كهرباء للأغنياء فقط
لم يعد ما يجري في قطاع الكهرباء في سورية مجرد «إصلاح إداري» كما يُسوَّق له، بل هو تحول صريح وقاسٍ يعيد تعريف الكهرباء من خدمة عامة إلى سلعة تُمنح لمن يستطيع الدفع فقط. مرسوم إنشاء شركة قابضة مملوكة بالكامل للدولة يبدو في ظاهره خطوة تنظيمية، لكنه في جوهره يفتح الباب على مصراعيه أمام إدخال منطق السوق إلى قطاع يفترض أنه شريان حياة لكل مواطن، لا مجال فيه للمساومة أو الحسابات الربحية الضيقة.
فحين تتحول مؤسسة الكهرباء إلى شركة قابضة، فإن اللغة نفسها تتغير. لم يعد الحديث عن خدمة عامة، بل عن «إدارة أصول»، و«كفاءة مالية»، و«جذب استثمارات». هذه المفاهيم، مهما بدت حديثة وتقنية، تحمل في عمقها انقلاباً على الفكرة الأساسية للخدمات العامة. فالكهرباء لم تعد حقاً مضموناً، بل أصبحت نشاطاً اقتصادياً يُدار وفق معايير الربح والخسارة. وهذا التحول لا يحدث فجأة، بل يبدأ تدريجياً عبر إعادة الهيكلة، ثم إنشاء شركات تابعة، ثم فتح الباب أمام الشراكات، وصولاً إلى إدخال المستثمرين بشكل مباشر أو غير مباشر.
وهنا تكمن النقطة الأخطر، الدولة تبقى مالكة «بالاسم»، لكن السيطرة الفعلية تبدأ بالانتقال تدريجياً إلى من يملك التمويل. فالشركات التابعة يمكن طرحها، أو إشراك القطاع الخاص فيها، أو منحها امتيازات تشغيل، وكل ذلك تحت عناوين براقة مثل «التطوير» و«التحديث». لكن الحقيقة أبسط من ذلك بكثير، المستثمر لا يدخل ليخدم، بل ليحقق الربح، والربح في قطاع الكهرباء لا يأتي إلا من جيب المستهلك. أي إن المواطن، الذي عانى أصلاً من ضعف الخدمة، سيجد نفسه ممولاً أساسياً لما يسمى بالإصلاح.
ولأن هذا التحول يحتاج إلى أدوات لضبطه، ستأتي العدادات الذكية مسبقة الدفع كجزء مكمل للصورة. هذه العدادات لا تمثل مجرد تحديث تقني، بل تعكس فلسفة كاملة في التعامل مع المواطن. لم يعد هناك فاتورة تُدفع لاحقاً، ولا مجال للتأجيل أو التراكم. العلاقة أصبحت مباشرة وقاسية، ادفع أولاً، ثم استهلك. ينتهي الرصيد، تنتهي الكهرباء. بهذه البساطة التي لا تترك أي هامش للظروف أو للأزمات أو حتى للخطأ. إنها علاقة نقدية بحتة، تُختزل فيها الخدمة إلى عملية شراء فورية، بلا أي بعد اجتماعي.
هذا التحول يتزامن مع ارتفاع كبير في أسعار الكهرباء، حيث تقترب التعرفة تدريجياً من الكلفة الحقيقية، ويتراجع الدعم الذي كان يشكل، رغم كل مشكلاته، صمام أمان اجتماعي. ومع كل زيادة في الأسعار، يتكرر الخطاب ذاته، (ضرورة الإصلاح- تقليل الخسائر- تحسين الكفاءة). لكن ما لا يُقال بوضوح هو أن هذا «الإصلاح» يُموَّل مباشرة من جيب المواطن، الذي يُطلب منه أن يدفع أكثر، وبشكل أسرع، وبلا ضمانات حقيقية لتحسن يتناسب مع ما يدفعه.
