الآن مصادر غاز مضمونة. فلكي يضمن اتحاد «نابوكو» ضخ الغاز من تركمانستان، على القيادة التركمانية فسخ اتفاقها المسبق مع روسيا التي تشتري كل صادرات غاز تركمانستان. ناهيك عن أنه ليس من السهل أن تسمح روسيا بذلك لأي من الجمهوريات السوفييتية السابقة، وأن روسيا وإيران يمكنهما اعتراض أي خط أنابيب يستقر في قاع بحر قزوين.
وباختصار، تدفع «غازبروم» تكاليف بناء خط «ساوث ستريم» ثم تقوم بتوزيع وبيع الغاز الذي تسيطر عليه تماماً. بينما يعتمد بناء خط «نابوكو» على ست دول (النمسا، هنغاريا، رومانيا، بلغاريا، تركيا، ألمانيا) لتغطية ثلث تكلفة إنشائه فقط، ثم يقوم بإقناع البنوك الدولية الحذرة لتتولى تغطية بقية التكلفة. والغاز غير مضمون.
 
البنتاغون يقطع البحر الأسود

ماالذي تبغيه واشنطن في هذه المعمعة؟ الإجابة كامنة في تصريح السيناتور هيلاري كلينتون في جلسة استماع  الكونغرس، في 13/كانون الثاني/2009، قبل أن تصبح وزيرة للخارجية، حين شجبت اعتماد أوروبا على غاز روسيا الطبيعي، وأصدرت نداءً عاجلاً «للاستثمار في قطاع الطاقة العابر لبحر قزوين». التصريح الذي يؤشر إلى أن إدارة أوباما ستلتزم بـ«نابوكو»  كما التزمت به إدارة بوش.
ولكن لا لسان يزل أبداً بالأسباب التي يدخل في شرحها البحر الأسود كمنصة جيو-استراتيجية، حيث تلتقي أوروبا بالشرق الأوسط والقفقاس وآسيا الوسطى. وتدخل بالتالي بلغاريا، مقر القاعدة الجوية الجديدة للبنتاغون في «بيزمر»، إحدى ست قواعد استراتيجية جديدة خارج الولايات المتحدة، قد تؤدي دوراً أساسياً في ألعاب واشنطن المستقبلية يوازي دور القواعد الجوية الثابتة في إنجرليك التركية، وأفيانو الإيطالية سابقاً (أفيانو: القاعدة الرئيسية لعمليات قصف صرب البوسنة، عام 1995، ولحملة الـ 78 يوماً لقصف صربيا، عام 1999).
ومع زحف قواعد البنتاغون في آسيا الوسطى، على بُعد مرمى حجر من جنوب غربها، لانحتاج عبقرياً لتخيل الدور الذي ستلعبه قاعدة «بيزمر» في أي اعتداء محتمل على إيران (الأمر الذي تنظر إليه أوساط الدفاع الروسية بجدية). وبانضمام رومانيا وبلغاريا للناتو يمكن تفعيل المادة الخامسة من دستور الحلف، التي تنص على أن للناتو الحق بالتدخل والقيام بما هو مناسب «في حال نشوب أزمة تهدد استقرار الدول الأورو-أطلسية، وتؤثر على أمن الدول الأعضاء في الحلف». وبهذا الشكل، تجتمع «بايبلاينستان» بإمبراطورية القواعد الأمريكية.
 
شباب الترك ودهاء الروس

لماذا الجميع مشدودون إلى نفط آسيا الوسطى وغازها؟ يحدد إلشاد نصيروف، مدير شركة النفط الأذربيجانية «سوكار» السبب بوضوح تام: «هذا هو مكان وفرة النفط والغاز. إنه ليس الخليج العربي، ولا إيران، ولا روسيا، ولا أوبك». ولسوء حظ أوروبا، فيما يتعلق بالطاقة، قد تصبح المنطقة بالنسبة لها مفرخة بيض سمك فاسد بدل الكافيار. إذ لا أحد يعلم ما إذا كان الأوروبيون سيشترون الغاز الإيراني بواسطة «نابوكو». ولا أحد يعلم ما إذا كانت بلدان آسيا الوسطى تملك ما يكفي من الغاز لتزويد روسيا والصين وتركيا، ناهيك عن الهند وباكستان. ولا أحد يعلم ما إذا كان أي رئيس من رؤساء بلدان آسيا الوسطى سيُقْدِم على نقض اتفاقه مع «غازبروم».
لذلك، منذ أقرت دراسة بريطانية في عام 2008 احتمال أن تحتل تركمانستان المرتبة الثانية في العالم بعد روسيا من حيث احتياطي الغاز الطبيعي، ذرفت المفوضية الأوروبية الدموع بلا حساب كي تقبل تركمانستان ضخ غازها مستقبلاً إلى أوروبا، وبشكل مباشرٍ دون الاستعانة بالخط الروسي. لكن رئيسها الغامض ذي الاسم المميز «غوربانغولي برديمخمدوف» لم ينطق يوماً كلمة واحدة تفيد بالموافقة، رغم ادعاء مسؤولي الاتحاد الأوروبي بأنه وافق على ضخ كميات من الغاز باتجاه أوروبا.
ولا غرابة في الأمر، فخط «نابوكو» لم يعمّر بعد، وكذلك الخط الواصل بين تركمانستان والصين، مما لا يسمح لها أن تدخل في ألعاب «بايبلاينستان»، إلا بالاشتراك مع روسيا وإيران فقط. علاوة على أن روسيا تتحكم أساساً بتدفق الغاز التركماني طيلة الخمسة عشر عاماً القادمة. وبفرض أن الروس لا يمانعون، لماذا يتعين على «غوربانغولي» الموافقة، وهو قادر على اعتماد تركيا كدولة ترانزيت تصله بدول الاتحاد الأوروبي، تاركاً إياهم جميعاً يعزفون وينشدون أوبرا «فيردي»، حتى تؤوب القطعان إلى حظائرها!

