اقتصاد التعب: كيف تحول الإرهاق إلى شرط للبقاء؟

اقتصاد التعب: كيف تحول الإرهاق إلى شرط للبقاء؟

في الماضي كان يُنظر إلى العمل بوصفه وسيلة للحياة الكريمة، وطريقاً للاستقرار الاجتماعي، وركناً أساسياً من أركان العدالة الاقتصادية. أما اليوم، فقد تغيّر المشهد بصورة قاسية؛ إذ لم يعد العامل يعمل ليعيش، بل بات يعيش فقط ليواصل العمل. هنا يظهر ما يمكن تسميته بـ«اقتصاد التعب»، ذلك النموذج الاقتصادي والاجتماعي الذي يقوم على استنزاف الإنسان جسدياً ونفسياً مقابل الحد الأدنى من البقاء.

لم يعد الإرهاق حالة استثنائية مرتبطة بمواسم العمل أو الظروف الطارئة، بل أصبح نمطاً دائماً للحياة اليومية. العامل الذي كان يطالب سابقاً بتحسين أجره أو تخفيض ساعات عمله، أصبح اليوم يخشى حتى من خسارة وظيفته مهما كانت مجحفة. وهكذا تحوّل التعب من نتيجة للأزمة إلى جزء من بنية الاقتصاد نفسه.

في سوريا، كما في كثير من الدول التي تعاني أزمات اقتصادية عميقة، يمكن ملاحظة هذا التحول بوضوح. فالأجور لم تعد تكفي الحد الأدنى من متطلبات الحياة، والأسعار تواصل الارتفاع بوتيرة أسرع من أي زيادة في الدخل، بينما تتآكل الخدمات العامة وفرص العمل المستقرة. وفي ظل هذا الواقع، وجد ملايين العمال أنفسهم مضطرين للعمل لساعات أطول، أو في أكثر من وظيفة، أو في أعمال مرهقة وخطرة وغير مستقرة فقط من أجل تأمين الاحتياجات الأساسية.
لم يعد غريباً أن يعمل الموظف صباحاً في مؤسسة رسمية، ثم ينتقل مساءً إلى عمل إضافي كسائق أو بائع أو عامل توصيل. ولم يعد مستهجناً أن يقضي العامل يومه كاملاً في التنقل بين أعمال مؤقتة لا تمنحه أي ضمان صحي أو اجتماعي. الأخطر من ذلك أن المجتمع بدأ يتعامل مع هذا الإرهاق بوصفه أمراً طبيعياً، بل أحياناً باعتباره دليلاً على «الاجتهاد» و«القدرة على التحمل»، في حين أنه في الحقيقة انعكاس مباشر لفشل اقتصادي عميق.
اقتصاد التعب لا يستهلك الجسد فقط، بل يستهلك الحياة نفسها. فالإنسان الذي يعمل طوال يومه من أجل النجاة لا يعود يمتلك وقتاً لعائلته، أو لتطوير نفسه، أو حتى للراحة الطبيعية التي يحتاجها أي كائن بشري. يتحول اليومُ إلى سلسلة طويلة من الواجبات والضغوط، وتصبح الراحة شعوراً بالذنب بدلاً من كونها حقاً إنسانياً. ومع الوقت، تظهر نتائج هذا الاستنزاف في كل شيء: في الصحة النفسية، في العلاقات الاجتماعية، في القدرة على التركيز، وحتى في الإحساس بالكرامة. كثير من العمال لم يعودوا يشعرون أنهم يعيشون حياة حقيقية، بل مجرد حالة دائمة من الركض خلف النفقات والفواتير والخوف من المستقبل.

الأخطر أن اقتصاد التعب لا يقوم فقط على ضعف الأجور، بل أيضاً على غياب الأمان الوظيفي. فالعامل اليوم يمكن أن يفقد مصدر رزقه في أي لحظة، دون تعويض حقيقي أو حماية اجتماعية كافية. هذا الخوف الدائم يدفع الناس لقبول ظروف عمل قاسية كانوا سيرفضونها سابقاً. وهكذا يصبح الإرهاق أداة للسيطرة الاقتصادية: كلما ازداد خوف الناس من البطالة، ازدادت قدرتهم على تحمل الاستغلال.
في المقابل، تتراجع قدرة النقابات والهيئات العمالية على أداء دورها الحقيقي. ففي كثير من الأحيان، لم تعد النقابات قادرة على فرض تحسينات جوهرية في الأجور أو ظروف العمل، وتحول بعضها إلى مؤسسات شكلية تكتفي بالبيانات والمناسبات الرسمية، بينما يواجه العمال أزماتهم اليومية وحدهم. أما القطاع الخاص، فهو بدوره يستفيد من فائض الحاجة إلى العمل. حين يكون هناك آلافُ الباحثين عن أي فرصة، يصبح من السهل فرض ساعات طويلة، وأجور منخفضة، وبيئة عمل مرهقة دون خوف من خسارة اليد العاملة. فالعامل المنهك الذي يخشى البطالة يصبح أضعف من أن يطالب بحقه.

