فيلم «نوم الشتاء» لنوري جيلان.. إيقاظ قلب راقد تحت الثلج
ايمان حميدان ايمان حميدان

فيلم «نوم الشتاء» لنوري جيلان.. إيقاظ قلب راقد تحت الثلج

لدى فيلم «نوم الشتاء» للمخرج التركي نوري بيلج جيلان والذي حاز جائزة السعفة الذهبية في الدورة الأخيرة لمهرجان كان، كل مواصفات القصص الخرافية.

وحش وجميلة وقصر تحت الثلج وطبيعة تشبه بلاد أليس!! لكن نفحات السحر التي فيه تأتي خفيفة ومتقطعة الى درجة ان المشاهد لا يشعر بها. بل على العكس انه فيلم يحكي عن غياب السحر وسط عالم يعيد تقيؤ نفسه. عالم يبدأ كل شخص فيه من الصفر في طرح أسئلته حول حياته وأفكاره والعالم. فيلم عميق يصل الى القلب عن رجل عنده تقريبا كل شيء إلا أنه لا يملك شيئا. عن زواج فاشل لرجل بدأ المقلب الثاني من عمره وزوجة شابة يسكنان قلعة في جبال الاناضول حوّل الزوج جزءا منها الى فندق أسماه عطيل. فيلم عن لا معنى الوجود أمام عظمة طبيعة شتائية تخطف القلب وعن وحشية البشر الباردة إزاء المعاناة.

آيبدين هو الزوج وصاحب القلعة الفندق (لعب الدور الممثل القدير هالوك بيلجينير) يبدو في بداية الفيلم هو أيضا كقلعة بشرية: رجل طويل بشعره مبعثر أبيض ووجه لا يخفي حزنا مكثفا، يقف وحيدا وسط مساحة شاسعة من الارض الصخرية الجرداء حيث لا شجرة ولا نبتة ولا لون أخضر... نراه في مكان مرتفع ليس بعيداً عن بيته ويبدو كملك شكسبيري مهزوم أو كتائه هوميروسي يفتش عن مكان ضائع ولا يصل اليه. المنظر الذي يبدأ فيه المخرج التركي فيلمه من الصعب أن يُنسى. جبال صخرية جرداء بدأ الشتاء يغطي قممها بالثلج. بيوت كأنها حفرت في الصخر بفعل الطبيعة وتوسعت وصارت أسطحها وجدرانها الخارجية تشبه كهوف الإنسان الاول. انه منظر شكسبيري بامتياز وقد يكون أيضا والى حد ما انعكاسا ولو من بعيد لتأثر جيلان بأجواء برغمان في أفلامه المبكرة. لكن نكتشف بعد دقائق أن تلك الوحدة تختبئ تحت أقنعة عدة فالرجل هو صاحب القلعة ووريثها مع أخته التي عادت الى بيت الأهل لأنها طلقت من زوجها السكير والزوجة الشابة التي قلما نراها في الجزء الاول من الفيلم الطويل جدا (ثلاث ساعات وربع) وتعيش دورة حياة لا يستطيع الزوج دخولها أو لا تسمح له بذلك. تناضل من أجل الخروج من عزلتها عبر نشاط خيري اجتماعي يدعم المدارس الابتدائية في المنطقة الجبلية المنعزلة. كذلك السائق والمساعد في آن معا الذي يرافق آيدين كظله وفاطمة الخادمة التي نادرا ما تنطق بجملة.

قدم المخرج التركي بطله تظلّله أجواء «الأبله» رائعة دوستويوفسكي وأيضا مزاجية شكسبيرية. ليس بالصدفة ان يُسمى الفندق عطيل، فصاحبه كان ممثلا مسرحيا كوميديا وربما مثل دور عطيل مرات عدة، فضلا عن الطبيعة الأناضولية التي كانت شخصية أساسية في الفيلم أيضا والتي ذكرتني لأكثر من مرة بمسرحيات شكسبيرية بامتياز. فندق يستقبل سائحين من حول العالم. هؤلاء الذين يسعون الى سياحة «ايكولوجية» مغايرة لكن مع قدوم الشتاء يفرغ الفندق من شاغليه ويجد نزلاؤه الدائمون أنفسهم وحيدين، كل أمام الآخر وتصبح اللحظة حاسمة لامرأتي العائلة المتناقضتين غير الصديقتين على حد المسكوت عنه.

شبه قطيعة مع الزوج تقوم بها الزوجة الشابة الجميلة نِهال (لعبت الدور مليسا سوزين) لا ندري متى بدأت رغم النتف الكلامية من هنا وهناك حول علاقة غير متكافئة تشعر فيها الشابة بأنها سجينة قلعة ذهبية، حيث المال والخدم، مع غياب أي تواصل حميم مع زوجها. تحاول نهال ان تبني شيئا خاصا لها بعيدا عن سلطة الزوج وعلاقاته، وهذا ليس بالأمر الهين في منطقة نائية حيث معظم سكان البلدة الصغيرة من طبقة أدنى وبعضهم مستأجر عند زوجها الذي ورث أملاكا شاسعة ومنازل من أبيه وتحول الى بارون صغير في عيون السكان الفقراء. تلك العلاقة مع المستأجرين لا تمر دوماً دون أشكال. مشهد إلقاء حجر على زجاج سيارة آيدين من قِبل صبي يستأجر أهله بيتا من آيدين ولا يستطيعون دفع الإيجار يعكس بكثافة وعمق إشكاليات وتعقيدات العلاقات الاجتماعية في منطقة ريفية يعاني سكانها من الفقر والبطالة. لكن رغم ذلك ما زالت القيم الريفية في العلاقة مع السمعة واسم العائلة مسيطرة. لذا نجد بالمقابل أناسا يحاولون إرسال تلك التناقضات الاجتماعية الى النوم ومحاولة تدويرها كما يفعل إمام البلدة.