القلق عنوان اللعبة

يبقى القلق هو عنوان اللعبة في أوروبا (وكذلك في واشنطن). ولمزيد من الإثارة، يذكر ملف كشفته المخابرات الروسية مؤخراً أنه تبعاً لعيوب خط «نابوكو» ونواقصه «ستظل روسيا مزود الطاقة الرئيسي لأوروبا في المستقبل المنظور». الأمر الذي أوضحه فلاديمير بوتين طيلة سنوات ببساطةِ القول إننا نملك غازاً ونملك بالتالي حرية التصرف به، وإذا حاولت أوروبا العرقلة أو الرفض فستبادر روسيا لبناء منشآت لإنتاج الغاز الطبيعي السائل (LNG)، وتسهيل عمليات تخزينه ونقله وبيعه في جميع أنحاء العالم.
ومن المفيد الانتباه إلى ما يذكره معهد سانت بطرسبورغ للتعدين حول نفاذ احتياطي الغاز الروسي في غضون عشرين عاماً. وبما أن روسيا تخطط لبيع 40% من غازها للأسواق الخارجية، فتعبير «الغاز الروسي» سيعني في المستقبل غاز آسيا الوسطى فعلياً. وبالإجمال، تجتمع لدى روسيا كل الأسباب لجعل احتياطيات الغاز التركماني الهائلة وغيرها تتدفق باتجاه الشمال لا الغرب.
على أية حال، يعرف الأوروبيون أنهم غير قادرين على الاستقلال عن روسيا في مجال الطاقة، مهما تكن حسابات واشنطن. خاصة عندما يتعلق الأمر بالغاز الطبيعي، فأوروبا تحتاج «نورد ستريم»، و«ساوث ستريم» و«نابوكو» إلى حد ما. وربما مع مرور الزمن، تصبح لآسيا الوسطى، بشكل ما، الحصة الأكبر من الغاز المتدفق عبر متاهات «بايبلاينستان»، ويصبح جزء هام منها لإيران، فيما لو أقدمت إدارة أوباما على تطبيع العلاقات مع إيران.
هذه هي قواعد اللعبة الحالية في الجانب الأوروبي من بايبلاينستاين، ويبدو أن روسيا ضمنت فعلياً بقاءها على قمة مزودي أوروبا بالغاز إلى أمد بعيد. وهذا يقودنا إلى تركيا، القوة الإقليمية الهامة بالنسبة للولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي. والتي تعتبر، بالمعنيين الفعلي والمجازي، جسراً يصل بين العالمين المسيحي والإسلامي، كما ذكر أوباما. إضافة لكونها دولة ترانزيت مثالية لنقل الغاز غير الروسي إلى أوروبا، تؤدي دورها المعقد في لعبة بايبلاينستاين.
ومثل قرية «أوختا» النائية، لم يسمع أحد عن «يومورتاليك»، ميناء الصيد القريب من سيهان، المحشور بين البحر الأبيض المتوسط وجبال طوروس. الذي يشكل محطة طرفية ونقطة تقاطع خطين من خطوط أنابيب «بايبلاينستان»: خط كركوك - سيهان القادم من العراق، وخط باكو – تبليسي - سيهان (BTC) العملاق.
لكن تركيا، رغم حلمها بعضوية الاتحاد الأوروبي، تشعر بالقلق من عداء روسيا لها. وكونها معبراً لنابوكو، ومرتبطة في الوقت ذاته بخط باكو – تبليسي - سيهان، يجعلها عرضة للاختلاف مع روسيا، أكبر شركائها التجاريين. بالطبع، هذا الوضع لايزعج واشنطن.
ومن ناحية أخرى، تتجه القيادة التركية إلى التقارب أكثر مع إيران التي تزودها بـ38% من احتياجاتها النفطية، و25% من الغاز الطبيعي. إضافة إلى أمور أخرى مشتركة بين البلدين (خاصة فيما يتعلق بمحاربة الانفصاليين الأكراد) تجعل منهما، مجتمعتين، بديلاً ملائماً عن أذربيجان-جورجيا القفقاسيتين، لتزويد أوروبا بالغاز الطبيعي. هذا الوضع يقود واشنطن إلى الجنون.
ولا حاجة للتذكير بأن اتحاد شركات «نابوكو» مستعد للقتل قبل أن يرى الغاز الإيراني يتدفق في أنبوب. لكنه مستعد أيضاً لانتهاج سياسة واقعية، فقط عندما تمنح واشنطن بركاتها لحل ملف إيران النووي. ومن جانبها، تعرف إيران كيف تغري الأوروبيين، فهي «خيار أوروبا الأوحد» لنجاح «نابوكو» حسب تصريح محمد رضا نعمت زاده، المدير الإداري لشركة النفط الإيراني الوطنية.

