مستقبل العمل النقابي

مستقبل العمل النقابي

عند القراءة لتاريخ عمل النقابات في البلاد منذ أواخر خمسينيّات القرن الماضي، يتبيّن لنا أنها مرّت بتطورات مختلفة من الناحية السياسية والتنظيمية، والأهم من ناحية الدور الذي كانت تلعبه من أجل أن يكون لها وزن في ميزان القوى السائد.

فقد اكتسبت وزنها الحقيقي في المعارك التي خاضتها في اتجاهين: أولاً، في المساهمة العملية في العمل الوطني لطرد المحتل الفرنسي إلى جانب القوى الوطنية الأخرى. والجانب الثاني، في انتزاع حقوقها الاقتصادية والديمقراطية بأن تكون الحركة العمالية والنقابية مستقلة في قرارها وأنْ تعبّر عن مصالح وحقوق الطبقة العاملة السورية.
إنّ الأمراض الحالية التي تعاني منها النقابات، من تشتت وبيروقراطية، ومن تهادن طبقي مع أرباب العمل، سواء الدولة أو غيرها، كل ذلك نتيجة لوجود هيمنة منفردة ومتحكمة في النقابات، فعلى سبيل المثال لم يستطع اتحاد عمال دمشق عقد مؤتمره السنوي المزمع عقده في ذكرى تأسيس الاتحاد العام للنقابات في سورية في موعده المحدَّد مسبقاً حيث تم تأجيله في وقت حرج إلى موعد لاحق لم يعلَن رسمياً بعد. لذلك فإن معالجة هذه الأمراض ومكافحتها، باستعمال تلك الأدوات البيروقراطية، بعيداً عن أسلحتها وأدواتها المجربة المثبت فاعليتها عند الطبقة العاملة بكل أرجاء المعمورة، ما هو إلا معالجة النتائج والظواهر بدل معالجة الأسباب. ولهذا وجب أن تعي الطبقة العاملة، بأن مصلحتها تكمن في استعادة العمل النقابي المستند إلى برنامج يعبر عن مصالح الطبقة العاملة أولاً.
إن دور النقابات الأساسي هو الدفاع عن مصالح الطبقة العاملة وحماية حقوقها، ويعتبر هذا المحدد لبرامجها وأهدافها. فالمرحلة المقبلة من حياة البلاد تتطلب من التنظيم النقابي أن يكون لديه ذلك البرنامج الذي يعتمد بشكل أساسي على مصلحة الطبقة العاملة في حماية حقوقها كافة وبالأخص الأجر العادل الذي يَعتمِدُ أساساً له مستوى تكاليف المعيشة، وأن يتسلح بأدوات نضالية حقيقية مختلفة وبعيدة كل البعد عن تلك الأساليب التي أضعفته، وأن تعود النقابات إلى قاعدتها الأساسية وهي الطبقة العاملة قبل فوات الأوان، وإفساح المجال للعمال لاختيار ممثليهم بشكل ديمقراطي حقيقي دون وصاية من أحد. ولتبدأ بذلك من الآن حيث لديها فرصة مهمة اليوم، فالدورة النقابية الحالية شارفت على الانتهاء والدورة الجديدة قادمة بالقريب من الأيام فهل تستطيع فعل ذلك. لذلك لا يجوز أن تبني المنظمة النقابية سياستها على بعض المطالب البسيطة والصغيرة، بل بمواجهة منظومة السياسات الحكومية مواجهةً شاملة لأنّ هذه السياسات الاقتصادية أصابت المجتمع ككل وأصابت كل بيت وعائلة مما انعكس على صحتها وتعليمها ومستقبل أولادها وعلى قُوْتها اليومي ومعيشتها، وهذه مهمة النقابيين الكفاحيين المتسلحين بإرادة التغيير الشامل والجذري للمجتمع، والمقتنعين أن طبقة العمال هي قائدة هذا التغيير، حيث تعتبر الطبقة العاملة خزّان القوى الضاغطة من أجل تحسين شروط التفاوض مع الدولة وحكوماتها وأرباب العمل كافة.
إن النضال النقابي مدرسة سياسية وتنظيمية لتربية العمال لوعي وحدتهم وقوتهم والتعرف على أعدائهم وأسلحتهم وخدعهم المختلفة. وإلّا سيبقى العمل النقابي يدور في حلقة مفرغة وستتحول النقابات إلى هيئات فاقدة لأي قدرة على مقاومة سياسات الجباية الجائرة والنهب والفساد. إن إصلاح العمل النقابي من خلال طرق وأساليب العمل النقابي المتَّبعة حالياً، يعتبر عملية عقيمة، وتزيد كوارث العاملين بأجر من جوع وفقر مدقع، ويمكن أن تؤدّي إلى التشرذم وتزيد طغيان قوى الفساد والنهب والتكالب على الطبقة العاملة.

معلومات إضافية

العدد رقم:
1168
آخر تعديل على الإثنين, 08 نيسان/أبريل 2024 12:35