استغلال العمال في سورية في ضوء نظرية القيمة الزائدة لماركس

استغلال العمال في سورية في ضوء نظرية القيمة الزائدة لماركس

في ضوء نظرية القيمة الزائدة عند كارل ماركس يمكن فهم واقع العمال في سورية لا بوصفه حالة استثنائية أو طارئة بل كأحد الأشكال المتطرفة لانكشاف جوهر الاستغلال الرأسمالي في ظروف الحرب والانهيار.

حيث يبيع العامل السوري اليوم قوة عمله في سوق مختلة بالكامل فالأجر الذي يتقاضاه سواء في القطاع العام أم الخاص لا يغطي الحد الأدنى من إعادة انتاج حياته (غذاء - سكن - صحة ونقل) ووفق منطق ماركس عندما لا يكفي الأجر لإعادة إنتاج قوة العمل فهذا يعني أن زمن العمل الضروري تقلص إلى حده الأدنى فيما توسع زمن العمل غير المدفوع أي القيمة الزائدة إلى أقصى حد ممكن هنا يصبح الاستغلال فاضحاً وغير مقنَّع.
في سورية اليوم لم تعد القيمة الزائدة تنتزع فقط عبر إطالة يوم العمل أو تكثيفه بل من خلال تفريغ الأجر من معناه، فالعامل يعمل شهراً كاملًا لكن أجره لا يكفي أياماً معدودة. هذ الشكل من الاستغلال يتجاوز النموذج الكلاسيكي الذي وصفه ماركس ويقترب من اقتصاد الإفقار حيث يتحول العمل نفسه إلى أداة لإدامة البؤس لا لتجاوزه.


دور الدولة في حماية النهب


يرى ماركس أن الرأسمالي يشتري قوة العمل ليستخرج منها فائض القيمة. في الحالة السورية نرى تشابكاً بين السلطة السياسية ورأس المال حيث تستخدم الدولة نفسها كوسيط في عملية الاستغلال من خلال فرض أجور مجمدة وعقود مؤقتة وهشة وتسريح جماعي وغياب أي حماية نقابية فعالة.
وهكذا لا يعود العامل في مواجهة صاحب عمل فردي فقط بل في مواجهة منظومة متكاملة تحمي استخراج القيمة الزائدة وتمنع أي مقاومة منظمة لها.
ويوضح ماركس أن تطور الرأسمالية يؤدي إلى تمركز الثروة وازدياد الفقر في آن واحد وهذا ما يتجلى بوضوح في سورية، حيث أقلية راكمت الثروة عبر الاحتكار والتهريب والفساد واقتصاد الحرب، بينما انزلقت الغالبية الساحقة من العمال إلى ما دون خط الفقر. إن هذا التفاوت ليس خللاً عرضياً بل نتيجة منطقية لاستخراج القيمة الزائدة في ظروف غياب الرقابة والمحاسبة.


تفتيت الطبقة العاملة


ماركس يرى أن الرأسمالية تخلق من حيث لا تدري شروط مقاومتها عبر تجميع العمال وتوحيد معاناتهم، إلا أن الواقع السوري يظهر الوجه الآخر لهذا التناقض من خلال تفكيك الطبقة العاملة عبر الطائفية والمناطقية والهجرة القسرية والعمل الغير المنظم، ورغم ذلك فإن وحدة المعاناة الاقتصادية ما زالت قائمة وتشكل أرضية كامنة لأي وعي طبقي مستقبلي.
إن ما يعيشه العمال في سورية اليوم هو تجلٍّ حاد لنظرية القيمة الزائدة، حيث ينتج العامل الثروة ولا ينال منها إلا الفتات، وحيث يتحول العمل من وسيلة للعيش إلى عبء وجودي. وفي هذا المعنى لا تكون الأزمة السورية أزمة حرب فقط، بل أزمة نظام اقتصادي-اجتماعي يقوم على استنزاف العمل الإنساني حتى حدوده القصوى دون أفق للعدالة أو الكرامة، ما لم يعد تعريف دور العمل والأجرة والدولة نفسها.


