النيوليبرالية والمثقفون
بقلم: برابهات باتنيك
المصدر الأصلي: People's Democracy، ١٢ تموز ٢٠٢٦
من أبرز سمات الرأسمالية النيوليبرالية، في بلدان العالم الثالث كالهند، تلك الهوّة التي تفتقها بين الجماهير الكادحة والمثقفين. ففي الحقبة الاستعمارية، اضطلع نفرٌ من المثقفين الهنود بدورٍ بارزٍ في كشف البؤس الذي أوقعه الاستعمار على الشعب الهندي؛ بل إن كثيرين منهم التحقوا بصفوف المقاومة الفعلية ضد الاستعمار، فذاقوا مرارة السجن والحرمان. ومن ثمَّ، نالوا احترام الجماهير، وهو احترامٌ ظلّ قائماً حتى بعد الاستقلال، وفي مرحلة التنمية التوجيهية (الديريچست)، حيث بقوا مراقبين أمناء وناقدين لتأثير استراتيجية التنمية على حياة الناس.
لقد اتسمت المجتمعات ما قبل الرأسمالية، حتى في أوقاتها الاعتيادية، بدرجةٍ من التبجيل الذي يخصُّ العامة المثقفين به. وقد تعزّز هذا التبجيل بما قام به المثقفون في سياق النضال ضد الاستعمار، وفي مرحلة التوجيهية التي أعقبت الاستقلال في بلدان كالهند.
غير أن النيوليبرالية تُغيّر هذه المعادلة جذرياً. فهي تسعى لإقامة نظامٍ رأسماليٍّ متحرّرٍ من كل قيد، حيث يندمج رأس المال الاحتكاري المحلّي مع رأس المال المالي العالمي، وغايتها إعادة صياغة المجتمع وفق الخطوط الرأسمالية التقليدية المألوفة. وهنا يتبدّل موقع المثقفين من وجوه عدة:
أولاً: لما كان جوهر الرأسمالية هو تفكيك ما تبقّى من أواصر الجماعة، وحصر الجماعات الاجتماعية في إطار أفرادٍ يلهث كلٌّ وراء مصلحته الذاتية، فإن المثقفين أنفسهم يختزلون إلى مجرد أفرادٍ يدبّرون شؤونهم، لا إلى نقباء ينوبون عن الشعب. فتتحوّل الهموم المهنية، والرغبة في اغتنام فرص الترقّي الشخصي محلياً وعالمياً، إلى الشاغل الأكبر حتى للنخبة المثقفة.
الدور الاجتماعي للمثقفين
ثانياً: كان الدور الاجتماعي للمثقفين، في الفترة السابقة للنيوليبرالية، مدعوماً بمنظورٍ نظريّ تبنّوه، ألا وهو منظور مناهضة الإمبريالية. وصحيح أن ثمة خلافاتٍ نظريةً كبرى بين أوساط المثقفين، لكن غالبيتهم كانوا يشتركون في الإقرار بحقيقة الإمبريالية القائمة؛ وهذا ما وجد صدىً لدى الجماهير، وجعل مثقفي العالم الثالث متميزين عن التيارات النظرية المهيمنة في الغرب. بيد أن النيوليبرالية تعمل بجهدٍ على طمس هذه الخلافات النظرية، وفرض توافقٍ واحدٍ في كلٍّ من المراكز الإمبريالية والعالم الثالث، وهو التوافق الذي تهيمن عليه الرؤية الغربية، المدعومة من البنك الدولي وصندوق النقد الدولي، القائلة بأن تنمية العالم الثالث لا تتحقق بمقاومة الإمبريالية، بل باعتناقها.
ومع إسكات الأصوات المعارضة في الحقل النظري، وتطابق الخطاب السائد في الغرب مع الخطاب الناشئ حديثاً في العالم الثالث، لا تنفتح آفاق التوظيف لشريحةٍ أكبر من مثقفي العالم الثالث في المراكز الغربية فحسب، بل تزداد هوّتهم مع شعوبهم اتساعاً. ذلك أن تجربة شعوب العالم الثالث لا تتطابق مع استنتاجات التوافق النظري الذي يُبنى بين مثقفي المركز ومثقفي الأطراف.