لكن اقتصاد التعب لا يقتصر على العمال التقليديين فقط، بل امتد أيضاً إلى الاقتصاد الرقمي والعمل عبر التطبيقات والمنصات الإلكترونية. فالكثير من الشباب الذين اتجهوا إلى العمل الحر أو خدمات التوصيل أو العمل عبر الإنترنت اكتشفوا أنهم دخلوا شكلاً جديداً من العمل غير المستقر. ساعات طويلة، منافسة مرهقة، دخل متقلب، وغياب شبه كامل لأي حماية قانونية أو تأمين اجتماعي. تُقدَّم هذه الأعمال أحياناً على أنها نموذج للحرية والاستقلال، لكنها في كثير من الحالات ليست سوى نسخة حديثة من العمل الهش. العامل هنا لا يمتلك إجازة مدفوعة، ولا ضماناً صحياً، ولا حتى استقراراً حقيقياً في الدخل، إنه يعمل باستمرار لأنه يعلم أن التوقف يعني خسارة مصدر رزقه مباشرة.
والأخطر أن هذا النموذج بدأ يعيد تشكيل الثقافة الاجتماعية نفسها. فبدلاً من الحديث عن حقوق العمال وتحسين شروط الحياة، أصبح الخطاب السائد يمجّد «العمل المتواصل» و«عدم التذمر» و«القدرة على التحمل». وكأن الإنسان الناجح هو فقط من يستطيع أن يرهق نفسه أكثر من غيره.

لكن المجتمعات لا يمكن أن تبنى على الإرهاق الدائم. فالاقتصاد الذي يستهلك الإنسان بهذه الطريقة يخلق مع الوقت جيلاً منهكاً نفسياً وجسدياً، فاقداً للأمان والاستقرار والأمل. وهذا لا ينعكس على الأفراد فقط، بل على الإنتاجية والاقتصاد والمجتمع كله. العامل المتعب ليس أكثر إنتاجاً بالضرورة، بل غالباً أقل قدرة على الإبداع والتركيز والاستمرار.
إن أخطر ما في اقتصاد التعب أنه يحوّل الحقوق الأساسية إلى امتيازات نادرة. يصبح النوم الكافي رفاهية، والراحة ترفاً، والوقت مع العائلة حلماً مؤجلاً. أما الحياة الطبيعية المتوازنة، فتتحول إلى شيء يبدو بعيد المنال بالنسبة لكثيرين.
لذلك فإن مواجهة هذا الواقع لا يمكن أن تتم عبر النصائح الفردية فقط، كالدعوة إلى «تنظيم الوقت» أو «التفكير الإيجابي». المشكلة أعمق من ذلك بكثير؛ إنها مرتبطة ببنية اقتصادية كاملة تقوم على تحميل العامل وحده كلفة الأزمات والانهيارات الاقتصادية.
الحلول الحقيقية تبدأ من إعادة الاعتبار لفكرة العدالة الاجتماعية نفسها: أجور تكفي للحياة، حماية قانونية حقيقية، تأمين صحي واجتماعي، ضبط ساعات العمل، وخلق بيئة اقتصادية لا تجعل الإنسان مضطراً لاستنزاف نفسه فقط كي يبقى على قيد الحياة. كما أن استعادة الدور الحقيقي للنقابات أمر أساسي، لأن العامل الفرد مهما كان قوياً يبقى أضعف من مواجهة منظومة اقتصادية كاملة وحده. الدفاع عن حقوق العمال ليس قضية فئوية ضيقة، بل قضية تتعلق باستقرار المجتمع كله.

وفي النهاية، يبقى السؤال الأهم: أي نوع من المجتمعات نريد؟ هل نريد مجتمعاً يعيش فيه الإنسان ليعمل فقط، أم مجتمعاً يعمل فيه الإنسان لكي يعيش بكرامة؟ إن استمرار اقتصاد التعب يعني ببساطة أن الأزمات لم تعد تسرق الأموال فقط، بل بدأت تسرق أعمار الناس وصحتهم وأحلامهم أيضاً. وحين يصل المجتمع إلى مرحلة يصبح فيها الإرهاق شرطاً طبيعياً للبقاء، فهذه ليست علامة على قوة الناس، بل على عمق الخلل الذي يعيشونه

معلومات إضافية

العدد رقم:
1278