لكن شخصية آيدين ليست بتلك البساطة بل هي شخصية معقدة، إذ يتأرجح المشاهد بين التعاطف والكراهية نحوها. ترك التمثيل المسرحي وأصبح كاتب مقالة أسبوعية لجريدة لا يقرأها أحد حسب تعليق شقيقته نشلا التي لا ترى أي أهمية. لم يكن سهلا على آيدين أن يظهر مشاعره إزاء أي موقف أو شخص بطريقة سهلة وبسيطة. كان الصمت أو التهكم أو الابتعاد والعزلة والاتكال على سائقه ومساعده أفضل الخيارات. تفاصيل العلاقة المعقدة بين الرجل وزوجته بدت أكثر وضوحاً حين عاد الى البيت ذات مساء ورأى أن زوجته دعت الى اجتماع للناشطين معها في العمل الخيري دون سؤاله أو إخباره، بل انها طلبت منه ان يترك الغرفة لأنه اجتماع خاص. كانت هذه المرة الاولى التي يعبر فيها عن طلب مباشر بقوله ان هذا بيته وانه لا يسمح لأي أحد بأن يأتي دون علمه أو موافقته.

صاحب شخصية معقدة دون شك. يطمح ايدين الى كتابة تاريخ المسرح التركي. يحلم بأن يكتب كتابا يعبر فيه بحرية عن كل أفكاره. يكتب مقالة أسبوعية ينتقد فيها من يشاء. لكنه في الوقت نفسه لا يفكر بمعاناة العائلات حوله ولا بفهم أسباب ان يقدم صبي على رمي حجر على سيارته، يقبل ان يمد يده كي يقبّلها ذلك الصبي. هو أيضا يتمتع أيضا بمشاهدة مطاردة حصان بري وترويضه وسجنه في اسطبل. مشهد ملاحقة الحصان ومن ثم رمي الحبل حول عنقه هو من أجمل مشاهد الفيلم وأكثرها تعبيرا عن رؤية المخرج الفلسفية وما يود قوله دون كلام.

لقطات مليئة وحوارات غنية ومكثفة في الفيلم الطويل الذي تجاوز الثلاث ساعات حاول عبرها المخرج بناء قصة ذات أبعاد مختلفة تطال التقدم في العمر وإعادة النظر في الأفكار السابقة التي كان يخالها المرء مقدسة لا تتغير الى الأحكام المسبقة على الآخرين الى رؤية التاريخ والماضي بعين مختلفة. لماذا لا نرد الأذى بالعمل الجيد إزاء من قام بالاذى، تتساءل شقيقته التي بدأت تعاود تفكيرها بقرار الطلاق وترى انه كان بإمكانها مثلا ان ترد بإيجابية على أذى زوجها نحوها وتستمر في حياتها معه. في سهرة الشرب التي تحولت الى نقاش عدائي بين آيدين والأستاذ المدرسي الذي تعمل معه زوجة آيدين في المشروع الخيري، تحول الى تصفية حساب شخصي لآيدين ليبدأ التحدث عن الضمير والسرقة وانتهازيي الحروب غامزا من قناة الأستاذ. انها أسئلة بسيطة لكنها تحمل خلفها تساؤلات فلسفية حول الشر والاستغلال وكيفية التعامل معها. جو تحضر كلمات شكسبير فيه كأن المخرج يريد الذهاب الى الآخر في الحوار. تزور نهال بيت الصبي الذي اعتدى على سيارة زوجها وتقدم المال إلى رجل الدين الإمام وهو عم الصبي. ما عملها سوى تعبير عن رؤية مختلفة للتعامل مع الأذى. انها تكفير عن ذنب القبول بغياب التكافؤ الاجتماعي وبفقدان أي إحساس بالآخر، كان هو المسبّب الأول للأذى.

اهتم المخرج التركي نوري جيلان في فيلمه الروائي الجديد بالتركيز على شخصية أساسية ومرافقتها في مراحل تغيرها. بدأ آيدين رجلاً وحيداً كحيوان مجروح في غابة، نام قلبه في حضن الشتاء. في نهاية الفيلم نراه يبدأ بكتابة حلم عمره: تاريخ المسرح التركي. صحيح ان الفيلم هو عن نوم الشتاء حيث العمر والوحدة وفقدان الحب والندم والاذى يشكلون عناصر العلاقات المعقدة بين الشخصيات. لكنه أيضا فيلم عن إيقاظ قلب نام طويلا تحت الثلج ويريد الآن البحث عن الدفء والضوء.

 

المصدر: السفير