ولا ينبغي أن نُقلل من شأن انهيار الاتحاد السوفييتي، الذي ظلَّ، رغم عيوبه كلها، لعقودٍ نموذجاً بديلاً ملهماً، في تسهيل هذه العملية برمتها لبلورة هذا التوافق بين مثقفي المركز ومثقفي الأطراف.
ثالثاً: إن خصخصة قطاعاتٍ حيويةٍ من الاقتصاد، لا سيّما التعليم، والتي تُعدّ سمةً بارزةً للنيوليبرالية، تؤدي إلى تسليع العمل الأكاديمي، ومن ثمّ إلى تقويض مسيرته كنشاط نقدي. ذلك أن الهدف الذي تسعى إليه المؤسسات التعليمية الخاصة التي تتكاثر في ظل الوضع الجديد، هو إنتاج الطلاب كسلعٍ قابلةٍ للتسويق. وبهذا يضيع الهدف الأساسي للتعليم في مجتمع العالم الثالث، الذي ينبغي أن يقتضي، على حد تعبير أنطونيو غرامشي، تكوين "مثقفين عضويين" للشعب المناهض للاستعمار. بل إن الأكاديميين العاملين في هذه المؤسسات الخاصة يُعاقبون إذا هم غرسوا في طلابهم روح النقد والاستقصاء؛ كما تُثبط النشاطات الطلابية والتنظيمات النقابية في هذه المؤسسات. وكلّ ذلك يزيد من ابتعاد المثقفين عن حياة الناس، ويحجزهم في عالمٍ منعزلٍ لإنتاج السلع الفكرية المتخصصة. النيوليبرالية، باختصار، تفصل المثقفين عن هموم الشعوب.
تجويع الميزانية العامة
لقد رثى وزيرٌ كبير في حكومة "بهاراتيا جاناتا" بولاية البنغال الغربية، قبل أيام، حال كلية "الرئاسة" وجامعة كلكتا، اللتين كانتا مناراتٍ فكريةٍ في البلاد، وما هُما اليوم إلا مؤسساتٍ باهتة. ثم اقترح أن تستعيد البنغال الغربية مجدها الأكاديمي المفقود بمساعدة القطاع الخاص. ولا يخفى ما في تحليله من سطحية، إذ يرزح تحت وطأة الجهل بالصلة بين تجويع الميزانية العامة للتعليم وتدهوره إلى مستوى الرداءة. فهو يريد إحياء التعليم العالي في البنغال الغربية (وهو هدفٌ مثير للسخرية في حدِّ ذاته، يصدر عن ممثل حكومةٍ نيو-فاشية) دون أن ينفق من الميزانية ما يكفي!
للهوّة التي تخلقها النيوليبرالية بين المثقفين والجماهير أثرٌ بالغ الأهمية، ألا وهو تهيئة الأرضية لصعود النيو-فاشية. صحيح أن ثمة عواملَ أساسيةً متعددةً وراء صعود هذه الظاهرة، في مقدمتها تشجيع رأس المال الاحتكاري لها، إذ يُحالف النيو-فاشين ليحافظ على هيمنته في خضم أزمة النيوليبرالية؛ لكن الدعاية النيو-فاشية ضد أقليةٍ عاجزة، لتوليد الكراهية تجاهها داخل الأغلبية، وتقسيم الشعب وإشغاله بخطابٍ مشتت، لم تكن لتنجح بهذا القدر لو ظلَّ لكلام المثقفين- كما كان عليه الحال قبل العصر النيوليبرالي- وقعُه في نفوس الناس.
