همسة صادقة في أذن النقابات

همسة صادقة في أذن النقابات

يمكننا القول بكل صراحة إنّ العاملين بأجر والكادحين عموماً يتعرّضون لأبشع هجومٍ يَضرب عُرضَ الحائط بحقوقهم ومكتسباتهم الأساسية، من العيش الكريم، وفرص العمل، وحق الإضراب عن العمل للطبقة العاملة، وإخصاء الحركة النقابية وضعف الديمقراطية الداخلية داخل النقابات. وذلك دون الدخول في تفاصيل أو تفاسير مطولة لما تعيشه الطبقة العاملة اليوم كجزء من معاناة الشعب ككل، وهذا لا ينفي أهمية هذه التفاصيل والتفسيرات لأنّ هاتين العمليتين مرتبطتان بعضُهما ببعض، وقد تم تناولهما في العديد من المواد السابقة في صحيفتنا قاسيون.

أمام هذا الواقع المزري الذي يعيشه العاملون بأجر قاطبةً وعموم الكادحين في أرجاء البلاد، وأمام هذا الوضع الذي تتغوّل فيه قوى الفساد والنهب، لا بدّ لنا من إيلاء أهمية كبيرة للعديد من القضايا المتكاملة فيما بينها، وفي المقدمة منها الحياة المعيشية للعباد المرتبطة بالرواتب والأجور، وأيُّ تهاون في حلها بشكل سليم سيكلف العمال الكثير من المعاناة. تستمر السلطة التنفيذية بسياساتها الاقتصادية حسب وصفات المراكز المالية الرأسمالية التي تنذر بالخطر المحدق على المجتمع، وإذا لم تستيقظ النقابات من سباتها لمعالجة الأمور بشكل صحيح، سوف يستمر الوضع على حاله بل وسوف يزداد تعمقاً إلى أن يعصف بالجميع.
إنّ الأجر الذي يحتاجه العامل للمعيشة الضروريّة التي تكفل له حداً أدنى من مستوى الحياة المعيشية، ويعتبر مقبولاً في المجتمع الذي يعيش فيه العاملون بأجر، يطلَق عليه في معظم الأدبيات الاقتصادية «حدّ الفقر»، ويقاس الفقر عادةً بناءً على ما يؤمِّنُهُ دخلُ الفرد المعيل للأسرة التي يعيلها وليس للفرد الواحد فقط، كي يستطيع هذا الدخل تلبية الحاجات الأساسيّة والضرورية لأفرادها.
يُقاس الفقر بناءً على مقدار الدخل اللازم لتلبية الاحتياجات الأساسيّة والضرورية، وهي الغذاء ومياه الشرب الصحية والملبس والسكن والعلاج. أما المستوى العام لعدم المساواة في المجتمع، من فقدان الحريات الديمقراطية والسياسية، وتخلّف التشريعات العمالية من قوانين عمل نافذة، وبُعدها عن التشريعات العمالية الدولية من منظمة العمل الدولية والعربية والاتفاقيات الصادرة عنها وغيرها من تشريعات الأمم المتحدة، فهذا شأن آخر، رغم ارتباطه بطبيعة السياسات والعلاقات الاقتصادية الاجتماعية السائدة في المجتمع المنتجة للفقر، وكذلك لا يأخذ بعين الاعتبار بأن الأفراد لديهم احتياجات أخرى اجتماعية ذات أهمية أيضاً تختلف من فرد لآخر.
لذلك يجب أن يكون تحديد الحد الأدنى للأجر مرتبطاً بمتوسط تكاليف المعيشة الحقيقية التي تضمن حياة كريمة للعامل وأسرته، التي يحتاجها العامل يومياً من الغذاء والدواء والخدمات المختلفة من نقل وكهرباء ومياه واتصالات وغيرها، وأن يكون معفى من الضرائب كافة. إنّ اختلال هذه المعادلة يدل على خلل كبير اقتصادي واجتماعي، يعبّر عن مستوى عالي من النهب والفساد الكبير.
وبالعودة إلى النقابات فهي تتحمل مسؤولية خاصة تجاه من تمثّلهم، وزيادة أجورهم زيادة مجزية متناسبة مع غلاء المعيشة، وإنّ التأخر في تحمّل هذه المسؤولية، يعني مزيداً من الإفقار ومزيداً من تسلُّط وتحكُّم قوى النهب بمصير الملايين من الكادحين والعاملين بأجر.
الطبقة العاملة هي المنتجة للخيرات في المجتمع، وهذه الأجور الهزيلة هي تبديد لجهدها وطاقتها وتصب في مصلحة من يسعى إلى تجريف البلاد من كوادرها الشابة العلمية منها والفنية. إنّ هذا الوضع العام الكارثي الذي تعيشه الطبقة العاملة والبلاد عامة، التي أوصلتها إليه السياسات الحكومية، تصب ضمن هدف معين واتجاه واحد، وهو إضعاف الاقتصاد الوطني، لتصبح البلاد لقمة سائغة للأعداء. ويبقى السؤال قائماً: هل تستطيع النقابات أن تعيد تنظيم نفسها تنظيماً جديداً وفعالاً، بالاستفادة من تطوير وتحديث تجاربها التاريخية وأدواتها الكفاحية؟

معلومات إضافية

العدد رقم:
1169
آخر تعديل على الإثنين, 08 نيسان/أبريل 2024 12:46