من يرفع الأسعار؟

من يرفع الأسعار؟

السؤال الذي يطرح دائماً من هو المسؤول عن ظاهرة ارتفاع الأسعار التي تشهدها البلاد بشكل يومي؟ هل هم القائمون على الاستيراد؟ أم اصحاب الاستثمارات الكبرى؟ أم كما قال أحد أعضاء غرفة التجارة لإحدى المحطات الإذاعية، الأسعار بيد الله كما هي الأعمار؟ أم بيد الحكومة؟ أم النقابات؟

قبل الإجابة عن هذه التساؤلات، علينا أن نذكر أن الحكومات المتعاقبة وأصحاب الثروات وخاصة حديثي النعم، هم شركاء في السياسة الاقتصادية القائمة، والتي تسير عليها الحكومة منذ تبني ما يسمى اقتصاد السوق الاجتماعي، المبنية أساساً على الاقتصاد النيوليبرالي، أي سياسة إلغاء الدعم الحكومي للمواد الأساسية الغذائية منها والمحرقات بمختلف أنواعها، ورفع أسعار الكهرباء على الصناعيين باستثناء ذي الحظوة منهم، وإعطاء الأسواق لحفنة من تجار الأزمات والحروب، وفق توجهات صندوق النقد الدولي، تحت شعار «المنافسة الحرة سوف تؤدي إلى خفض الأسعار».

إن الحقيقة تؤكد غير ذلك، لقد بات من المعروف أن مصالح كل من أصحاب الثروات المنهوبة والحكومات التي تبنت السياسة النيوليبرالية مستمرة وعلى حساب جيوب وبطون العمال ومتطلباتهم المعيشية الأساسية. ما أدى إلى رفع تكاليف الحياة الأساسية بشكل ينهك العمال بأجر خاصة والمواطنين عامة.

قد يقول قائل، إن موجة الغلاء هذه تجتاح العالم عامة ومنها بلادنا. لكن بالمقابل نشهد حراكاً عمالياً ونقابياً من إضرابات واحتجاجات مختلفة، تقوم به في العديد من البلدان، العربية منها وغير العربية حيث تطالب بتخفيض الأسعار وزيادة الأجور. في محاوله منها لوقف هذا الغلاء وتخفيض الأسعار، وخاصة أسعار المواد الغذائية الأساسية، إضافة إلى الحد من رفع أسعار الكهرباء والمحروقات بمختلف أنواعها. نلاحظ أن العديد من الحكومات، خاصة الأوروبية منها بدأت تعود لتتدخل في تنظيم السوق. من أجل حد رفع الأسعار، نتيجة هذه الاحتجاجات. إن أكثر من 90 في المئة من طبقتنا العاملة تعيش بحالة من الفقر والمرض والجهل وكأنه القدر المحتوم. فرضتها عليها تلك السياسات التي اتبعتها الحكومات المتعاقبة، وكانت تقوم بإقرار زيادات شكلية في الحد الأدنى للأجور مع كثير من الدعاية والبهرجة ليبقى هذا المطلب للطبقة العاملة غامضاً ومجالاً لتلاعب الحكومة وأرباب العمل فيه.

إن الحد الأدنى للأجر اليوم هو أجر لا يكفي العامل حتى لسد رمق الجوع والعطش وبالطبع لا يستجيب لمتطلبات وحاجات العامل الأساسية في حدها الأدنى المقبول. لذلك لا بد من إعادة النظر في قيمته الأساسية وهي القيمة التي تضمن للعامل تحقيق الحد الأدنى من العيش الكريم. وهذه مهمة لا بد أن تكون بالمقام الأول من اهتمامات النقابات. من خلال مفاوضات تتضمن موقفاً واضحاً مع الدولة وأرباب العمل. لمواجهة الغلاء وارتفاع الأسعار، واجتثاث الفساد الذي ينهب العمال والدولة والمجتمع.

إن ربط الحد الأدنى للأجور يجب أن يكون مرتبطاً بالغلاء وارتفاع الأسعار عبر تطبيق السلم المتحرك للأسعار. وليس كما تروج له السلطات التنفيذية ربط الأجر بالإنتاج تحت مسمع وصمت النقابات. ولكن كي تفرض الطبقة العاملة تطبيق حق تأمين وتحسين الحد الأدنى للأجور الذي يؤمن كافة احتياجاتها الأساسية والضرورية ويحقق العيش الكريم، يتطلب هذا أن ترتقي إلى درجة طبقة لذاتها تعرف مصالحها وكيفية انتزاعها. ومن شروط ذلك قوة وفعالية تنظيمها النقابي المستقل ليكون البوصلة والمرشد للأغلبية الساحقة من العمال.

إذا كانت تلك القوى الطبقية المشبعة بالفساد والنهب، لا ترى الطبقة العاملة طبقة اجتماعية لها مصالحها ولها حقوق لا بد أن تؤدى، وهي منتجة لتلك الثروات التي ينهبونها. نقول لهم، إن الطبقة العاملة موجودة. لكنها تفتقد مؤقتاً تلك النقابات القادرة على توحيدها وتنظيم عملها وقواها، والقيام من جديد بالعمل الأساسي الذي قام به مؤسسو الحركة النقابية.

إن تاريخ الطبقة العاملة السورية وتجربتها الواسعة والمهمة، بانتصاراتها وبهزائمها، علمتنا بأن الأمور قد تتغير بسرعة كبيرة. إن تقديم التنازلات لقوى رأس المال بذريعة الأزمة والحرب وابتعاد النقابات عن أهدافها الأساسية والذي في المقدمة منها تحسين الأجور للعمال بما يتناسب مع مستوى المعيشية، وعجز النقابات عن التعبير عن مشكلات عمالها سيؤدي ذلك إلى حالة ليست في مصالح الطرفين، العمال والنقابات، وستكون النتيجة فقدان هذه النقابات لقاعدتها الأساسية وهي الطبقة العاملة مبرر وجودها وشرعيتها.

معلومات إضافية

العدد رقم:
1135