والواقع، أن الأفكار النيو-فاشية لا تجد رواجاً حقيقياً في أوساط المثقفين؛ بيد أنها تكتسب شيئاً من القبول بين الجماهير، لأن الأصوات المناهضة للفاشية في صفوف المثقفين، رغم كونها الغالبة، لا تُكتم فقط بالترهيب، بل تُجعل غير فاعلةٍ بما يكفي بسبب الهوّة التي تخلقها الرأسمالية النيوليبرالية بين المثقفين والشعب. إن فقدان المثقفين لمصداقيتهم لدى الجماهير هو عاملٌ تمكينيٌّ رئيسيٌّ في صعود النيو-فاشية إلى سدة الحكم.
أزمة فائض إنتاج
هكذا تمهد النيوليبرالية الطريق للنيو-فاشية من وجوهٍ شتّى. وأهم هذه الوجوه، بلا شك، هو: الأزمة التي تُحدثها حتماً. فطالما أن الحجم النسبي لجيش الاحتياطي من العمالة، في ظل النظام النيوليبرالي، لا ينكمش، بل على العكس يزداد حتى حين يتسارع النمو الظاهري للناتج المحلي، فإن الأجور الحقيقية لا ترتفع مع ارتفاع إنتاجية العمل. (وهذا الارتفاع في إنتاجية العمل هو نفسه سبب عدم تناقص الحجم النسبي لجيش الاحتياطي من العمالة). وهذا يرفع حصة الفائض الاقتصادي في الناتج، ويولّد أزمة فائض إنتاج، إذ تظل الطاقات الاستهلاكية منخفضة بالنسبة إلى الناتج. وهذه الأزمة هي التي تهيئ السياق للتحالف بين رأس المال الاحتكاري والتيار الهندوسي المتطرف (الهندوتفا)، ولتشجيع رأس المال الاحتكاري للنيو-فاشية. غير أن النيوليبرالية تسهم في هذه العملية بطرائق أخرى، من أبرزها: ذلك الفقدان العام للثقة بين الجماهير والمثقفين الذي تحدثه.
تتميز الماركسية بكونها شبه الوحيدة التي تعترف بدور النيوليبرالية في صعود النيو-فاشية إلى سدة الحكم. فالتحليلات الليبرالية لهذا الصعود لا تركّز إلا على العوامل الاجتماعية والتاريخية، وتكاد تغفل الجذور الاقتصادية السياسية للظاهرة. لكن إغفال ذلك يضعف النضال المناهض للنيو-فاشية. فحتى لو تمَّ، على سبيل الفرض، التغلب على مكائد النيو-فاشية وإزاحتها عن السلطة بالطرق الانتخابية، فإن استمرار الطابع النيوليبرالي للاقتصاد، وبقاء الأزمة التي ولّدها، سيؤديان حتماً إلى عودة النيو-فاشية إلى الحكم، كما حدث في الولايات المتحدة مع إعادة انتخاب دونالد ترامب.
لذلك، فإن النضال ضد النيو-فاشية يستلزم تجاوز المرحلة التي أوجدتها، وهذا يتطلب بدوره تجاوز الرأسمالية النيوليبرالية. على المثقفين أن يستيقظوا لهذه الحقيقة، فهم يتحملون مسؤوليةً تاريخيةً في إعادة نسج روابطهم بالجماهير. لا يكفي أن يحذّروهم من مخاطر النيو-فاشية؛ بل لا بد من رسم أجندة اقتصادية بديلة، تخرجهم من مأزق الركود والبطالة الذي أوقعتهم فيه النيوليبرالية. لا تُقهر النيو-فاشية إلا بتجاوز النيوليبرالية في آنٍ واحد.
عن الكاتب:
برابهات باتنيك، خبير اقتصادي سياسي ومعلّق سياسي هندي. من مؤلفاته: التراكم والاستقرار في ظل الرأسمالية (١٩٩٧)، وقيمة النقود (٢٠٠٩)، وإعادة تصوّر الاشتراكية (٢٠١١).
معلومات إضافية
- العدد رقم:
- 1286