غسان حنون غسان حنون

الماركسية.. و«التكسّب» المعاصر!

إذا كانت الماركسية بجوهرها تعني قراءة ثم فهماً  فتفسير اً ثم تغييراً، فماذا تعني كتابات بعض الناس في بعض الصحف والمجلات أو المواقع المحلية والإقليمية، أو ممن يطلون على بعض الفضائيات، بالظاهر ماركسيون، أما باطنهم فإما مضلِل أو مضلَل؟ والى أين يكون المصب والمآل؟

هؤلاء يكتبون من وجهة نظر ماركسية ويستشهدون بأقوال لهذا أو لذاك، وفي آخر المطاف لا شيء يُفهم من سطورهم سوى أمرين اثنين: إما أنهم يريدون تقديم أنفسهم أنهم مثقفون وأصحاب منابر؟ أو أنهم يريدون التكسب من وراء كتاباتهم. حين تقرأ لهم، تشعر أنهم يكتبون من بروج عاجية ومنابر واعظة لمن يتهافت للنظر إلى تلك البروج والمنابر، فهنيئاً لهم مآلهم، فقد أصابوا مراميهم.

الماركسية المستقرئة للواقع والتي تتطور مع تطوره على ضوء فهم ثم تفسير ثم تغيير، تعطي استنتاجا بأنكم وقراءكم بعيدون كل البعد عن قضية فساد هنا أو هناك، ضمن هذا المجتمع الذي يعاني ما يعانيه من فساد وأزمات اقتصادية واجتماعية. بعيدون كل البعد عن نبض الشارع، نبض المواطن المرهَق بأعباء الحياة اليومية ومتطلباتها، أكان هذا المواطن موظفاً أو عاملاً أو صناعياً أو حرفياً أو مزارعاً. أقول: بئس الأقلام التي تسمي نفسها ماركسية ولا تطرق أبواب الحلول لمشاكل وأزمات مجتمع لا يعاني أزمات من لقمة العيش إلى ليتر وقود التدفئة أو تأمين مسكن لائق أو تأمين مستقبل ولده الساعي ليحقق معدلاً يؤهله لدراسة فرع جامعي تتوق إليه نفسه.

إن من أهم الأمور التي طرحها الاجتماع التاسع للجنة الوطنية لوحدة الشيوعيين السوريين هي نفض الغبار عن المنصة الفكرية والمعرفية التي انتهى عندها آخر منتصرينا. إن رياح التغيير تهب في أشرعتنا، فهلموا نغتنمها!

أسأل هؤلاء الأشخاص كيف تجتهدون دون أن تعرفوا كيف وأين يُدق المسمار؟ إن لم يكن في رأس المشكلة؟ إني لا أتوجه في كلماتي إلى فصيل من فصائل الشيوعيين، بل الى كل شخص يعتبر نفسه مثقفاً، محلياً أو إقليمياً معنياً برسالة ما.    عذراً منكم ومن أفكاركم! الآن بدأت الشعوب تقول كلماتها متخطية كل وعظ وتنظير. انظروا إليهم في تونس ومصر واليمن وكأنهم على لسان عمرو ابن كلثوم يصرخون:

ألا لا يجهلن أحد علينا

فنجهل فوق جهل الجاهلينا

هل فكرتم أولاً ما هو موقعكم بين شعوبكم حتى نعرف مقدار قربكم وفهمكم للماركسية. ففي تاريخ الماركسية والصراع المحتدم، ولد فرزٌ ولا يزال يتبلور كلما اشتدت وطأة الصراع. فمنهم من انفرز إلى يمين مزيف ويمين حقيقي أو يسار مزيف ويسار حقيقي. ضمن هذه المعادلة يلتقي اليمين المزيف مع اليسار الحقيقي واليسار المزيف مع اليمين الحقيقي. وهذا الطرف أو ذاك حين يوضع على محك الواقع، يصبح الفرز واضحاً أكثر بين كل طرف من الأطراف. وعلى مبدأ عدو عدوي صديقي، وصديق عدوي عدوي. يقول ستالين: «إن المهم الجدير بالاعتبار قبل غيره في نظر الطريقة الديالكتيكية، ليس الشيء الذي يبدو، في لحظة معينة، ثابتا وهو في الواقع آخذ في الفناء، بل المهم الجدير بالاعتبار قبل غيره في نظرها، هو الشيء الذي يولد ويتطور، إذ أنه ليس في نظر الطريقة الديالكتيكية من شيء لا يُقهر ولا يُغلب سوى الشيء الذي يولد ويتطور. وعلى هذا ينبغي أن نؤسِس عملنا لا على الفئات الاجتماعية التي توقفت عن التطور.. (عن مقالة للمفكر الماركسي خالد بكداش: «عمر فاخوري أديب الحرية والنور» نُشرت في الأربعينيات).. وعن مقالة أخرى لخالد بكداش أيضا حول الثقافة والأدب يقول: «لنترك أولئك الذين يتحولون عن (حرفة الأدب والثقافة) إلى حرفة (التجارة بالأدب والثقافة). إن الذين يتاجرون بالشعب بأدبهم لن يكونوا أحسن حالاً من تجار السياسة! كذلك الذين تحولوا عن حرفة الأدب والثقافة إلى حرفة التجارة، يكفي أن نساعدهم على كشف تجارتهم!».. وعلى هذا أقول لأصحاب تلك الأفكار المنظِرة احرصوا أن تعرفوا لمن تتوجهوا حرصكم على منابعكم ومشاربكم. واعرفوا كيف تخلصون لقضاياكم المطلوب الالتزام بها الآن أكثر. فالناس ضاق صدرها من كثرة المقالات الفلسفية والفكرية وغيرها بشطِها ومطِها دون الطرق على المسمار في رأس المشكلة ومعرفة كيف تُخاطب الضمائر والعقول وتُحرَض من أجل القضايا الوطنية والاجتماعية والاقتصادية التي تهم وطننا على امتداد ساحاته. فلطالما علمتنا الماركسية أن حالة الناس الاجتماعية والاقتصادية هي التي تحدد أفكارهم وليس العكس. أدعوكم لوقفة تفسيرية لبيت من الشعر لأمير الشعراء شوقي يقول:

وما نيل المطالب بالتمني

ولكن تؤخذ الدنيا غلابا.

(0 أصوات)