اختلال علاقات القوة والإنتاج والملكية قراءة في أحد الجذور العميقة للصراع السوري

اختلال علاقات القوة والإنتاج والملكية قراءة في أحد الجذور العميقة للصراع السوري

لا يمكن فهم الصراع السوري بوصفه حدثاً سياسياً طارئاً بدأ عام 2011 فحسب، بل ينبغي النظر إليه ضمن سياق تاريخي واقتصادي واجتماعي أعمق، فالأزمات الكبرى في المجتمعات لا تنفجر عادة نتيجة سبب واحد مباشر، وإنما تكون حصيلة تراكم طويل من الاختلالات البنيوية داخل بنية الدولة والمجتمع، ومن بين أهم هذه الاختلالات ما يمكن وصفه بالخلل بين علاقات القوة السياسية، وعلاقات الإنتاج الاقتصادي، وعلاقات الملكية، هذا الخلل شكل أحد العوامل البنيوية التي ساهمت في إضعاف التوازن الاجتماعي، وجعل المجتمع أكثر قابلية للدخول في حالة الصراع عند أول أزمة سياسية كبرى.

في التحليل الكلاسيكي للاقتصاد السياسي، وخاصة لدى مفكرين أمثال كارل ماركس، ينظر إلى المجتمع بوصفه منظومة مترابطة تتكون من بنية اقتصادية تقوم على علاقات الإنتاج والملكية، وبنية قانونية وسياسية تمثل علاقة القوة والسلطة، ويفترض في الحالة الطبيعية أن يوجد قدر من التوزان النسبي بين هذه المكونات، فالنظام السياسي يستمد جزءاً من شرعيته من قدرته على تنظيم الاقتصاد، وضمان حدّ معقول من العدالة في توزيع الموارد والفرص، أما عندما يحدث اختلال واضح بين من يملك السلطة السياسية، ومن يملك الثروة، ومن يشارك في إنتاجها، فإن هذا التناقض يتحول تدريجيا إلى مصدر توتر اجتماعي عميق.

في الحالة السورية، يمكن ملاحظة هذا الاختلال بوضوح خلال العقود التي سبقت عام 2011 فمن جهة تركزت علاقات القوة السياسية في بنية سلطوية شديدة المركزية، حيث لعبت الأجهزة الأمنية والمؤسسات التنفيذية الدور الأبرز في إدارة المجال العام، وقد أدى هذا التركز في السلطة إلى إضعاف الحياة السياسية والتعددية الحزبية، وتقليص فرص المشاركة السياسية الفعلية في صنع القرار، ومع مرور الوقت أصبح المجال السياسي محدوداً، ما جعل قنوات التعبير السلمي عن المصالح الاجتماعية والاقتصادية ضيقة، أو شبه مغلقة.
في المقابل، شهدت علاقات الإنتاج في الاقتصاد السوري تحولات تدريجية، خاصة منذ بداية الألفية الجديدة، فبعد عقود من الاقتصاد الموجه الذي لعبت فيه الدولة دوراً مركزياً في الإنتاج والتوزيع، بدأت تظهر سياسات أقرب إلى اقتصاد السوق، وقد شملت هذه التحولات تحريراً نسبياً لبعض القطاعات الاقتصادية، وتشجيع الاستثمار الخاص، وتخفيف القيود على التجارة، غير أن هذه التحولات لم تكن مصحوبة بإصلاحات مؤسسية كافية تضمن المنافسة العادلة أو تكافؤ الفرص.
ونتيجة لذلك، برزت طبقة اقتصادية جديدة استفادت من هذه التحولات، وغالبا ما كانت مرتبطة بشكل أو بآخر بمراكز النفوذ السياسي، وهنا ظهر الخلل الثالث، وهو الخلل في علاقات الملكية، إذْ بدأت ملكية الموارد الاقتصادية والفرص الاستثمارية تتمركز تدريجياً في يد شبكات اقتصادية محدودة، هذا التمركز لم يكن نتيجة ديناميات السوق وحدها، بل كان في الكثير من الأحيان مرتبطاً بعلاقات القرب من السلطة، أو القدرة على الوصول إلى مراكز القرار.