وهنا تتكشف الصورة الحقيقية، فنحن لا نتجه نحو تحسين قطاع الكهرباء، بل نحو إعادة ترتيب المجتمع نفسه على أساس القدرة على الدفع. فئة قادرة ستتكيف بسرعة، تشحن عداداتها بلا قلق، وربما تستفيد من خدمات أفضل أو مشاريع خاصة. هذه الفئة ستعيش في عالم من الاستقرار الكهربائي، حيث تصبح الكهرباء أمراً بديهياً لا يُفكَّر فيه. في المقابل، فئة أوسع ستبدأ بالتقنين الذاتي القسري، تخفف استهلاكها إلى الحد الأدنى، تراقب رصيدها بشكل يومي، وتعيد تنظيم حياتها بالكامل حول ما تستطيع دفعه. أما الفئات الأضعف، فستكون خارج المعادلة تقريباً، تعيش في ظلام لا تفرضه الأعطال، بل يفرضه العجز عن الشحن.
المفارقة القاسية أن المواطن الذي تحمّل سنوات طويلة من التقنين
وسوء الخدمة، يجد نفسه اليوم مطالباً بدفع ثمن الإصلاح أيضاً. لم يكن هو من أهدر الموارد، ولا من أدار القطاع، ولا من تسبب بالخسائر، لكنه الطرف الوحيد الذي يُطلب منه الآن أن يدفع الكلفة كاملة. يدفع أكثر، ويدفع مسبقاً، ويدفع بلا خيار. وكأن المشكلة لم تكن يوماً في الإدارة أو البنية التحتية، بل في جيب المواطن نفسه.
الأخطر من كل ذلك هو التحول الصامت في دور الدولة. فالدولة، في معناها الأساسي، ليست شركة، ولا يفترض بها أن تتصرف كوسيط بين المواطن والسوق. دورها المفترض الدائم يجب أن يكون رعائياً، يقوم على ضمان الحد الأدنى من العدالة وتوفير الخدمات الأساسية بغض النظر عن القدرة المالية. الكهرباء، كالماء والتعليم والصحة، تُعد من الحقوق التي يجب ألا تُترك لمنطق الربح. لكن ما نشهده اليوم يوحي بتراجع واضح عن هذا الدور، حيث تتقدم لغة الاستثمار والجدوى الاقتصادية على حساب فكرة الخدمة العامة.
تحت عنوان «الإصلاح»، يجري نقل العبء تدريجياً إلى المواطن، بينما تنسحب الدولة خطوة إلى الخلف، تاركة المجال لقوى السوق لتحدد من يحصل على الخدمة ومن يُحرم منها. لا يحدث هذا بشكل فج، بل عبر سلسلة من الإجراءات، (إعادة هيكلة- إدخال شركات- رفع أسعار- فرض عدادات مسبقة الدفع). كل خطوة تبدو «مبررة ذرائعياً» بحد ذاتها، لكن مجموعها يرسم مساراً واضحاً نحو تقليص الدور الاجتماعي للدولة.
المشكلة هنا ليست في مبدأ الإصلاح بحد ذاته، فإصلاح قطاع الكهرباء ضرورة لا يمكن إنكارها، لكن الخلل يكمن في غياب التوازن. فحين يتحول الإصلاح إلى أداة لرفع المسؤولية بدلاً من إعادة توزيعها بعدالة، فإنه يفقد معناه الاجتماعي، ويصبح مجرد عملية نقل للكلفة من الدولة إلى المواطن. وعندها، لا يعود السؤال كيف نطوّر القطاع، بل لمن يعمل هذا التطوير، ومن سيدفع ثمنه الحقيقي؟
في هذا المسار، تبدو الكهرباء وكأنها لم تعد خدمة عامة للجميع، بل تصبح امتيازاً يُشترى، وحقاً يُقاس بالقدرة على الدفع. ومع كل خطوة في هذا الاتجاه، يتعمق الشعور بأن ما يجري ليس مجرد تحديث تقني أو إداري، بل إعادة تعريف للعلاقة بين الدولة والمجتمع، حيث تتراجع فكرة الرعاية لصالح منطق السوق، ويتحول المواطن من صاحب حق إلى زبون، ومن شريك في الدولة إلى ممول لها.
وهكذا، لا يعود الظلام مجرد نتيجة لانقطاع التيار، بل يصبح انعكاساً لفجوة اجتماعية تتسع، حيث ينقسم المجتمع إلى من يستطيع أن يبقى في النور... ومن لا يستطيع، العاجز، الذي سيعيش العتمة.
معلومات إضافية
- العدد رقم:
- 1273