النقابات واتفاقيات العمل
ميلاد شوقي ميلاد شوقي

النقابات واتفاقيات العمل

تكون اتفاقات العمل الجماعية التي تعقد بين منظمات العمال، ومنظمات أصحاب العمل، الوسيلة الأنجع لحماية العامل، لأنه من المفترض أن يكون التفاوض بين قوتين متماثلتين في النفوذ والقوة، فلا يمكن لمنظمات العمل أن تفرض شروطها المجحفة، كما يحدث عادة حين يكون التعاقد بين صاحب العمل الذي يملك المال والنفوذ، وبين العامل الذي لا يملك سوى قوة عمله التي يبيعها كي يؤمن معيشته.

 

من المفترض أن منظمات العمل تستند إلى قوتها، التي تسمدها من اعتراف العمال بها كقوة تمثلهم، وهي هنا تفاوض رب العمل من موقع القوة، وتملك العديد من الوسائل الفعالة في مواجهة أصحاب العمل، ومنها: الإضراب، الذي من خلاله أو من خلال التهديد فيه، تفرض شروطها وتدافع عن مصلحة العمال.
اتفاقات العمل الجماعية
رغم نص قانون العمل رقم 17 على هذا النوع من الاتفاقات، إلا أن النقابات لم تذهب بهذا الاتجاه، وبقيت الأمور خاضعة لقانون سوق العمل والعقد شريعة المتعاقدين، ويعود ذلك لعدة أسباب، أهمها: ارتباط النقابات بجهاز الدولة «نحن والحكومة شركاء»، حيث تعتمد النقابات لحل بعض مشكلات العمال بشكل رئيس على علاقتها بجهاز الدولة، الذي بينه وبين حقوق العمال طلاق ربما يكون بائناً، وهي لذلك تبدو إجراءاتها ومحاولاتها في الدفاع عن مصالح العمال بالأشكال والطرق المتبعة كخيار وطريقة وحيده تبدو أنها غير فعالة، وهذا يظهر بوضوح في المؤتمرات النقابية، وما يطرح فيها من قضايا ومطالب تتكرر في كل المؤتمرات والمجالس النقابية، لأن جهاز الدولة وفي ظل اختلال موازين القوى بين قوة العمل ورأس المال، وانحيازه للأخير، فإن ذلك يجعل تغيير الوسائل والطرق في الدفاع عن الحقوق والمصالح للطبقة العاملة أمراً يفرضه الواقع الذي من المفترض أنه يتغير.
المادة 8 القديمة والنقابات
المادة الثامنة من الدستور السابق، والتي مازالت سارية المفعول بحكم الأمر الواقع حتى الآن، جعلت من المنظمات الشعبية بما فيها النقابات مقيدة في التحرك المفترض، كتعبير عن مصالح من تمثل، وهذا يظهر بشكل جلي في اللحظات التي تستوجب موقفاً حاسماً، مثل: قضية الأجور وقانون التشاركية، والعلاقة المنفتحة مع الرأسمال الأجنبي والعربي، والاستجابة لتعليمات صندوق النقد والبنك الدوليين، وتمرير القانون رقم 17 وغيرها من القضايا التي كانت تحتاج إلى موقف تعبر فيه النقابات عن عدم رضاها، وعدم قبولها بما يجري، باعتبار ما جرى ويجري يمس المصالح الجذرية للطبقة العاملة، وبالتالي الدفاع عنها قضية وطنية كما هو الدفاع عن الحدود والقضايا الوطنية العامة، وكما جرى في سنوات ما قبل انفجار الأزمة الوطنية.
من الطبيعي إن سريان مفعول المادة الثامنة من الدستور القديم، والطريقة التي تم فيها التحضير للدورة الانتخابية السابقة والحالية، بفرض القائمة المغلقة والمحاصصة النقابية الشكلية، ذلك كله ساهم في وصول العديد من «القيادات» النقابية الذين ولاؤهم لمن أوصلهم إلى هذه المواقع، والذي بات يتهددهم العزل في كل مناسبة ويقال لهم «مثل ما أتيتم بقرار بتنشالو بقرار»، طريقة تكوين مثل هذه القيادات تجعل الطبقة العاملة في المواقع الإنتاجية لا تنظر إليهم باعتبارهم قيادات يمكنها الدفاع عن حقوقهم ومصالحهم، وبهذا الفعل تكون الهوة قد تعمقت بين الحركة النقابية ومن تمثلهم من العمال، وتجعل العمال يذهبون في الدفاع عن حقوقهم بطرقهم التي يبتدعونها في ظروف وشروط عملهم، وهناك العديد من الأمثلة عما نقوله، تعرفها النقابات.
إن ما لحق بالطبقة العاملة من مآسٍ وظلم وهدر بحقوقها بسبب السياسات الليبرالية الاقتصادية للحكومات المتعاقبة، والتي كانت أحد أسباب انفجار الأزمة السورية، هي سبب كافٍ لجعل الحركة النقابية تعيد النظر في الكثير من طرق وأدوات عملها، فهل تفعلها النقابات؟.