الطبقة العاملة أساس الاقتصاد الوطني
خلال الأشهر الثلاثة الماضية ومع تعقُّد الوضع الاقتصادي العام واستمرار انخفاض القوة الشرائية للعاملين بأجر، واستكمال رفع الدعم الحكومي عن كل الاحتياجات الأساسية من خبز ومحروقات واتصالات ونقل ودواء، تتدهور الحالة المعيشية للعائلات العمالية بشكل كارثي دون بوادر انفراج أو حلول قريبة إلا بعض التسريبات التخديرية والتصريحات الاستعراضية التي تخرج من هنا وهناك. هذا التدهور الذي أدى لتراجع غير مسبوق بمفهوم الأمن الاجتماعي بما يحمله من معنى متكامل الأركان. وهذا الواقع الذي وصلنا إليه ورغم أنه سلسلة طويلة من الأسباب وهي ليست جديدة العهد إلا إنها تأتي متسارعةً بشكل مخيف يعجز العامل عن التعامل معها والوقوف في وجهها وتخفيف انعكاسها على عائلته كما كان يفعل دائماً.
ولطالما كان الفشل حليفه، فكل ما هو قادر على فعله مجرد محاولة التكيف مع الوقائع المتغيرة اقتصادياً ومعيشياً واجتماعياً. فمنذ بداية الألفية الجديدة والغزو الليبرالي للاقتصاد الوطني الذي قضى بشكل تدريجي على الحد الأدنى من العيش الكريم للطبقة العاملة والشغيلة، وجدت الطبقة العاملة بقطاعيها العام والخاص نفسها في مواجهة كل النتائج الناجمة عن هذا النوع من السياسات القاتلة. واكتسبت مهارة التكيف التدريجي معها فنجحت ببعضها وفشلت بمعظمها، ولم يكن هذا التكيف إلا لعجزها عن الدفاع عن مصالحها في ظل غياب الحريات العامة وبالتالي غياب الحركة السياسية والنقابية الحقيقية التي تنظم حراكها ونضالها وبرنامجها. هذا الغياب الذي جاء نتيجة طبيعية للاستبداد وممارسات نظام الفساد والمخابرات. ومع كل جرعة زائدة من تلك السياسات المحابية للأغنياء وأصحاب النفوذ الاقتصادي الاحتكاري كانت تزداد الظروف المعيشية والاجتماعية قسوةً، كأن أصحاب الأجر وعائلاتهم المكلفون الوحيدون بدفع ثمن فاتورة تلك السياسات من جيوبهم وصحتهم ووقتهم ومستقبل أولادهم. واستمرت تلك المعاناة وتراكمت الخسائر المصاحبة لاستمرار السياسات ذاتها والتي ارتفعت وتيرتها وازدادت كماً ونوعاً مع مرور السنوات. ولكن ما حصل خلال السنة الفائتة، وعلى وجه الدقة منذ سقوط سلطة الأسد الفاسد وحتى اليوم، يعتبر الأكثر تأثيراً، خاصةً مع إطلاق رصاصة الرحمة على الدعم الحكومي المرافق للإصرار على الاستمرار بالسياسات الاقتصادية نفسها من الخصخصة والاستثمارات وتراجع النشاط الإنتاجي الوطني الحقيقي بالقطاع العام والخاص...إلخ. ومرة أخرى تجد الطبقة العاملة نفسها في وضع كارثي جديد وأشد وطأة من كل ما سبق مع استنزافها لكل أدوات التكيف السابقة التي كانت تردم بطريقة أو بأخرى جزءاً من الهوة الكبيرة بين الدخل والمصروف الأساسي، مما يدفعها بشدة باتجاهات شديدة الخطورة على نفسها والمجتمع.
الطبقة العاملة رأس الحربة في الإنتاج والاستهلاك
نرصد بعشرات التصريحات الحكومية وغيرها التفاخر والرهان على السوريين من أجل بناء اقتصادهم الذي سيرفع من سوية معيشتهم وبالاعتماد على قدراتهم وإمكانيات البلاد الغنية، دون أن يوضح المصرحون كيف سيتم ذلك في ظل كل ما نراه من سياسات اقتصادية تسير بالاتجاه المعاكس تماماً، إلا إنْ كان القصد بأن ما سيجري بناؤه هو ثروات المستثمرين الخارجيين والمحليين ورؤوس الأموال وممتلكاتهم. فالمتابع اليومي للوضع المعيشي وسوق العمل يعلم تماماً بأن واقعه المتدهور نتاج طبيعي للسياسات القائمة، وبأن استمرارها لن يغير النتائج بتصريحات أو وعود أو حقول نفط مستثمرة وأبراج ومولات استثمارية مشيدة. فإن كان الهدف بناء اقتصاد وطني بالاعتماد على الثروات الوطنية الذاتية، فالبداية تكون بإنصاف الثروة البشرية وإعادة إحيائها والبناء على مصالحها بالدرجة الأولى. فأصحاب الأجور هم الأغلبية الطبقية وهم على رأس الحربة بالإنتاج والاستهلاك أيضاً، ولا بديل عن الانطلاق من هنا بدل الرهان على تحويلهم لاستثمار جديد يستفيد منه رأس المال دوناً عن سورية والسوريين.
معلومات إضافية
- العدد رقم:
- 1262
هاشم اليعقوبي