بهذا المعنى أصبحت القوة السياسية والثروة الاقتصادية متداخلتين إلى حد كبير، فالسلطة السياسية كانت قادرة على التأثير في توزيع الفرص الاقتصادية، في حين أن الثروة الاقتصادية كانت بدورها تعزز النفوذ السياسي، أما الفئات الاجتماعية الأوسع، وخاصة الطبقات الوسطى والدنيا، فقد وجدت نفسها تدريجياً خارج هذه المعادلة، ومع تراجع دور الدولة الاجتماعي في بعض المجالات، وارتفاع تكاليف المعيشة، واتساع الفجوة بين مستويات الدخل، بدأ الشعور بعدم العدالة الاقتصادية يتزايد داخل المجتمع.
لقد أدى هذا الاختلال بين القوة والملكية والإنتاج إلى مجموعة من النتائج الاجتماعية العميقة، أولى هذه النتائج كانت ضعف الحراك الاجتماعي، ففي المجتمعات التي تعمل بصورة متوازنة يستطيع الأفراد تحسين أوضاعهم عبر التعليم والعمل والإنتاج، أما عندما تصبح الفرص الاقتصادية مرتبطة بشبكات النفوذ أكثر من ارتباطها بالكفاءة أو الجهد، فإن الإحساس بجدوى العمل والإنتاج يتراجع تدريجيا.

النتيجة الثانية، تمثلت في تآكل الشرعية الاقتصادية للنظام السياسي، فالشرعية في المجتمعات الحديثة لا تقوم فقط على الاستقرار الأمني أو الخطاب السياسي، بل ترتبط أيضا بقدرة الدولة على تحقيق حدّ معقول من العدالة الاجتماعية، وتكافؤ الفرص، وعندما يشعر جزء كبير من المجتمع بأن الثروة تتركز في يد فئات محدودة، وأن قنوات المشاركة السياسية والاقتصادية مغلقة، فإن الثقة بالمؤسسات العامة تبدأ بالتآكل.
أما النتيجة الثالثة، فقد كانت تحوّل التوتر الاجتماعي والاقتصادي إلى توتر سياسي، فالمطالب التي تبدأ غالباً في إطار اقتصادي، أو اجتماعي، مثل: تحسين مستوى المعيشة، أو مكافحة الفساد، يمكن أن تتحول سريعاً إلى مطالب سياسية، عندما لا تجد قنوات مؤسسية للاستجابة، وفي مثل هذه الحالات يصبح الاحتقان الاجتماعي قابلا للتحول إلى صراع سياسي واسع النطاق.
لا يعني هذا التحليل أن الصراع السوري يمكن تفسيره بعامل اقتصادي أو بنيوي واحد، فالصراعات المعقدة عادة ما تكون نتيجة تفاعل عدة عوامل سياسية واجتماعية وإقليمية، غير أن فهم الاختلال بين علاقات القوة والإنتاج والملكية يساعد على الإضاءة على أحد الجذور العميقة للأزمة، وهو الجذر المرتبط ببنية الدولة والاقتصاد معاً.

إن معالجة آثار الصراع، أو التفكير في مستقبل أكثر استقراراً، يتطلب بدوره النظر إلى هذه الاختلالات البنيوية، فإعادة بناء الدولة لا تتعلق فقط بإعادة الأعمار المادي، أو إعادة ترتيب المؤسسات السياسية، بل تشمل أيضا إعادة صياغة العلاقة بين السلطة والاقتصاد والمجتمع، وهذا يعني بناء نظام اقتصادي أكثر شفافية وعدالة، وتعزيز سيادة القانون في إدارة الموارد والفرص الاقتصادية، وفتح المجال أمام مشاركة اجتماعية أوسع في الحياة الاقتصادية والسياسية.
في النهاية، تكشف التجربة السورية كما كشفت تجارب تاريخية عديدة، أن المجتمعات تصبح أكثر هشاشة عندما تنفصل السلطة عن المجتمع، وعندما تحتكر شبكات ضيقة كلا من القوة السياسية والثروة الاقتصادية، فالتوازن بين علاقات القوة والإنتاج والملكية ليس مجرد مسألة نظرية في الاقتصاد السياسي، بل هو شرط أساسي لاستقرار الدولة واستمرارها، وعندما يختل هذا التوازن لفترة طويلة، يصبح الصراع احتمالا قائماً حتى لو بدا الاستقرار ظاهرياً لفترة من الزمن.

معلومات إضافية

العدد رقم:
1268