حلول على مستوى الأجر وقيمة العمل (كبح نزيف القيمة الزائدة)


يمكن كبح نزيف القيمة الزائدة كخطوات إسعافية وضرورية في هذه المرحلة، من خلال ربط الأجر الفعلي بسلة معيشة شهرية حقيقية وواقعية تكفل (غذاء – ونقل - صحة – سكن) واعتمادها كمرجعية قانونية للأجور، واعتبار أي أجر يقل عنها أجر استغلالي لا أجر عمل وهذا لا يلغي الاستغلال لكنه يحد من تطرفه، وتفكيك وهم الأجر الاسمي والانتقال من أجر رقمي بلا قيمة إلى أجر مرتبط بالقدرة الشرائية من خلال تعويض غلاء معيشة متحرك وبدلات نقل وغذاء إلزامية.
إن الأزمة ليست في نقص الموارد بل في توزيعها فالسياسة يجب أن تتجه إلى إعادة توزيع الثروة لا إلى إدارة الفقر، والاقتصاد يجب أن يكون في خدمة المجتمع لا العكس، فالإنتاج وسيلة للحياة لا للحكم على البشر بالفقر، ويجب إعادة الاعتبار للقطاع العام الإنتاجي ومنع خصخصة القطاعات الحيوية وإخضاع السوق لضوابط اجتماعية صارمة.


إجراءات قانونية وإدارية


إضافة لاعتماد حلول قانونية في سوق العمل من خلال وقف عقود الإذلال المؤقتة، وتحويلها إلى عقود دائمة تلقائياً أو تحديد سقف زمني قانوني للتعاقد المؤقت، وأي تجاوز لذلك السقف ينقلب لتثبيت حكمي لأن الهشاشة وعدم الحماية القانونية للعمال هي الأداة الأخطر لاستخراج القيمة الزائدة، إضافة لحماية العمل غير المنظم، وتسجيل العمال غير المنظمين في مؤسسة التأمينات الاجتماعية وبالأجر الحقيقي للعامل ومنحهم حداً أدنى من الحماية القانونية والقضائية.
وبناء نقابات من الأسفل لا من الدولة، وتأسيس لجان عمالية مستقلة داخل المعامل والورش والمؤسسات، فالتنظيم هو الرد الوحيد على منظومة الاستغلال وإعادة تعريف دور الدولة من تحويلها من وسيط للاستغلال إلى ضابط حد أدنى للمعيشة لا كشريك في النهب، وتجريم الإفقار وتحويل الأجور غير الكافية والتسريح الجماعي والعمل القسري المقنع إلى أفعال ذات مسؤولية قانونية.
العدالة الاجتماعية كمدخل لإعادة بناء الدولة، حيث لا استقرار دون عدالة ولا عدالة دون حقوق عمالية واعتبار الحقوق العمالية جزءاً من أي حل سياسي وإدراج العمل والكرامة ضمن المبادئ الدستورية وربط إعادة الإعمار بتشغيل عادا لا باستغلال جديد.


أخيراً


الأزمة السورية ليست فقط أزمة سلطة وحرب، بل أزمة نموذج اقتصادي يقوم على استنزاف العمل الإنساني وأي مشروع سياسي لا يضع الأجر والعمل والتنظيم العمالي في صلب برنامجه هو مشروع يعيد إنتاج الانهيار ولو حمل أسماء جديدة.
ووفق منطوق ماركس لا يلغى الاستغلال دفعة واحدة بل يكبح ثم ينظم ثم يواجه، وفي سورية اليوم الحل ليس انتظار نظام عادل بل انتزاع مساحات الحياة داخل نظام ظالم وبناء وعي وتنظيم قادرين مستقبلًا على قلب المعادلة.

معلومات إضافية

العدد رقم:
1262