نحن عمال نقابيون لا وزراء... أوقفوا المزايا ومظاهر الترف
يسأل نفسه: «كيف لهذا النقابي (الأكابر) الذي زار معملنا وتجول بأقسامه وتودد لعماله، واستقبل من إدارته بحفاوة والتقط عشرات الصور التي سينشرها على فيسبوك بعد انتهاء زيارته لنا، أن يقف يوماً ما أمام وزير عاقداً حاجبيه ملوحاً بيده مطالباً بزيادة أجور العمال المعتَّرين؟ كيف له ببدلته الأنيقة الإيطالية وعطره الفرنسي الفواح أن يطلب من إدارة معملنا لباساً عمالياً يحمينا من المخاطر ووجبة غذائية تقينا من سموم المواد وأمراضها؟ وكيف بقيادته لتلك السيارة (فول أوبشن) غالية الثمن أن تجعله مقنِعاً حين يعترض على إيقاف نقل العمال بباصات الشركة؟ كيف سنفرق بينه وبين الوزير الذي زارنا ذات يوم؟ هل تتمتع قيادات النقابات بكل تلك المزايا (الأكابرية) أم أنه دون غيره تظهر نعمة الله عليه؟»
بمجرد البحث بالمراجع التاريخية للحركة النقابية منذ المرحلة الجنينية لها مروراً بولادتها وتكوينها التنظيمي، يمر الباحث على عشرات بل مئات المواقف والقصص التي تروي أو تشير إلى ماهية ونوعية القادة النقابيين الأوائل الذين خرجوا من القواعد والتجمعات العمالية في ذلك الحين، وكيف انضبط سلوكهم النقابي حتى أصبح عرفاً سائداً ونموذجاً مثالياً لأجيال توالت على المنظمة وعمالها. فقد تحلّى أولئك النقابيون بكل صفات النضال سواء كانت شخصية كملكة أو فطرة، أو كانت سلوكية تحكمت بها قواعد العمل الطبقي الواعي، من التضحية ونكران الذات والتواضع، إلى سلوكيات الانضباط والالتزام والعمل النقابي الجاد وتقاليده. فلا تستغرب إن علمت بأنهم كانوا يتحملون نفقات سفرهم من المحافظات القريبة والبعيدة لحضور المؤتمرات والمجالس النقابية في العاصمة، وقبل كل موعد تُفتح صناديق التبرع أمام العمال ليتبرعوا بما تيسر لهم من قروش ليستطيع الوفد النقابي تأمين أجور النقل والإقامة والطعام البسيط الذي لا يتعدَّى صحن فول أو سندويشة فلافل وبضع حبات من البطاطا للغداء. وإن حصل أن كان هناك مؤتمر عربي أو دولي ما، فإنهم يحصلون على قسائم شرائية من الشركة العامة للألبسة الجاهزة (الوسيم) فتراهم يزينون المؤتمرات بفصاحتهم وقوة طرحهم ورباطة جأشهم وهم بكامل الأناقة بالبدلات الموحَّدة التي حيكت وصنعت بأيدي العمَّال الذين يمثلونهم. وكانوا يتعرضون لمواقف كثيرة طريفة، خاصة عندما يوقفون سيارة أجرة لتقلهم لاجتماعهم أو مؤتمرهم والسائق يعترض مستغرباً كيف ستتسع سيارته لسبعة أفراد أو أكثر.
نماذج نقابية تستحق الثناء والتقليد
بقيت تلك الأعراف والتقاليد والسمات الأصيلة للعمل النقابي ملازمة له، وأحد أهم معايير النقابي الحقيقي الملتزم، وكان أي شذوذ عنها يُشار إليه ويسبب امتعاض العمال وانتقادهم له علانية وحتى في المؤتمرات، حتى أصبحت أحد معايير الانتخابات النقابية أيضاً. فالعمال بتموضعهم الطبقي وبأوضاعهم المعيشية وإدراكهم لأساس قيام المنظمة بأصولها واستثماراتها وصناديقها المبنية على التكافل، وبأن الاشتراكات المالية المقتطعة من أجورهم وبالتالي من لقمة أولادهم هي تضحية كبرى لغاية أكبر وأعم، وبأن قوة النقابات وتعزيز دورها لا يمكن أن يتحقق إلا باستقلالية مواردها (فحُرُّ اللقمة حُرُّ الكلمة)، لذلك نشأت تلك الحساسية من أي شكل من أشكال الترف والمزايا غير الضرورية أو المبالغ فيها. ففرز المساكن لغير المقيمين والسيارات للقيادات النقابية ضرورة لسير العمل، ولكن أي مسكن وأي سيارة؟ هذا ما يقف عنده العمال وينتقدونه بشدة وقهر. وبدل الطعام أو السفر أو مصاريف المؤتمرات أو القيام بواجب الوفود الزائرة ضرورة وواجب، ومن أجل كل ذلك أُقرت الصناديق والموازنات، ولكن كيف يتم التعاطي معها وحجمها وضروراتها هي التي يتوقف عندها العمال دافعو الاشتراكات وموردو جميع الصناديق. فهل لم يعد العمل النقابي يصلح دون كل تلك المصاريف؟ ألم تعد سيارة صغيرة موفرة بمصروف الوقود كافية للتنقل وإتمام المهام؟ ألم تعد المساكن العمالية في عدرا أو غيرها تؤدي الدور المطلوب منها؟ والقائمة تطول.
إن من واجب المنظمة النقابية التعاطي مع هذه الظاهرة بعقلية المؤسسين الأوائل، وأن يتم القطع مع السلوكيات غير النقابية التي تنامت خلال السنوات الطويلة الماضية. وما زال هناك نماذج في جسد التنظيم النقابي محافظة على كل تلك الأدبيات والأعراف والقواعد النقابية، ويجب على الجميع الاسترشاد بها والمضي على نهجها إن كانوا من الناسين أو المتناسين لها.
معلومات إضافية
- العدد رقم:
- 1278
إلياس زيتون