تقيّة نابوكو

إنما هل تقف روسيا مكتوفة الأيدي تراقب جريان كل هذا النفط؟ بالتأكيد لا. ففي تشرين الأول من عام 2007، وقّع بوتين مذكرة تفاهم مع الرئيس الإيراني محمود أحمدي نجاد: إذا لم تتمكن إيران من بيع غازها لنابوكو فإن روسيا مستعدة لشرائه. وترجمة هذا التفاهم تعني احتمال أن يصل الغاز الإيراني إلى أسواق أوروبا باعتباره «غازاً روسياً»، كغاز آسيا الوسطى. وهذا الوضع أيضاً لايسر واشنطن، بسياساتها تجاه أوروبا وإيران، العالقة عند مفترق الطرق.
وعندما هدد رئيس الوزراء التركي رجب طيب أردوغان بإعادة النظر بـ«نابوكو» إذا استمرت المماطلة في مفاوضات انضمام تركيا للاتحاد الأوروبي، تلقى زعماء أوروبا الرسالة براغماتياً، إذ يدرك معظمهم الحاجة الماسة لتحسين العلاقة مع تركيا إلى حين نيلهم الجائزة الكبرى، أي الغاز الإيراني؛ مما يضع مسألة الطاقة الأوروبية على قدم المساواة مع رغبة تركيا بعضوية الاتحاد الأوروبي.
في تموز الماضي، حضر إلى أنقرة ممثلو حكومات تركيا والنمسا وبلغاريا ورومانيا وهنغاريا لإطلاق مشروع «نابوكو» رسمياً، كما حضره المبعوث الخاص للرئيس أوباما إلى أوراسيا، ريتشارد مورنينغستار، ولم تحضره أيّ من دول آسيا الوسطى. ولكن غوربانغولي، مُخرج العرض الأوبرالي، حجز مكانه دون أن يغادر تركمانستان، ناطقاً (تقريباً) بالكلمة السحرية أمام وزراء حكومته في العاصمة عشق آباد، في العاشر من تموز: «إن تركمانستان الملتزمة بمبدأ التنويع في توزيع مواردها من الطاقة على الأسواق العالمية، ستستفيد من جميع الفرص المتاحة لها للاشتراك في المشاريع العالمية الكبيرة كمشروع «نابوكو»، على سبيل المثال».
ومازالت شائعة في فيينا، مقر إدارة «نابوكو»، ترنيمة أنه «ليس مشروعاً معادياً للروس»! لأنهم جميعاً من بروكسل إلى فيينا، ومن واشنطن إلى عشق آباد، يدركون أنهم لا يستطيعون تجاوز روسيا. وبدون ضمانهم التام (أو حتى الجزئي) لتدفق الغاز الطبيعي من تركمانستان، كازاخستان، أذربيجان، و/أو إيران، لا يملكون وسيلة تربط آسيا الوسطى بأوروبا إلا خط الأنابيب الروسي. فمن ذاك الأبله الذي سيوظف هذا الكم الهائل من الأموال في مئات أميال الأنابيب الفارغة؟
لا حاجة لنا بعبقرية فيردي كي ندرك أن ما كل هذا إلا واحداً من نشازات حفل أوبرالي عولمي.


*بيبي إسكوبار: مراسل «آسيا تايمز» الجوال، ومحلل سياسي في موقع «ذا ريل نيوز» الالكتروني.
 المصدر
www.tomdispatch.com